لقد تغيرت جرائم النصب من الاحتيال على البسطاء لسلب أموالهم القليلة، وباستعمال مظاهر خادعة بسيطة، إلى الادعاء بامتلاك مشروعات وهمية تُدار من خلال مظاهر خارجية يحرص المحتالون على إكسابها صورة المظهر المشروع بوجود وثائق ومقار وإعلانات وغيرها من الأمور التى تُكسِب الثقة، وبالاحتيال والنصب على المصارف والحصول على القروض الضخمة بضمانات وهمية تبدو فى ظاهرها كافية لتغطية قيمة هذه القروض فى حالة عدم الوفاء،
وبجمع أموال الناس لتوظيفها واستثمارها فى محافظ استثمارية وهمية وإعطائهم أرباحاً عالية، وباستعمال أساليب المكر والخداع لإضفاء الثقة على المحتالين، وستر الأساليب الاحتيالية التى يستخدمونها
كما شهد المجتمع المصرى كثيراً من عمليات الاحتيال فى التخليص الجمركى وفوضى الحدود أثناء الثورة وبعدها، وكثيراً من جرائم النصب فى الأوراق الرسمية لاستخراج بطاقات أو شهادات وغيرها، هذا بخلاف عمليات النصب فى عقود العقارات والتعاقد واستلام الشقق وفترات التسليم. وظهر فى الفترة الماضية، خاصة فى القرى، ما يطلق عليه إعلامياً بـ”المستريح”، وهو الشخص الذى يجمع الأموال من المواطنين ويخدعهم بفوائد مرتفعة وبعد جمعها يفر بها هارباً وتضيع حقوق المواطنين ولا يستطيعون استردادها
ونتيجة لاستمرار وتكرار عمليات النصب والاحتيال فى المجتمع المصرى، وظهور ما يطلق عليه “المستريح” فى معظم المحافظات، تحول هذا الأمر إلى ظاهرة تستحق الوقوف على أبعادها ورصد دوافع استمرارها داخل المجتمع. لذا تطرقت الدراسة إلى التعرف على هذه الظاهرة من خلال منظور يشمل “الجانى والضحية”، لأن كلاهما مشتركان فى ارتكاب النصب؛ فالجانى يحتال بأساليب متعددة ومداخل متنوعة للنصب والضحايا يساعدونه فى جمع أموالهم. المستريح: حين يتحول الطمع إلى جريمة… ودور القانون في استرداد الحقوق*
في زمن تتسارع فيه الأحلام نحو الربح السريع، ظهر ما يُعرف إعلاميًا بـ”المستريح”—ذلك الشخص الذي يدّعي القدرة على تشغيل الأموال وتحقيق أرباح خيالية، مستغلًا ثقة الناس وبساطتهم. لكن خلف هذه الوعود، تختبئ جريمة نصب ممنهجة، تُهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للأفراد والمجتمع.
أنا محامٍ، وقد واجهت هذه الظاهرة عن قرب. جاءني أحد الضحايا، منهارًا، بعدما سلّم “المستريح” مبلغًا كبيرًا من المال دون أي ضمانات قانونية، فقط بناءً على وعود شفوية وعلاقات اجتماعية. لم يكن الضحية وحده، بل كانت هناك عشرات الحالات الأخرى، وكلهم وقعوا في نفس الفخ.
قمت بتحرير شكوى قانونية مستندة إلى المادة 21 من قانون رقم 146 لسنة 1988، الخاص بتنظيم الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال. أثبتنا أن ما قام به “المستريح” لا يندرج تحت مجرد جنحة نصب، بل هو *جناية توظيف أموال بدون ترخيص* ، وهي جريمة تصل عقوبتها إلى *السجن 10 سنوات* وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه أو مثلي المبلغ المستولى عليه⁽¹⁾.
لم تكن القضية سهلة، فالمستريح كان يختبئ خلف مظلة اجتماعية ودينية، ويستخدم التدين الظاهري كوسيلة لإقناع ضحاياه. لكن القانون لا يعرف المجاملة، بل يستند إلى الأدلة والحقائق. وبفضل التعاون مع الجهات المختصة، تم توقيفه، وبدأت إجراءات استرداد الأموال.
لماذا يجب أن نتحرك قانونيًا؟*- لأن السكوت على النصب يُشجع تكراره. – لأن الضحايا يستحقون العدالة، لا الشفقة. – لأن القانون هو الحصن الأخير في وجه الاحتيال.
نصيحة قانونية:*
لا تسلّم مالك لأي شخص دون عقد قانوني موثق. لا تثق في الوعود الشفوية مهما بدت مغرية. واستشر محاميًا قبل أي خطوة مالية غير رسمية.
النصابون يتلاعبون بمشاعر المواطنين بايهامهم بالحصول على فوائد ضخمة أكثر من مليون جنيه مكسب المستريح في اليوم الواحد الأموال العامة تحذر المواطنين من الزج بأموالهم في جيوب المستريحين خبير قانوني: النصب يصنف جنح ويجب تغليظ العقوبة ومحاكمة المتهمين فى الجنايات المصريون يعشقون النصابين “المستريحين”، حيث يدفعون بـ”تحويشة” العمر لدى أشخاص يوهموهم بقدرتهم على توظيفها ومنحهم فوائد كبيرة، وسرعان ما يكتشفوا أنهم وقعوا فريسة لـ”مستريح” جديد. وبالرغم من تحذيرات مباحث الأموال العامة، وضبطها للعديد من النصابين، إلا أن هذه الجرائم مازالت الأكثر تكراراً، بسبب ثقافة الطمع، وسط غياب للقانون، حيث أن العقوبة لا تتعدى من ” 3 إلى 7 سنوات” حبس عن الجريمة الواحدة،
فيما يمتلك وسائل واحدة لإقناع المصريين بجمع أموالهم بشعارات وجمل واحدة لدى كل النصابين ، وإيهامهم بتوظيف أموالهم في ” الاستثمار فى العقارات ، والاستثمار في التجارة، والاستيراد والتصدير ، وتوظيف الأموال”، فيما يرفض معظم المواطنين الإفصاح عن حجم الأموال التي يدفعوها للنصابين خوفا من السؤال عن مصدرها. الأصل فى مصطلح “المستريح” الأصل فى كلمة المستريح، هو “أحمد مصطفى” الشاب القناوى الشهير بـ”المستريح” الذى جمع 200 مليون جنيه من ضحاياه ونصب عليهم فتم القبض عليه، ليطلق على أى نصاب لاحقاً لقب “المستريح”.
ارتفاع محاضر “المستريحين” سجلت محاضر الشرطة العديد من وقائع النصب وقضايا توظيف الأموال مؤخراً، التى استولى من خلالها النصابين على أموال الضحايا، من أبرزها استيلاء اثنين على 25 مليون جنيه من مواطنين في المنتزة بالإسكندرية، وغيرها من البلاغات التى تنهال بصفة يومية على مباحث جرائم الأموال العامة سواء فى الإدارة العامة بالقاهرة أو في كافة المديريات. “مستريحات”
اللافت للانتباه أن المرأة بدأت تزاحم الرجل فى النصب والاستيلاء على أموال الغير، فظهرت ما تعرف باسم “المستريحات” اللاتى تخصصن فى الاستيلاء على أموال الغير، والهروب بها بعيداً عن الملاحقات القانونية، كان أبرزها مستريحة مدينة نصر التى استولت على 100 مليون جنيه من ضحاياها. مستريحون بحجم عائلى الأمر لم يتوقف عند “مستريح” أو “مستريحة” وإنما ظهر “مستريحون بحجم عائلي”، من خلال شبكات منظمة بين الزوج وزوجته، حيث استغل بعض الرجال زوجاتهم فى مساعدتهم بعمليات النصب المنتظمة والاستيلاء على أموال المواطنين،
كان أبرزها نجاح رجل وزوجته فى المحلة بمحافظة الغربية، فى جمع مليون جنيه من ضحاياه وهروبه برفقة زوجته قبل القبض عليهما. أكثر من مليون جنيه مكسب “المستريح” في اليوم الواحد المستريحون لا يبالون بالسجن، أو العقاب، فجرائمهم تدر عليهم مكاسب كبيرة، حيث يجمع المستريح أكثر من مليون جنيه في اليوم الواحد، حيث كشفت إدارة مكافحة جرائم النقد والتهريب، أن”أحمد. ع” مقيم بالمرج، وشقيقه “أشرف” سبق اتهامه فى قضيتى سرقة وحيازة مخدرات، يملكان شركة إنتاج حيوانى مقرها الزيتون؛ وتمارس نشاط غير مشروع فى مجال تلقى الأموال من المواطنين، بدعوى توظيفها فى الإنتاج الحيوانى، والاستثمار العقارى، مقابل دفع أرباح شهرية لهم متفق عليها،
وتم ضبط المتهمين بعد 42 بلاغ، وبتفتيش خزينة الشركة تم ضبط مليون و650 ألف جنيه حصيلة يوم واحد من جمع الأموال. أكثر من 3 مليار جنيه جمعها المستريحون وبلغة الأرقام، نجح المستريحون خلال الفترة الماضية في جمع مبالغ طائلة تخطت الـ 3 مليار جنيه، بزعم توظيفها فى مجالات عديدة، إلا انهم استولوا عليها وفروا هاربين. ثقافة الطمع وراء انتشار جرائم توظيف الأموال أكد عدد من ضحايا “المستريحين” أنهم وضعوا أموالهم فى “جيوب المستريحين” أملاً في الحصول على فوائد أكبر، من تلك التى يحصلون عليها من البنوك. وأضاف الضحايا لـ”انفراد”، أن الجناة أغروهم بالمال،
حيث سددوا لهم الفوائد بانتظام في الأشهر الأولى، ثم توقفوا فجأة بعد ذلك، ليكتشفوا هروبهم بالأموال، مؤكدين أن هناك أعداد كبيرة من الضحايا يعزفوا عن تحرير بلاغات أملاً في استعادة أموالهم بهدوء دون اللجوء للشرطة. وسرد عدد من الضحايا كواليس قصص النصب التي تعرضوا لها، وكيف فقدوا تحويشة العمر على أيدي النصابين ومن يطلق عليهم “المستريحين”. قال “أحمد.م” تعرض للنصب على يد مستريح في منطقة روض الفرج بالقاهرة، إنه تعرف على شخص يعمل في مجال الاستيراد والتصدير، وأوهمه بقدرته على توظيف الأموال له، بفوائد وصلت لـ 40 %.
وأضاف الضحية، أنه وضع أكثر من مليون جنيه لدى المتهم في شركته، وحصل لمدة 3 أشهر على فوائد منتظمة، الأمر الذى جعله يفكر فى إيداع مبالغ أكبر لدى نفس المتهم، أملاً في الحصول على مبالغ أكثر، لافتاً إلى أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما أقنع زوج شقيقته وأقاربه بوضع أموالهم لدى نفس الشخص، وبعدها انقطع المتهم في سداد الفوائد لهم، ورفض رد أصول المبالغ إليهم ثم هرب، واكتشفوا أن تحويشة العمر ذهبت في مهب الريح مع هذا النصاب.
لم تختلف قصة “أحمد” عن “أسماء.ع” ضحية النصب أيضاً، والتي وضعت تحويشة العمر ومدخرات زوجها الذي كان يعمل في الخليج لعدة سنوات لدى سيدة تعمل في توظيف الأموال بالمنيا.
أن كثيرين حذروها من خطورة هذا الأمر، في ظل تساقط النصابين والمستريحين، والاعلان عنهم عبر وسائل الإعلام بصفة يومية، لكن طمعها في الحصول على الربح والفوائد بطريقة سهلة وسريعة دفعها إلى إلقاء تحويشة العمر لدى هذه النصابة، التي استولت على أموال الضحية وغيرها من المواطنين والهرب بهم.
أن ما يتم الاعلان عنه من ضحايا للمستريحين هم عدد قليل بالنسبة للضحايا الحقيقيين، مؤكداً أن هناك عشرات الضحايا يقعون فريسة للنصابين بصفة يومية، إلا أنهم لا يعلنوا ذلك لعدة أسباب، أبرزها خوفاً من الفضيحة ،
حيث أن البعض يخاف من الفيضحة بين أهله وجيرانه وأقاربه، وهناك من يتخوف من علم آخرين عما تعرض له من نصب، خوفاً من التساؤلات عن مصدر هذه الأموال، لذا يفضلون عدم الافصاح بما تعرضوا له، وهناك صنف من الضحايا يخافون من اللجوء للشرطة لتحرير محاضر ضد المستريحين أملاً في عودة المبالغ لهم بهدوء، أو حتى أملاً في استمرار حصولهم على الفوائد الكبيرة، فبالرغم من احتوائهم بنار النصب، إلا أنهم مازالوا يجازفوا بأموالهم طمعاً في الحصول على مزيد من الفوائد والأرباح. موت وطلاق وخراب ديار تعصف بضحايا المستريحين عدد من الضحايا صمدوا أمام كارثة هروب المستريحين، وقرروا ملاحقة الجناة الهاربين قانونياً، فيما لم يستطيع آخرين الصمود طويلاً، فسكن المرض جسدهم، ومنهم من سقط ميتاً، فيما أعلن بعض الأزواج الانفصال عن زوجاتهم بسبب اصراراهن على وضع الأموال لدى المستريحين، وارتكب آخرون جرائم أخرى للانتقام، حيث ارتدى استاذ جامعي بأسوان النقاب وهاجم محل مجوهرات يملكه أحد أقارب المستريح للحصول على حقه. تراخي العقوبة وراء انتعاش الظاهرة يرى قانونيون أن ضعف العقوبات وراء انتشار هذه الجرائم، حيث أن العقوبة تتفاوت من السجن 3 إلى 7 سنوات في الجريمة الواحدة،
الأمر الذى جعل المستريحون لا يبالوا بهذه العقوبة أمام المبالغ الضخمة التي يستولوا عليها، مطالبين بضرورة تغليظ العقوبة. وبدوره، إن هذه الجرائم يعاقب فيها بالمادة 336 ، وللأسف العقوبة تكون الحبس 3 سنوات، حيث أن هذه الجرائم الجرائم يتم إحالتها على أنها جنح، وللمتهم درجتين من التقاضي.
إنه في بعض الأحيان مباحث الأموال العامة تصنفها على أنها استيلاء على الأموال لادراجها جنايات، لكن الأمر برمته يحتاج إلى تشريع جديد وتغليظ العقوبة. وأوضح الخبير القانوني، أن العقوبة الهزيلة ساهمت في انتعاش الظاهرة،
حيث أن النصاب، يعلم أن مدة حبسه ستكون سنوات قليلة، وهو يفكر في الاستيلاء على ملايين الجنيهات من الضحايا، مقابل سنوات ربما تصل لـ 3 سنوات حبس فقط، معتقداً أنه لو سافر للخارج وعمل على مدار هذه السنوات الثلاثة فلن يجمع هذه الأموال الضخمة، لذا يعتبر هذه السنوات من السجن مقابل عادى أمام حصوله على ملايين الجنيهات.
تحذيرات مباحث الأموال العامة من تكرار جرائم المستريحين بدورها، حذرت مباحث الأموال العامة المواطنين من عدم الوقوع فريسة للمستريحين، وتوخي الحذر أثناء التعاملات المادية، وعدم الزحف وراء السراب بهدف الحصول على ربح أكبر، والاستفادة من تجربة الضحايا السابقين وعدم تكرار أخطائهم.
إنه بالرغم من اعلان الصحف بصفة يومية سقوط مستريحين جدد، إلا أن المواطنين لا يكفوا عن الزج بأموالهم في جيوب المستريحين. أن الأمر بات يحتاج توعية، وتشديد على أصحاب الأموال بعدم وضعها لدى النصابين بهذه الطريقة، منبهاً على أهمية سرعة تحرير محاضر لمن يكتشف أنه وقع ضحية للنصابين ولا ينتظر وعوده برد الأموال إليه، حتى تتمكن أجهزة الأمن من ملاحقته وضبطه ليكون عبرة لغيره، لافتاً إلى أنه للأسف بعض المواطنين يرفضون الإفصاح عن حجم الأموال التي دفعوها للنصابين خوفا من السؤال عن مصدرها.
إن القاعدة تؤكد أنه طالما يوجد طماع يوجد بالضرورة نصاب، بمعنى أن بعض المواطنين يسعون للحصول على فوائد كبيرة من بعض الأشخاص، الأمر الذي يساهم في ظهور النصابين.
أن هذه الجرائم موجودة في مصر منذ ثمانيات القرن الماضي، وسوف تتكرر طالما لدينا ثقافة الطمع. وأوضح الخبير الأمني، أنه مع تقليص نسبة الفائدة في البنوك، قابلها رفعها لدى النصابين، ساهم في زحف المواطنين عليهم أملاً في الحصول على نسبة عالية ومرتفعة من خلال الفوائد التى وصلت لـ 25 % فى بعض الأحيان
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










