منذ بداياته ظل المسرح يحيى بروح التجريب تلك الشرارة التي تبعث فيه الدهشة وتمنعه من الركود، فالتجريب ليس طرفا جماليا بل قلقا إبداعيا يضع المسرح أمام تحدي ذاته وأسئلته المستمرة ، ومن هنا تأتي أهمية مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي باعتباره فضاء لمسائله معنى التجريب وكشف التباسات مساره في المسرح العربي والعالمي، وهو معنى لم يعد مستقرا منذ ان ينفتح المسرح على انزياحات جمالية وتقنية متلاحقة جعلت من السؤال أكثر ثقلا من الإجابة ، وأكثر إرباكا من وضوح المسارات ، فالتجريب الذي تأسس كقيمة بحثية قد تحول مع مرور العقود الى مفردة تتسع لكل شيء، حتى فقدت احيانا صرامتها النقدية ، وصارت مأوى لخيبات الكثير من الممارسات التي لم تستطع ان تؤسس خطابا جماليا متماسكا ، وبناء على ذلك يبدو المهرجان بمثابه صورة لواقع المسرح العربي، فهو ليس منتجا للنصوص أو العروض لكنه ساحة فرز وتبادل تكشف التجارب التي تمر من خلالها عن طبيعة الأسئلة التي طرحها المسرحيون العرب على أنفسهم وعلى واقعهم ، غير أن هذه الأسئلة في أغلبها ظلت رهينه محاولات تفكيك القديم دون القدرة على إعادة إنتاجه في شكل يتجاوز منجزاته السابقة، وهنا يكمن جوهر الالتباس الذي يقودنا الى السؤال التالي هل التجريف في المسرح العربي هو رغبه في التحرر من الإرث ؟، أم محاولة لتمديده بطريقه أخرى ، أم مجرد ذريعة للهروب من عجز النصوص والعروض عن ملامسة الراهن بعمق، ولهذا يمكننا القول بأن الذي يتأمل في مسيرة المهرجان عبر أكثر من ثلاثة عقود يدرك أن ما يعرض على خشبته من أعمال يكشف عن ازدواجية واضحة، فمن جهة هناك محاولات جاده لابتكار لغات مسرحية تستثمر أدوات جديدة في الأداء والإخراج والسينوغرافيا والتقنيات الرقمية ، ومن جهة أخرى تقدس أعمالا تستهل شعار التغريب ، فتقدم مشاهد متنوعة لا تنتمي لمدرسة جمالية واضحة ولا لموقف فكري راسخ ، ومن هنا جاءت صورة المسرح العربي فقد تاه بين الرغبة في التحديث وبين العجز عن صياغة هوية تجريبية متصلة بخطابه الاجتماعي والسياسي، وكنتيجة نهائية لهذا التصور يمكننا القول بأن القاهرة في هذا المهرجان لا تعد مدينه مضيفة بل تعتبر مختبرا مفتوحا يعرض أمام الجمهور والنقاد معا صوره بانورامية لحال المسرح في المنطقة ، وما يعزز من أهمية ذلك المهرجان يتيح فرصة لمقارنة ما يحدث عندنا بما يقدمه الآخر فتتضح الفجوة أحيانا وتظهر أيضا بعض الإشراقات التي تبرر استمرار الرهان على التجريب كخيار ضروري رغم الالتباسات في معناه ، وحتى في ظل هيمنة الاعمال العشوائية يبقى هناك من يغامر بالبحث عن لغة أكثر صفاء، وعن علاقه متوترة وخلاقة مع الموروث ، وعن جسد مسرحي قادر على تبذير طاقاته في مواجهه أسئلة الإنسان العربي المعاصر .
وختاما لما بدأت أقول بأن استمرار مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي بعد 32 دورة يفصح بأن سؤال التجريب لا يزال عصيا على الحسم، وأن المسرح العربي لم يجد بعد مكانه الآمن بين القديم والجديد لكنه في المقابل يؤكد أن هذا السؤال رغم ثقله وارتباكه هو المحرك الأعمق لأي ممارسة مسرحية تسعى لأن تكون حية متجددة، لأن التجريب ليس وصفة جاهزة ولا شعارا للزينة، بل لفعل مقاومة ضد الركود، وفضاء مفتوح على احتمالات لا تنتهي ،وهو بهذا المعنى يمثل قدر المسرح بقدر ما هو طموحه .










