د. تهاني محمد
كنت اظن أنه اهداني مجموعته القصصية الجديدة ،حمامة بيضاء سافرت من بلاد المغرب لتحط بوداعة في بريدي الألكتروني ،لذا شكرته على هديته ،لكني اكتشفت بأنني خُدعت .
بلى ،قد تم خِداعي ،حينما فَتحت الملف ولم أجد كتابا ولاقصصا، ومثل ألس في بلاد العجائب ،وجدت صندوقا منقوش عليه كلمات تشع ضياءً وتفيض غموضا (لاشيء ينتهي باسدال الستارة).
فهمست لنفسي: بالتأكيد لاشيء ينتهي باسدار الستار، بل كل شيء يبدأ حينها ، تلك اللحظة التي تبتلع فيها خيبة أو تغادر فيها حلما لم يُقَدّر له أن يكتمل ،كل حكاياتنا تبدأ بعد أن نسدل الستار لأننا دوما سنرى الصورة كاملة حين نقفز خارج اطار اللوحة ونقف لنتأملها من بعيد.
عندها فتحت الصندوق .
فانعكس على وجنتي وجبهتي لمعان الجواهر ،ثماني عشرة قطعة تتلألأ ،ثماني عشرة قصة على امتداد ١٧٤ صفحة ،فرُحتُ ارتدي حلية تلو أخرى وليومين متتاليين وأنا غارقة في صندوق المفاجآت هذا .
لكن عن ماذا احدثكم أولا ؟!
هل ابدأ بأكبر الآلئ واشدها لمعانا مثل قصة( ماخلف الباب ) ؟؟، حيث تلك الطفلة التي اهدتها جدتها دمية ، هنا يسرد لنا بنساعود كيف كانت حكاية الطفلة مع دميتها ،كيف تتصرف معها وتحاكيها وكيف كانت نهاية تلك الدمية ، في الحقيقة قد كانت الطفلة تُسقِط كل مشاعرها على دميتها،احتياجاتها،كيف تتمنى من الأسرة أن تعاملها هي ، وكيف تتم معاملتها واقعيا، اقرأوا مثلا:
(عندما اخرج وأسرتي للمطعم ،اخذها معي،فتجلس معنا على كرسي،اطلب لها طبقها المفضل الفريت والكاتشاب ،لكنها غالبا ما لا تُكمله،فاكمِله أنا حتى لايغضب مني أبي، وعادة لاينتبه الناس والنادل على أنها مجرد دمية!!).
في الحقيقة دوما نحن نرتكب هذا الخطأ بحق اطفالنا فنجبرهم على التهام الطبق بالكامل ونحن نبحلق في وجوههم الصغيرة بوجوهنا العابسة التي تلوح بالتهديد والوعيد ،فيطيعنا الصغار خوفا ولا ادري كيف تتحمل معدتهم الصغيرة هذا الحب القسري منا، ولا يتقيؤوه في وجوهنا.
هنا الطفلة تُسقِط ماتعانيه هي على دميتها ،وجملة (عادة لاينتبه الناس ولا النادل الى أنها مجرد دمية!).
هي في عمقها تعني إننا لا ننتبه إلى أنهم مجرد اطفالا لكننا نلوث برائتهم بعقدنا النفسية .
ويستمر اسقاط مشاعر الطفلة على دميتها ،بغياب الأم ودخولها المستشفى تبدا الطفلة تشعر بأنفاس الدمية الدافئة وقُبلتها على خدها ، فتقفز مرعوبة ،إنه
( لاوعيها ) حيث تتمنى حضنا وقبلة يواسيانها في غياب الأم، ثم يعاد المشهد عند موت الأم ، فنرى الدمية تنتظر أمام باب البيت دامعة لتخبر الطفلة (ماتت ماما ،ماتت)، فتختلط دموع الدمية (فلة) بدموع صاحبتها وتستمر الحكاية حتى تستيقظ الطفلة ربما من غيبوبة قصيرة بعد شجن لاطاقة لها بحمله، فتجد نفسها جالسة على السرير وتحت قدميها شظايا متناثرة لدميتها على أرضية الغرفة .
تسأل،تصرخ ،(ماذا حصل ؟ من كسر فلة؟وماصحة ماحكته لي؟وهل حكته لي فعلا؟
اقف ،أخطو خطوتين ،ولا اجرؤ على فتح الباب) .
بالطبع لن تجرؤ الطفلة بعد اليوم على فتح الباب ، الباب هو مايربطها بذاتها الحقيقة التي كانت تحاكيها عبر دميتها ،ذاتها التي قررت أن تخفيها إلى الأبد عندما هشمت دميتها بيدها واحالتها إلى شظايا ، قررت أن تدفن الضعف ،المشاعر، الإحتياج ،لن ترغب بالأحضان ولا بالقبل بعد الآن ،فقد زاد الإغتراب عن حده وطفح ،ستعيش بقسوة زائفة لتنجو .
قرار طفلة تتصرف من دون أن تعي ماتفعل، لكن جُرحَها هو من يحركها ، وسيبقى الجرح غائرا والذات الحقيقية مطمورة إلى الأبد .
لستُ ناقدة ولم ادرس النقد، ولن أتمكن من اعطاء هذه القصة حقها ، لكن صدقا اقول إن قصة (ماخلف الباب) عميقة ومهمة وتقول الكثير جدا.
لكن صانع الجواهر علي بنساعود لم يمهلنا لنلتقط انفاسنا من لهاث لمعان لؤلؤته الأولى وإذا بقصة (هذا لست أنا) تشع في الصفحة التالية .
قصة (هذا لست انا ) وضع فيها بنساعود اصبعه على أحد العوائق المتعبة جدا في جلسات العلاج النفسي ،
ألا وهي (النُقلَة)، والنُقلة transference هي اسقاط المريض كل مشاعره القديمة من كُره ، غيظ، اشمئزاز ، غدر أو حب ،هيام ،احتياج ، على معالجه النفسي، ويتعامل مع معالجه كأنه جزء من ماضيه .
تحدث النُقلَة اثناء جلسات العلاج النفسي وعلى المعالج أن يكون يقظًا لها ولايَنخرط معها .
هنا في قصة (هذا لست أنا )يسرد لنا بنساعود تلك النُقلة التي حدثت للمريض مع معالجته النفسية فهام بها حبا ثم بعد أيام وليال من العشق والغرام إذا بها تتخلى عنه وتُحيله إلى زميل لها ليعالجه ، فيتمزق من الغدر والخذلان ، ويَشعُر بأنها قد تلاعبت به .
سَرد لنا القاص تلك الحكاية بطريقة مشوقة لكنها غير مُطابقة لما يَحدُث واقعيا في جلسات العلاج النفسي.
حيث حدثت تلك النُقلة والمريض مازال جالس في قاعة الانتظار لم يَحِن دوره بعد للدخول إلى غرفة المعالجة ، وهذا ما أعطى للقصة تشويقا وغموضا.
وبالنسبة للقارئ الذي لم يسمع بالنُقلة، قد يظن أنها محض هلاوس مرضية كجزء من الاضطراب النفسي .
وحتى لو فَهم القارئ القصة بهذه الطريقة فقد كانت النهاية مُفاجِئة وموفقة جدا وتُغلِفُها الدهشة.
ثم يستمر صانع الجواهر علي بنساعود في تناول موضوعات متفردة وعميقة في قصص المجموعة بالكامل .
قصة (بوصلة في مهب الريح) اشارت لنا بأبهى حلة سردية كيف تتم صناعة (كذاب محترف )، كيف نَسد النقص بالتلفيق والخيال لنتوازن ، أحد أسباب الانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية هو نقص الإحتياجات الأساسية (هرم ماسلو).
أما قصة(فجأة انقطع التيار) فقد اعادت لي جُرح قديم غرَسَته فيّ سكين مُعلمة مُختلة ولاشك، هَبطت على رؤوسنا كالصاعقة في مدرستي ، كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري ، لن انسى ابدا قبحها الخارجي والداخلي بشعرها الأحمر المقرف وعينيها الجاحظتين ،كانت تصب لعناتها علينا ،فنحن في نظرها عاهرات رغم عذريتنا، فاسقات حتى لو لم نقترف فسقا يوما،السم الذي كان يسيح من وعائها كاد يشككنا في انفسنا حتى إن بعض منا كن حينه.
إن بعض منا كن حينها قد بدأن يكرهن انفسهن بلاسبب وانا كنت احداهن ، لذا نبشت هذه القصة ندبة في روحي لكن حمدا لله حين تحسست الندبة وجدتها قد اصبحت اثرا لخدش عتيق لم يعد ينزف ولايتسع ولايتقيح ،ببساطة أقول قد تمكنت بعد جهد من حقن نفسي بالترياق الذي منع سم تلك الأفعى من تلويث روحي.
باختصار وقفت قصص بنساعود على جراح اخفياناها وهواجس لم نبح بها بعد ، سرد لنا بمتعة وسلاسة وألم كيف يمكن للعائلة والمدرسة والمجتمع المنحرف والحرب والفقر أن يشوهوا البراءة ويصنعوا بمنتهى الجودة أفرادا مضطربين نفسيا ثم يحاكمونهم أو يسخروا من اضطرابهم .
حقا كيف لمن يدخل منجما للفحم ان يخرج ناصع الثياب !!
علي بنساعود قد سلط رادارا كاشفا في قصصه هذه ليفتح الأعين المغلقة ويصرخ بالنعامة لتخرج رأسها من الرمال .
واعتقد انني سألخص اسلوب القاص المغربي علي بنساعود وافكاره في السرد من سطور اقتطعتها من قصته بعنوان (ذات وجع) حيث تهمس البطلة لنفسها بهذه الكلمات وهي تقرأ نزيفها الذي كتبته بخط يدها قبل سنوات حين قضم الوحوش عذريتها فلم تفقد زهرتها فحسب بل نسيت من تكون وانفصلت عن ذاتها فماعادت تعرف أكانت هي من ذُبحت على يد من لا شرف له ولاضمير ام امرأة اخرى يخيل إليها أنها قد سمعت بقصتها يوما
تقول السطور:
(في سري قلت يا إلهي أي نوع من الكتابة هذه التي متى قرأتها عثرت على نفسك متشظيا بين حروفها ووجدت تجربتك مقطرة ترشح بين ثنايها حاملة افكارك مشاعرك ،احلامك، هلاوسك)
بلى هكذا بالضبط ستهمس لنفسك حين تكمل كتاب صانع الجواهر القاص المغربي علي بنساعود (لاشيء ينتهي باسدال الستارة)











