لم يعد الحلم عند كثير من الشباب أن يصبح طبيبا أو مهندسا أو كاتبا مرموقا ، بل أن يحصد ملايين المشاهدات في دقائق معدودة. لم يعد “اللايك” مجرد إشارة إعجاب عابرة بل صار جواز مرور إلى شعور مؤقت بالاعتراف والوجود. في عالم التيك توك تتحول الثواني القصيرة إلى عمر كامل ويغدو الرقص السريع أو العبارة الساخرة أو التحدي المثير هو الطريق الأقصر للظهور. لكن خلف هذا البريق الرقمي هناك قلق دفين وسؤال مؤرق: من نحن حقا؟
جيل التيك توك ليس مجرد جيل مراهق يلهو بالهواتف بل هو مرآة لعصر فقد إيقاعه الطبيعي. جيل يعيش في زمن السرعة حيث لا وقت للتأمل ، ولا مساحة للتفكير الطويل ولا قيمة للصبر على مشروع يمتد سنوات. كل شيء يقاس بالثواني: النجاح، الشهرة، الحب، وحتى الفشل. وإذا كان جيل الأمس يكتب رسائل بخط اليد ويصبر أياما لانتظار الرد فإن جيل اليوم ينهار إن تأخر إشعار “الإعجاب” دقائق.
لكن هذا الجيل – مهما بدا سطحيا – ليس بلا حلم. إنهم يبحثون بصدق ربما لم ننتبه إليه عن معنى يعوّض ما سُرق منهم في عالم مرتبك. يبحثون عن صوت يُسمع وسط جلبة الكبار عن هوية تتشكل بعيدا عن الأوامر التقليدية عن مساحة يملكونها وحدهم في عالم ضاق بالوجوه والسلطات والأفكار الجامدة. وفي غياب منصات حوار حقيقية وجدوا في التيك توك ساحاتهم المفتوحة حتى لو امتلأت بالضجيج.
الخطر ليس في المنصة ذاتها بل في أن تصبح بديلا عن الحياة. أن يُختزل الإنسان في صورة عابرة وأن تتحول قيمته إلى أرقام لا تحمل روحا. حينها ينسى المرء أن الهوية أعمق من رقصة أو نكتة أو تحدٍ. الهوية تُبنى من تجربة من صبر على التعلم من خيبة يتلوها نهوض ومن أثر يتركه الإنسان في محيطه. وما اللايك إلا ومضة قصيرة لا تكفي لتضيء طريق العمر.
ومع ذلك لا يجوز أن نرفع أصابع الاتهام إلى هذا الجيل وحده. نحن الذين تركناه يتعلم من الشاشة أكثر مما يتعلم من المعلم ويجد القدوة في “الترند” أكثر مما يجدها في البيت أو المدرسة. نحن الذين سمحنا للعالم الافتراضي أن يسبق الواقع بخطوات واسعة ، ثم لُمْنا أبناءنا لأنهم هرولوا خلفه. الحقيقة أن أزمة جيل التيك توك هي أيضا أزمة عالم فقد توازنه.عالم ألقى بالشباب في فضاء مفتوح بلا بوصلة.
لكن، وسط هذا الضجيج تبقى هناك بارقة أمل. فكما نجد من يلهث وراء الاستعراض نجد آخرين يستخدمون التيك توك لبث المعرفة والوعي والإبداع. شباب يقدّمون دروسا في الفيزياء أو نصائح في الصحة أو قراءات في الشعر ويصنعون من المنصة الجذّابة معبرا إلى عوالم أرحب. وهذا وحده دليل أن الأداة ليست قدرا محتوما، بل مرآة لما نضعه فيها من روح.
المطلوب إذن ليس محاربة التيك توك ولا شيطنته بل إعادة صياغة علاقتنا به. أن نعلّم أبناءنا أن المنصات مجرد وسائل لا غايات وأن “اللايك” ليس مقياسًا للنجاح بل تمريرة سريعة في لعبة أكبر. وأن الهوية لا تُستعار من شاشة بل تُصاغ في القلب والعقل والسلوك اليومي. وكما قال أحد الحكماء: لا يعرف الإنسان نفسه في المرآة بل حين يُمتحن بما لا يراه الآخرون.
جيل التيك توك أمام اختبار عسير: إما أن يظل معلقا بين الحلم واللايك أو أن يحوّل المنصة إلى أداة لصناعة وعي جديد يليق بعصره. والسؤال الذي سيبقى مفتوحا أمامنا جميعا: هل نملك الشجاعة لمساعدتهم على أن يجدوا أنفسهم لا أن يفقدوها في زحام العناوين السريعة؟










