جرت العادة أن ينظم الباحثون قراءاتهم على قواعد عامة مرتبطة بالتوجه الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي لبلدانهم ، في سياق منظومة ثقافية مركزية تحكمها شعارات التجديد والابداع في مختلف الأجناس المعرفية والأدبية والفنية ، ومن بينها المسرح طبعا ، وهو ما أوقع الأخير في تكرار صناعته بين نص وأداء وإنتاح ورؤية إخراج ، فلم ينتج حتى اليوم خصوصية نوعية لفرجة متجددة ، مدهشة فريدة . في كتابه ” مدخل إلى فن المسرح ” أبو الفنون ” يتحرى د. كمال يونس هذه الإشكاليات بوعي مسرحي ، وعمق وعوي ، مبتدرا كتابه بتناول الأخطاء الشائعة في تداول المصطلحات المسرحية ، بعيدا من الدقة وطبيعة المفهوم ، حيث يستند الباحث إلى نظريات قديمة لم تعد صالحة للاستخدام اليوم ، وحيث يجب أن يصار إلى تجديدها من قبل صانعي المشهد المسرح العربي ، تنظيرا وتطبيقا ، باسطا بعضها لعموم الفائدة للقراء على اختلاف مستوياتهم ، ولتبيان معاني بعض ما يستخدم في دنيا الفن عامة والمسرحي خاصة، والتي تتردد على ألسنة الأكاديميين ، وفي كتاباتهم دون توضيح مفهومها ( ماذا تعني) ، مما يجعلها غريبة معقدة خاصة لدى الطلاب والمهتمين بالمسرح . تداول يونس مصطلحات الأسلوب والطراز والفرجة ، والفرجة المسرحية ، الابستمولوجيا ، الباراديم ( PARADIGM ) ، الصراع ، الايقاع الدرامي ، وغيرها من المصطلحات ، كما تحدث عن النص المسرحي ، والنص المسرحي الشعري ، وعن الإعداد المسرحي ، ومسرحة الغير ممسرح ، وعن الميتاتياتر Meta theatre ، والتابو والهرمنيوطيقا ، وعن السيموطيقيا..السيميولجيا..علم العلامات ، الاستطيقا (الإدراك الحسي) ، والكاثارسيس..التطهير..التنفيس ، وعن المونولوج أو حديث النفس أو النّجوى ، ثم عن طرق تذكر الماضي وتخيل المستقبل في العمل الفني من خلال استدعاء الذاكرة المفاجئ لحدث ما ، أو التقدم للمستقبل بالخيال ، كما تناول وظيفة الممثل والمخرج والمسرح الرقمي ، متطرقا إلى السينوغرافيا كفن لتشكيل الصورة المسرحية ، وغيرها من مصطلحات العمل المسرحي . أما في النقد ، فاعتبر يونس أن للنقد المسرحي دورا خطيرا جدا في لناحية كونه علم وفن ، يؤثر إيجابا في استشكال الأعمال الفنية وإبداعيتها ، صورة وحركة للجمهور لأجل تحقيق المتعة الفنية ( سمعية ، بصرية ، حسية )، وفكرية تستثير فكره وتدفعه لاتخاذ موقف إيجابي تجاه قضية ما يتبناها النص ويجسدها الممثل ، كما يرى أن للنقد عيوبا يجب تفاديها وأهمها إغفال وجهل الكاتب لنوعية القارئ للمقال النقدي ، ولغة المقال المتردية الهشة لغويا وجماليا ، وأن يتضمن المقال لفقرات طوال مدحا لعبقرية بطل أو بطلة العرض ، في انحياز واضح لشخصيات بعينها ،أو مغازلة الجهات المنتجة ، خالصا إلى وجوب أن يكون الناقد واعيا بعمق لاهتمامات الجمهور بإلقاء الضوء على مكامن الإبداع في العمل المنقود ، من كافه جوانبه : ديكور ، أزياء ، إضاءة ، موسيقى ، أغاني ، حوار ، أشعار .. ) وموافقة كل ذلك مع الموقف الدرامي ومع الأداء وتلقائيته الحركية . أنهى يونس كتابه بالتركيز على دستور أخلاقيات المسرحيين ، خاصا كاثلين فريمان وستانسلافسكي بالحديث في هذا السياق ؛ فعالم المسرح تحكمه أخلاقيات متعارف عليها تحدد الانضباط الذاتي تجاه الحرفة ، واحترام الزملاء ، والجمهور ، وهي تضع كل ممثل في مكانه محترمة تحفظ له كرامته من خلال التعاون المشترك فيما بين الجميع بعيدا عن الفردية ، وصولا للمسرح المنضبط الجيد . في مثل هذا التصور يبسط يونس بعضا من ضوابط سلوكيات الممثل ومنها التزامه بالآداب والسلوك في الكواليس وبقواعد أي مسرح محدد قد يعمل فيه ، واحترام الجمهور ، والقبول بنصائح المخرج والمنتج ، والصبر وتجنب الانفعالات المزاجية ، والتعامل مع أدوات المسرح والأزياء بعناية فائقة ، وغيرها من القيم الأخلاقية في إعداد الممثل . يبقى أن الكتاب محتوى جدي للورش المسرحية باختلاف أنواعها ، ودليلا أيقونيا للمذهب الجمالي الذي يجب أن يكون عليه نحو تصوير الانسان بشكل واقعي .









