توالى الترحيب الدولي والعربي وحتى الفلسطيني بـ “خطّة إنهاء الحرب في غزّة” فليس هناك بديلٌ منها، ثم أنها صادرة عن أميركا الشريكة المحاربة الى جانب إسرائيل وقد قرّرت وقف الحرب بشروط تلبي مصالح الشريكين ورؤيتهما لـ “شرق أوسط جديد”. ومع الترحيب توالت الإشادات بدونالد ترامب كما لو أنه حقق “السلام” بمجرد عرض خطته، علماً بأنه ضمّن تصريحه الطويل كمّاً هائلاً من المدائح لنفسه كرئيس لـ “مجلس السلام”، فما يهمّه أن تسمع “لجنة جائزة نوبل” قبل اتخاذ قرارها في الأيام المقبلة.
التحرّك الديبلوماسي المكثف لـ “تنفيذ حلّ الدولتين” من خلال الاعتراف بـ “دولة فلسطين” هو ما عجّل بتغيير موقف ترامب من استمرار الحرب، لكنه وظّف خطته في تحقيق أهداف إسرائيل مركّزاً كل مداخلاته على “إطلاق سراح الرهائن” من دون أي التفاتة ولو شكلية الى معاناة الفلسطينيين، وعلى “القضاء على حماس” من دون تجديد الاعتراف بالسلطة الفلسطينية التي تنفرد واشنطن وإسرائيل حالياً بعدم الاعتراف بها. وإذ تضمن البيان الختامي لمؤتمر “حلّ الدولتين” دعوةً صريحةً الى “نزع سلاح حماس” وإلى إدارة انتقالية لقطاع غزّة بمشاركة السلطة الفلسطينية، فقد أخذت خطة ترامب نزع السلاح وعزّزته بعرض عفو عام عن الحمساويين وتسهيل لمغادرة قادتهم، إلا أنها أحاطت مشاركة السلطة الفلسطينية بغموض محمّل بالشروط. وهذا ما أرادته إسرائيل تماماً: فمن جهة كانت تعاقب كلّ غزّة بما فيها “حماس” والفصائل على هجمات السابع من أكتوبر، ومن جهة أخرى واصلت معاقبة السلطة كونها تمثل شرعية الشعب الفلسطيني وتُشكّل نواة “الدولة” التي اعترفت بها غالبية العالم.
خطة ترامب أضعفت بتفاصيلها إنْ لم تكن أطاحت الزخم الدولي في شأن “دولة فلسطين”، فإنهاء الحرب أولوية عالمية وهذا ما عرضه ترامب للبيع، بل زاد عليه ترتيبات لـ “اليوم التالي” و”هدايا” أخرى خادعة: لا ضمّ للضفة الغربية، لا احتلال لقطاع غزّة، ولا تهجيرَ قسرياً، وليس مؤكداً اعتماد الخطة العربية لإعادة الإعمار. أما منع ضمّ الضفة فيلغيه الاستمرار في الاستيطان، وأما عدم احتلال القطاع فلأنه سيكون تحت وصاية دولية مع هيمنة أمنية إسرائيلية لتنفّذ في خطة “ريفييرا غزة” منقّحة، وبالنسبة الى التهجير فقد يصبح الآن أكثر إلحاحاً لأن الحياة الطبيعية لن تعود تلقائياً وسط الدمار الهائل، خصوصاً أن ترامب أعطى انطباعاً لسائر الدول بأن مساهماتها مرحّبٌ بها من خلال “مجلس السلام” وإدارته الإشكالية بوجود أشخاص مثل توني بلير أو جاريد كوشنر أو غيرهما ممن لا يوحون بأي استقلالية عن التواطؤ الأميركي- الإسرائيلي العميق.
مطلوبٌ اليوم من “حماس” والفصائل أن تلغي نفسها عسكرياً وسياسياً بقرار ذاتي “طوعي”. ستحاول ابداء ملاحظات أو طلب تعديلات على ما يُعرض عليها، لكن التفاوض على المقترحات بعد قصف الدوحة لن يكون كما قبله، وأصبح المطلوب “نعم” بلا “ولكن”. الأمر بالغ التعقيد والصعوبة بطبيعة الحال، لكن الرفض يعني مزيداً من الإبادة بكل اشكالها.
كان يقال خلال عامَيْ الحرب أن “طوفان لأقصى” أعاد القضية الفلسطينية الى مركز الاهتمام الدولي، لكن أحد الأهداف المضمرة في خطة ترامب- نتنياهو هو اخراج القضية من رعاية الأمم المتحدة وشرعيتها القانونية والسياسية لجعلها تحت مرجعية “مجلس السلام” الترامبي الذي لن تكون له أي شرعية.










