اهداها إلي بنسختها الألكترونية وقال:
اقرأي ياعزيزتي اقرأي فأنا أعلم أنك لست بخير لكن علّ القراءة في هذا الوقت بالذات تخفف عبئ ماتحملينه من أثقال أشعر بها ولا أعرف كنهها.
شكرته على هديته بلا كلام بل ب (زهرة) الكترونية بعثتها له كرد ،كعادتي حين يكون الحديث أثقل علي من حملِ جبل عندما أكون منطفئة .
(الشيطان جسد) رواية سعد سعيد الصادرة حديثا ،رواية خفيفة ،صريحة،ممتعة،عميقة،يفهم لغتها كل من يقرأها ولايتعظ بفحواها وهدفها إلا من هو ( ذو حظ عظيم).
تُرى هل هي رواية ام دراسة سايكولوجية من روائي درس النفس البشرية كما درس ولده الدكتور زيد الطب النفسي ؟!.
أم هي المصادفة أن يكون الأب والإبن لهما نفس الولع في التأمل في هذه النفس البشرية التي لايدرك عمقها إلا خالقها!
بعد روايته (كلمات لاتستحي) التي سلط فيها الضوء على هؤلاء الذين تتقززون منهم ،أولئك المهمشون ومن يفترشون القاع ،من سحبتهم اقدارهم وهفواتهم وضعفهم إلى الأسفل ، أتت رواية (الشيطان جسد) لتوجه عين الكاميرا هذه المرة على ماهو أخطر وأعمق وأهم ،إنها نفسنا البشرية بكل ضعفها وهشاشتها وجبروتها .
في هذه الرواية تحديدا (الشيطان جسد) وجدت صديقي الروائي المشاكس سعد سعيد حاضرا بجسده وروحه في كل سطر من سطورها ، انا اكتب الآن انطباعي عن الرواية كقارئة فحسب ،لكني لو حدثتكم ككاتبة سأبوح لكم بسر لاأظن أنه في بئر أبدا .
فنحن الكُتاب نتخفى احيانا خلف الرمزية في السرد أو نرتدي ثوب أحد ابطال رواياتنا لنبوح بما نتحرج من قوله صراحة وأحيانا نضرب كل شيء عرض الحائط وننفجر بالبوح دون قناع ولا غطاء ،فالكتابة ملعبنا الوحيد الذي نمارس اللعب فيه دون أن نقيد أنفسنا بشروط اللعبة وتأكدوا بأننا لانخشى صفارات أو كارت الطرد من الحكم.
هنا سعد سعيد باح بما يعتلج في روحه ويقضُ مضجعه ،فقد قال كل شيء عن كل شيء، سخر ،شتم،ابكانا ،اضحكنا،علمنا،وقال ماله وماعليه كعادته وكأنه يكتب قفشاته اليومية على جداره الشخصي في فيس بوك .
لذا قلت إنني وجدته حاضرا معي وأنا اقرأ (الشيطان جسد) تلك الرواية الأكثر من مهمة ،لكن ماأهميتها ياترى؟!
يقول سعد سعيد في الرواية في قفشة من قفشاته الساخرة(ماريد أصير فرويد براسكم).
لكنه في الحقيقة تناول المدرسة الفرويدية بدقة متناهية ، فحين تكون الأنا العليا غائبة أو ضعيفة ستشدنا الغرائز (الهو) نحو الأسفل وهنا ستصبح الذات(الأنا)هشة ممزقة في صراعها بين القيم والمبادئ وبين الرغبات ،بين مايجب وما لايمكننا كبحه.
بطلات رواية (الشيطان جسد) على اختلافهن فقد سقطن في فخ الرغبات أو مايسميه فرويد (الهو) لأن أناهن العليا كانت مشوهة ،وببساطة إن اردت ان تحمي امرأة من الوقوع في المحظور أو أن تكون لقمة سائغة في فم صيادها المضطرب نفسيا هو الآخر ،فقط القمها الحب والاهتمام والأمان مذ أن يبشروك بأن زوجتك ولدت لك بنتا بدل أن يسود وجهك وتتوارى وأنت كظيم .
لن أشرح أكثر من سطوري هذه فيما يخص بطلات رواية الشيطان جسد فقد شرح وأفاض سعد سعيد وحذّر ورسم صورا لماض وحاضر ومستقبل دون أن يحكم أو يكيل التهم ، بل وضع النفس البشرية تحت المجهر وقال لكم تعالوا وحاولوا ان تفهموا قبل أن تذبحوا ليسلم الشرف الرفيع من الدنس ،فلو غمرنا تلك النفوس الضعيفة منذ ولادتها بالحب والعطف وعلمناها كيف تتزن لما احتجنا للوأد والنحر كي نبقي ثوبنا ناصعا.
أنا عادة لا أحب أن احرق أحداث اي رواية اكتب عنها بذكر شخوصها وتفاصيلها بوضوح مفضوح ،لكن( فائز) بطل هذه الرواية هو( تريند) مواقع التواصل منذ فترة من الزمن ، هل حزرتم من هو فائز؟ ، من هي الشخصية التي راحت ضحيتها آلاف الفتيات؟
إنه الوسيم الرائع الذي يكيل لكِ كلمات الحب وكأنها تخرج صدقا من قلبه مع إنه بلا قلب أساسا،إنه غير المتعاطف الأناني النذل،اللامع من الخارج والذي يقتله الشعور بالدونية وانعدام القيمة من الداخل ،إنه النرجسي ياعزيزتي،اقرأي رواية سعد سعيد(الشيطان جسد) لتتعرفي على أي (فائز) قبل أن يتلاعب بك ثم تتسائلين بعد فوات الأوان ،كيف، لماذا؟ ،لقد وعدني ،كان يهيم بي!
ثم إن للمدرسة النفسية المعرفية التي أسسها عالم النفس آيرون بيك والتي تقول أن بإمكاننا أن نغير من أنفسنا لو فهمنا ووعينا وغيرنا من حاضرنا بتغيير أفكارنا وإن صدمات الطفولة ليس سجننا الأبدي كما تقر وتؤمن بها المدرسة الفيرويدية ،كان لها نصيبا في سرد سعد سعيد ،فقد لمست في سطوره هذا المنحى بل وأكد عليه من خلال سرد ممتع خال من الطرح العلمي المباشر.
أخيرا يقول لكم سعد سعيد في هذه الرواية إن لكل (فائز)نهاية ،فالحياة أقصر وأغلى من أن نخرج منها مسربلين بالوهم والغباء ورغبات جسد لم يسترشد بالكنز الذي وضعه الله له داخل رأسه اسمه (العقل ) لو استمعنا له قليلا لتغيرت مصائرنا واقدارنا التي لنا الدور الكبير في رسمها أحيانا.











