في تذييل كتابه مسرحية مأساة الحلاج كتب مؤلفها الشعر صلاح عبد الصبور عن الحلاج: ولد الحسين بن منصور الحلاج حوالي منتصف القرن الثالث الهجري ، وكان أبوه يشتغل بصناعة الحلج وعمل هو بها زمنا ،ومن هنا أتاه اللقب، وتلقى خرقه الصوفية في شبابه عن المتصوف المعروف عمرو المكي، وذلك بعد لقاء قصير بسهل التستري، أحد كبار المتصوفين، والخرقة رمز الانخلاع عن الدنيا والفناء في الجماعة الصوفية، ثم تزوج بعد ذلك بامرأة بصرية أولدها أولادا وعاش معها حياته كلها، واتصل بعد ذلك بالجنيد شيخ صوفية عصره مريدون عبر عنهم في قصائده بقوله » أصحابي وخلائي » .
وقد اختلف مع صوفية عصره حين أخذ يتصل بالناس ويتحدث اليهم ، فنبد خرقة الصوفية ثم عاد الى بغداد ليعظ وطاف بعد ذلك ببلاد الهند ويتحدث عن مواجده ،يبث الآراء الإصلاحية، ويتصل ببعض وجوه الدولة ،ويجمع حوله مجموعة من الفقراء ،وظلت حياته بين سجن ومحاكمات لا تتم واتهام وتكريم حتى كانت محاكمته الأخيرة في عام ٣٠٩ هـ أمام القاضي المالكي ابن عمر الحمادي، ومعه قاضيان أحدهما شافعي والآخر حنفي كما جرت بذلك العادة، وقد ترك لنا الحلاج مجموعة من الأشعار تتحدث عن مواجده الصوفية، ومجموعة من الأشعار النثرية في كتابه الممتع العظيم “الطواسين “.
وقد كان لمقال ماسينيون « المنحنى الشخصى في حياة الحلاج » . ولكتاب ( أخبار الحلاج » الذي حققه ماسينيون وعلق عليه مع بول كراوس أكبر الأثر في لفتى الى سيرة هذا المجاهد الروحي العظيم . وفى مقال ماسينيون اشارة الى الدور الاجتماعي للحلاج في محاولته اصلاح واقع عصره .. وماسينيون ينسب الحلاج الى الحنابلة . ويجعل الشيعة – ومنهم كان الوزراء وكبار الحكام – عدا الخليفة – هم الساعون في دمه وذلك بعد تحقیق تاریخی مسهب .
والإشارة لدوره الاجتماعي نجدها في المراجع العربية القديمة فالاصطخري يقول: إنه استمال جماعة من الوزراء وطبقات من حاشية السلطان وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة ومن والاها .. استمالهم لماذا ؟ لا يحدثنا الاصطخرى.
ولكن أضواء أخرى تلقى على طبيعة هذه الاستمالة مثل تأكيد الهجويرى في كتابه كشف المحجوب إنه رأى بالعراق بعد ما يزيد قليلا عن مائة سنة من موت الحلاج طائفة تسمي نفسها الحلاجية ، وهذا أو قريب منه ما يحدثنا به أبو العلاء المعري في « الغفران » من أن هناك قوما في بغداد ينتظرون خروج الحلاج ، ويقفون بحيث صلب على دجلة يتوقعون عودته ، وقد مات المعرى بعد صلب الحلاج بمائة وأربعين عاما، فمما لاشك فيه إذن أن الحلاج كان مشغولا بقضايا مجتمعه، وقد رجحت أن الدولة لم تقف ضده هذه الوقفة إلا عقابا على هذا الفكر الاجتماعي.
اما مسألة حنبليته ووقوف الشيعة ضده فتلك مشكلة ، فرغم تأکید ماسينيون فإن دارسین آخرین مثل جولد تسيهر ودی بود و آدم میتز لا يشيرون اليها .، كما أن بعض المراجع العربية القديمة تغفلها ، بل إن بعضها يشير الى شيعته مثل قول الاصطخرى نقلا عن ابن حوقل ان الحلاج كان في أول أمره داعيا من دعاة الفاطميين، وقول ابن النديم في الفهرست انه كان في أول أمره يدعو الى الرضا من آل محمد هي مسألة مختلف فيها اذن . ولذا أسقطتها من تقديري.
وقد أخذت من التاريخ شخصيات معظم مسرحيتي، فالشيلي من كبار الصوفية وكان صديقا للحلاج، وله شهادة في المحكمة، وقد استجوب الحلاج وهو على صليب الموت بهذه الآية القرآنية (أو لم ننهك عن العالمين) ، وكان ابراهيم بن فاتك مريده وخادمه وهو الذى روى لنا بعض فصول کتاب « اخبار الحلاج »، أما القاضيان أبو بكر الحمادي وابن سريج فأولهما من قضاة المالكية المعروفين بتقربهم من الخلفاء والأمراء، وثانيهما الفقيه الشافعي العظيم،
وقد أعدت صياغة أحداث التاريخ وبخاصة وقد اقترنت تلك الفترة بالغموض الشديد، فاقتصرت على المحاكمة الأخيرة وقد كان رأى ابن سريج في كراهيته محاكمة الانسان في تفاصيل عقيدته من ألمع الآراء التي وردت في المحاكمة الأولى فدفعت به الى المحاكمة الثانية، ورغم أنه – على رواية انفرد بها ماسينيون – لم يكن أحد قضاتها.
كما أني أيقنت من القراءة الأولى للمادة المروية عن الحلاج أن كثيرا من أخبار شطحاته و معجزاته مبالغ فيها، وقد أصبح بعد موته وليا و قديسا ومهديا منتظرا عند بعض المسلمين، فكونت من الطواسين ومن شعره مذهبا صوفيا منسجم مع التصوف وأصول العقيدة المتحررة معا.
( “الطواسين” هي تسمية لثلاث سور من القرآن الكريم تُعرف بـ الشعراء، والنمل، والقصص، وذلك لأنها تبدأ بالحروف المقطعة “طسم” أو “طس”. هذه السور الثلاث متتالية (رقم 26 و 27 و 28) في ترتيب المصحف، وجميعها سور مكية تدور حول قصص الأنبياء والدعوة إلى التوحيد.
سورة الشعراء: تبدأ بـ “طسم”.
سورة النمل: تبدأ بـ “طس”.
سورة القصص: تبدأ بـ “طسم”.
ومن بين أبرز فضائلها أن قارئها يصبح من أولياء الله المقربين، ويكون في جوار الله وكنفه.
لويس ماسنيون: Louis Massignon
((( ماسينون) لويس ماسينيون باحث كاثوليكي فرنسي متخصص في الإسلام، ورائد في التفاهم المتبادل بين الكاثوليك والمسلمين، وهو شخصية مؤثرة في القرن العشرين فيما يتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية بالإسلام، ولعب دورًا في قبول الإسلام كعقيدة إبراهيمية بين الكاثوليك، مستشرق فرنسي، من العلماء. من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. مولده ووفاته بباريس. تعلم العربية والفارسية والتركية والألمانية والإنكليزية وعني بالآثار القديمة وأدت مشاركته في التنقيب عنها بالعراق (1907 – 1908) الى اكتشاف ” قصر الأخيضر ” ودرّس ” تاريخ الاصطلاحات الفلسفية ” بالعربية، في الجامعة المصرية القديمة (1913)
واستهواه التصوف الإسلامي فكتب عن ” مصطلحات الصوفية ” و ” أخبار الحلاج – ط ” ونشر ” ديوان الحلاج ” مع ترجمته إلى الفرنسية و ” الطواسين ” للحلاج، وتشبع بآرائه. وكتب عن ” ابن سبعين ” الصوفي الأندلسي وعن ” سلمان الفارسيّ ” واتجه إلى فكرة توحيد الديانات الكتابية الثلاث. ونشر ” منتخبات من نصوص عربية خاصة بتاريخ الصوفية في الإسلام ” وتولى تحرير ” مجلة العالم الإسلامي ” الفرنسية التي سميت بعد ذلك ” مجلة الدراسات الإسلامية ” وأصدر بالفرنسية أيضا ” حوليات العالم الإسلامي ” من سنة 1923 إلى 1954 وكتب كثيرا في ” دائرة المعارف الإسلامية ” عن القرامطة والنصيرية والكندي وفلسفة ابن سينا، وأمثال ذلك. وكتب ” تاريخ العلم عند العرب ” في ” دائرة المعارف الممتازة ” التي صدرت بباريس (المجلد الأول سنة 1957) وكان من موظفي وزارة المستعمرات في شبابه، ثم ” مستشارا ” لها بقية حياته. وحمدت مواقفه في قضيتي استقلال المغرب والجزائر.
(الاعلام للزركلي)
البنية الدرامية:
مسرحية “مأساة الحلاج” لصلاح عبد الصبور هي مسرحية شعرية تدور حول محاكمة المتصوف الحسين بن منصور الحلاج، وتتناول صراعًا بين السلطة الدينية والفقر الفكري، وبين المعارضة والجهل، المسرحية مبرزة صراع الإنسان من أجل التنوير والعدالة، وصراع السلطة ضد الأفكار التي تهددها، ولكن البعض حملها فوق طاقتها وأسرف مبالغا بادعائه أنها تتضمن نبوءة مبطنة بهزيمة 1967.
تمثل “مأساة الحلاج” مسرحية شعرية غنية بالصور الموسيقية والشعرية،تعتمد على البنية الدائرية التي تبدأ بنهاية القصة من خلال تفعيل الزمن الحاضر على زمن الحدث.
- السرد الدائري هو أسلوب سردي تبدأ فيه القصة وتنتهي في نفس النقطة، سواء كانت مكانًا ماديًا أو موضوعًا أو لحظة زمنية، أي حين يبدأ السرد من نهاية الحكاية ثم يعود يسترجع الزمن إلى بداية الحدث أو منتصفه ثم يعود إلى البداية حتى يصل إلى نهاية القصة، ويركز هذا الأسلوب على رحلة الشخصيات وتجاربها ثم عودتها إلى نقطة الانطلاق بعد أن تكون قد تغيرت أو تأملت، أي تعود القصة إلى المادة الافتتاحية في نهايتها، مما يخلق شعورًا بالاكتمال أو التكرار.
وجدير بالذكر أن السرد من حيث قص بنية القصة المسرحية و الترتيب الزمني للأحداث ينقسم إلى: خطي (متسلسل) حدث محرك عقدة حل نهاية، ولا خطي (أي متقطع غير مرتب زمنيا تختلف فيه زمن الحكاية عن زمن السرد) يقوم السارد بتقديم الحكاية من آخر حدث عرفته، معتمدًا في ذلك على تقنية الحذف والاسترجاع والتلخيص والوصف، ودائري (تبدأ فيه القصة وتنتهي في نفس النقطة سواء أكانت مكانا ماديا أو موضوعيا أو لحظة زمنية.
تُعتبر المسرحية نقدًا لاذعًا للسلطة وقدرتها على تشويه الحقائق وتشويه وجه الحقيقة. اختلف منهج الحلاج عن منهج الصوفية الآخرين الذين كانوا يميلون للعزلة، حيث رأى الحلاج أن التصوف يجب أن يكون جهاداً ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع.
وتعد هذه المسرحية أروع مسرحية شعرية عرفها المسرح العربي، وهي ذات أبعاد سياسية إذ تدرس العلاقة بين السلطة المتحالفة مع الدين والمعارضة كما تطرقت لمحنة العقل وأدرجها النقاد في مدرسة المسرح الذهني، وهو مسرح الغرض منه أن يكون مسرحا مقروءا وليس قابلا للأداء على خشبة المسرح ، يسهل أن تتصوره وتتأمله لكن يصعب أداؤه أمامك، ويتميز المسرح الذهني بالتركيز على الأفكار والصراعات الفكرية والفلسفية، وغالبًا ما يُكتب للقراءة لا للتمثيل، ويصور الصراع الداخلي في ذهن الكاتب، تتمثل خصائصه في أن الشخصيات تكون رموزاً لأفكار مجردة بدلاً من كونها واقعية تماماً، ويتعامل مع قضايا فلسفية كالزمن والذات، ويعتمد على الحوار كأداة أساسية لنقل الفكرة، وأشهر مثال لذلك مسرح توفيق الحكيم .
-مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور مسرحية شعرية من جزأين: الجزء الأول ؛ الكلمة في ثلاثة مناظر ، والجزء الثاني ؛ الموت في منظرين.
الجزء الأول: “الساحة في بغداد، في عمق المشهد الأيمن جذع شجرة يتعامد عليه فرع قصير منها، لا يوحي المشهد بالصليب التقليدي”، هذا القول يريد أن يلمح إلى التشابه بين قصة الحلاج وقصة المسيح عيسى ابن مريم، لكنه يحذرنا من أن الحلاج ليس في منزلة
يدخل الحلاج في “النسب المأساوي/ البطولي” الذي تتلخص مهمته في تجديد العهد المحمدي وإصلاح الكون المؤسَّس من قبل على ذلك العهد بعد أن نكثه الحكام وأفسدوا أمره.
ثلاثة مناظر للكلمة وهذا الكمال نقص، ومنظران للموت وهذا النقص كمال فعل، ففي هذا الموت يدين الحلاج قاتليه الذين ينفذون مشيئته، ففي موته تحقيق توحيده. وكما أدى افشاءه لسر الكلمة إلى إعدامه وموته، فقد كشف موته سر السلطة وفسادها ونكثها للعهد المحمدي الذي تدّعي الحفاظ عليه.
مسرحية مأساة الحلاج من أبرز أعمال المسرح الشعري العربي، اعتمد فيها المؤلف على الشعر بشكل أساسي لأنه يعتقد أن الشعر هو أصل الدراما، حيث يتداخل فيها الشعر مع الحوار الدرامي ليضفي طابعا غنائيا على الحوار، ليعمق المعاني ويثري التجربة المسرحية، كأداة تعبير رئيسية غنائية مزدانة بالصور الشعرية والموسيقى الداخلية ، مما جعلها مسرحية شعرية لأن الشعر غالباً ما يرتبط بالغناء والإنشاد، وليست بالمعنى الحرفي للمسرحية الغنائية التي تتضمن الموسيقى والرقص كعناصر أساسية، ولكنها كانت تركز على جوهر الدراما وحبكتها بدلاً من مجرد إحكام القافية، واللجوء للشعر المفتعل، بشكل عام تعكس المسرحية الشعرية لصلاح عبد الصبور رؤيته بأن المسرح هو وسيلة مناسبة للتعبير عن أفكاره عبر لغة شعرية وغنائية، لكن لم تُصنف المسرحية كـ “مسرحية غنائية” بالمعنى الحديث (الذي يدمج الموسيقى والرقص)، بل كمسرحية شعرية تستخدم الشعر كأداة تعبير رئيسية.
وتتضمن المسرحية أغنية “قد كنت عطراً”: الأبيات التي تتضمن “قد كنت عطرا” هي جزء من حوار بين الحلاج وشخص آخر، وهي: “فما انتهيت قد كنت عطراً نائماً في وردته، لم انسكبت؟ ودرة مكنونة في بحرها، لم انكشفت؟،وتعبر عن المفارقة، حيث يتساءل الحلاج كيف يمكن لشخص مثل “الحلاج” أن يكون تقيا، ومع ذلك يسلك طريق الخطأ تضمنتها المسرحية في الحوار بين الحلاج وصديقه، حيث يلوم الحلاج نفسه لأنه خذله في لحظة استشهاده.
لقد أجاد رسم الشخصيات الثانوية والرئيسية بتفاصيلها الدقيقة مع التباين والتميز بينها الحلاج قبل وبعد خلع الخرقة الصوفية، القضاة الثلاثة، الجلاد قبل وبعد جلده للحلاج، تحول القضاة مع رسالة الحاكم وما فيها من مفاجأة، جماعة المتصوفة، العامة من الشعب العاجز ويضم المنافق والجبان والإمعة الذي يسهل شراؤه، الإيقاع الساخن في النص المكتوب، حوارات السجن والجلد والمحاكمة، مع دقة الإرشادات المسرحية الواردة في النص دقيقة المعاني الغنية بالرموز المنتجة للمعاني المعبقة بالدلالات، مع تجريد ورمزية في وصف المكان .
يقول صلاح عبد الصبور وقد أخذت من التاريخ شخصيات معظم مسرحيتي، فالشيلي من كبار الصوفية وكان صديقا للحلاج، وله شهادة في المحكمة، وقد استجوب الحلاج وهو على صليب الموت بهذه الآية القرآنية (أو لم ننهك عن العالمين ) ، وكان ابراهيم بن فاتك مريده وخادمه وهو الذى روى لنا بعض فصول کتاب « اخبار الحلاج »، أما القاضيان أبو بكر الحمادي وابن سريج فأولهما من قضاة المالكية المعروفين بتقربهم من الخلفاء والأمراء، وثانيهما الفقيه الشافعي العظيم.
نوعية الشخصيات التي تناولها ما بين العامة الصوفية القضاة الذين اشتركوا في قتله، نلاحظ أن المجموعة من العامة التي قتلت الحلاج بالكلمة (بالفقر والجهل) هم أصحاب جهة اليمين في المسرح على سبيل السخرية المرة، هم القتلة الفعليون(كوميديا سوداء). أمّا مجموعة الصوفية فليس لها مكان أو جهة محددة على الخشبة وهذا يشير إلى بلبلة في صفوف هذه المجموعة تجاه إعدام شيخهم وبابهم، هم يجهلون حقيقته (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن) [النجم: 28 ]. كما يشير إلى أن العوامّ هم من ينفّذ عزم الاجتماعي- التاريخي (عزم الأمور) وقسوتها . لقد قتلوه فجازوه جزاءً رمزيا، ولكنهم لم يقتلوه كلمة ويقيناً، ولكن شُبّه لهم.
إن مهمة الحلاج تحرير الأرواح لا تخليص الأجساد، مهمته أخلاقية في إصلاح تديّن الناس بعد أن فسدت قلوبهم، لا الاتيان بدين جديد. يقول في رده على السجين الثاني حين سؤاله عن التهمة؟:
الحلاج: إني أتطلع أن أحيي الموتى
السجين الثاني: “ساخراً” أمسيح ثان أنت!
الحلاج: لا لم أدرك شأو ابن العذراء
لم أعط تصرفه في الأجساد
أو قدرته في بعث الأشلاء
فقنعت بإحياء الأرواح الموتى
السجين الثاني: “ساخراً” ما اهون ما تقنع به!
الحلاج: لم تفهم عني يا ولدي، فلكي تحيي جسداً، خذ رتبة عيسى أو معجزته
أما كي تحيي الروح، فيكفي ان تملك كلماته (وتسلك دربه وطريقته)
نبئني.. كم احيا عيسى أرواحاً قبل المعجزة المشهودة؟
آلاف الأرواح، ولكن العميان الموتى لم يقتنعوا، فحباه الله بسر الخلق
هبة لا أطمع أن تتكرر
يريد الحلاج القول بهذا التناص أن عيسى عليه السلام مؤسس كون جديد وعهد جديد وأنا على دربه وهدي كلماته.
التناص
يُعد التناص في “مأساة الحلاج” أحد أهم مميزاتها وأبعادها الفنية، حيث تعيد المسرحية صياغة القصة التاريخية للحلاج عبر التفاعل مع نصوص مرجعية متعددة، من التاريخ الإسلامي إلى الفكر الصوفي والأديان الأخرى، بغية إثراء المعاني، وإعادة قراءة التاريخ برؤية معاصرة، وتوسيع الرمزية لتعبر عن قضايا المثقف في مواجهة السلطة، وهو ما يميز المسرحية الشعرية لعبد الصبور. تسمح لصلاح عبد الصبور بإعادة قراءة التراث بروح معاصرة، وإبراز استمرارية الصراعات الإنسانية عبر التاريخ لتتحول حكاية الحلاج من مجرد حادثة تاريخية إلى رمز خالد يمثل تضحية المبدع من أجل قناعاته في مواجهة الاستبداد والتطرف بإعادة صياغة وتقديم شخصية الحلاج لتعكس قضايا معاصرة، تُجسد المسرحية مبدأ “ثقافة الحق المبدع المستمر في التراث العربي الإسلامي” من خلال تضحية الحلاج، على الرغم من استخدامه لشخصية “الحلاج” رمزًا للثورة على الظلم، التي مزجت الروح الدينية، بالاجتماعية والثورية، وذلك من خلال رؤية صلاح عبد الصبور للتوائم مع قضايا المرحلة التاريخية التي عاشتها مصر والعالم العربي خاصةً التمرد على السلطة والفساد، وربطها بأفكار الاشتراكيين والثوار إذ يقوم العمل على التفاعل مع نصوص تراثية مختلفة، مثل أقوال الحلاج التاريخية، وبعض نصوص شكاوى الفلاح الفصيح، ونصوص أخرى مرتبطة بالحلاج. كما تتضمن المسرحية تناصاً مع نصوص تراثية معاصرة، مثل مسرحية صلاح عبد الصبور المعاصرة “حكاية من وادي الملح “، يُفسر الباحثون هذا الاتجاه على أنه شكل من أشكال “النهضة” في المسرح العربي، حيث أعاد عبد الصبور بناء الشخصية لتتلاءم مع ضرورات المستقبل العربي، متجاوزاً بذلك السرد التاريخي البحت.
أبرز أنواع التناص في المسرحية
التناص التاريخي: تستوحي المسرحية مادتها الأساسية من السيرة التاريخية للحسين بن منصور الحلاج، لكن عبد الصبور لا يلتزم بنقل الوقائع كما هي، بل يعيد تشكيلها لخدمة رؤيته الخاصة. فهو يستلهم المحاكمة الظالمة والإعدام المأساوي ليوظفها في سياق يرمز إلى صراع المثقف مع السلطة القائمة في أي زمان ومكان.
التناص الديني: يتضح هذا النوع من التناص في عدة جوانب:
التناص مع القصة المسيحية: يربط عبد الصبور بين مصير الحلاج ومصير المسيح (عيسى)، خاصة في مشهد الصلب، فمثلما صُلب المسيح فداءً للبشرية، يُعدم الحلاج رمزاً لتضحية المثقف من أجل نصرة الحق، وهي فكرة تعمق البعد الرمزي للمأساة.
التناص مع النصوص الصوفية: توظف المسرحية مصطلحات وأفكاراً من الشعر والتراث الصوفي، مثل “أنا الحق”، لتعكس تجربة الحلاج الروحية وكشفه ويقينه، كما يستلهم الشاعر من هذا التراث لتقديم الحلاج على أنه صوفي بارز واجه مجتمعاً متزمتاً لم يفهم أبعاد تجربته.
التناص الاجتماعي والسياسي: تتجاوز المسرحية الحكاية التاريخية لتعبر عن واقع معاصر، حيث يستخدم عبد الصبور شخصية الحلاج ليناقش قضايا مجتمعية وسياسية، مثل الصراع بين المثقف والسلطة القمعية، فالحلاج الذي يخلع خرقة الصوفية وينزل إلى الناس، يمثل المثقف الذي يبحث عن العدل في وجه حكم ظالم يتستر وراء الدين لتبرير أفعاله.
التناص الشعري: في النص تناص من عنترة بن شداد..
الحلاج: ما أجدى ما يطعن من طعن عن الطعن(جناس)
فتبلد وتحمحم، كحصان ابن زبيبة عنتر
“فازور من وقع القنى بلبانه وشكى إلي بعبرة وتحمحم “
التناص الفلسفي: إن اثر الفلسفة اليونانية في النص الشعري واضحة وصريحة، يقول الشاعرعلى لسان السجين الثاني: الجوهر والذات والماهيات و الاستقاصات والقاتيغوريات (المقولات).
لهذه الكلمات مهمة جليلة ، فهي تشير إلى الاختلاف بين العلم والمعرفة . الأول علم بلا قلب والثانية علم مع إيمان وقلب ويقين، علم وعمل.
التيمة
مسرحية “مأساة الحلاج” هي عمل شعري لصلاح عبد الصبور تدور حول حياة ومأساة الحلاج، ليست تيمتها أو قصتها مجرد سرد تاريخي، بل هي استعراض للعلاقة بين السلطة ورجال الدين المعارضين، وتجسيد لفكر “المثقف العضوي” الذي يدافع عن حقوق المهمشين والفقراء. تلعب الشخصية التاريخية للحلاج دور قناع للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية في العصر الحديث، وتمزج بين الدوافع السياسية والاجتماعية والإنسانية في قالب فني جديد.
عناصر التيمة (الموضوع الرئيسي) في “مأساة الحلاج”:
الصراع بين السلطة والحرية: تجسد المسرحية الصراع بين السلطة الدينية والسياسية المعارضة، حيث يقوم المتظاهرون بتوجيه تهمة الكفر والتزندق للحلاج لتبرير إعدامه.
مأساة المثقف العضوي: يعتبر الحلاج في المسرحية، رمزاً للمثقف العضوي الذي يناصر الفقراء ويؤمن بضرورة التنوير الاجتماعي، ويدافع عن حقوق الإنسان، ويضحي بنفسه من أجل قضيته.
العلاقة بين الحاكم والمحكوم: يدرس العمل العلاقة بين السلطة التي تستغل ضعف الشعب، والفقراء الذين لا يملكون سوى الأمل في التغيير.
تجسيد الأفكار الفلسفية: تتضمن المسرحية معالجة لمشكلات فلسفية واجتماعية من خلال أفكار المتصوفة في العصر الحديث.
تكرار الاستبداد: تظهر التيمة في تكرار الاستبداد الذي يقمع كل الأفكار الجديدة، سواء بالترغيب أو الترهيب، حيث يتم تلفيق تهم موجهة سلفا لكل من يتحدى قوانينها الظالمة.
شخصية قناع: يُستخدم الحلاج كقناع مسرحي للتعبير عن الثقافة السائدة في عصر التحرر الوطني، والذي عارض خلاله الحلاج السياسات التي تستغل فقر الناس لفرض أفكار معينة عليهم.
الموضوع الأساسي
الموضوع الأساسي في مسرحية مأساة الحلاج هو الصراع بين السلطة والدين، وظلم الحاكم والمحكمة، والتضحية بالمفكر من أجل أفكاره، ومأساة المثقف العضوي الذي يلتزم بقضايا مجتمعه. تُعتبر المسرحية معالجة سياسية واجتماعية وإنسانية لشخصية الحلاج، مستخدمة إياه كرمز للمثقف الملتزم بقضايا العدالة الاجتماعية والتحرر.
يقول صلاح عبد الصبور: وقد أعدت صياغة أحداث التاريخ وبخاصة وقد اقترنت تلك الفترة بالغموض الشديد، فاقتصرت على المحاكمة الأخيرة وقد كان رأى ابن سريج في كراهيته محاكمة الانسان في تفاصيل عقيدته من ألمع الآراء التي وردت في المحاكمة الأولى فدفعت به الى المحاكمة الثانية، ورغم أنه – على رواية انفرد بها ماسينيون – لم يكن أحد قضاتها، كما أني أيقنت من القراءة الأولى للمادة المروية عن الحلاج أن كثيرا من أخبار شطحاته و معجزاته مبالغ فيها، وقد أصبح بعد موته وليا و قديسا ومهديا منتظرا عند بعض المسلمين، فكونت من الطواسين ومن شعره مذهبا صوفيا منسجم مع التصوف وأصول العقيدة المتحررة معا.
( ماسينون) لويس ماسينيون باحث كاثوليكي فرنسي متخصص في الإسلام، ورائد في التفاهم المتبادل بين الكاثوليك والمسلمين. وهو شخصية مؤثرة في القرن العشرين فيما يتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية بالإسلام، ولعب دورًا في قبول الإسلام كعقيدة إبراهيمية بين الكاثوليك.
اللغة
يقول صلاح عبد الصبور في تذييل كتاب مسرحية مأساة العلاج:
نشأ المسرح شعريا ، وأغلب الظن انه سيعود كذلك، رغم غلبة الطابع الاجتماعي النثري منذ أواخر القرن التاسع عشر، لكن الايماءات الشعرية التي تتخلل المسرح النثري الآن تؤذن بعودة الشعر الى المسرح، وليس الأسلوب النثري المحكم – كما قال أحد النقاد – إلا محاولة الاقتراب من الشعر في تركيزه وموسيقاه، وقد واجهتني مشكلة الموسيقى ،ولأهل الولع بالعروض أقول اني استعملت في مسرحيتي هذه أربعة ألوان من التفاصيل :
أولاها : تفعيلة الرجز « مستفعلن » بما يجوز ان يدخلها من التحويرات.
ثانيا: تفعيلة الوافر » مفاعلتن » وقد كان العروضيون الأقدمون يجيزون فيها اسكان الخامس المتحرك . فتصبح مفاعلين ، ولكنهم يستكرهون حذف السابع لتصبح « مفاعيل » وان كانوا لا يحرمونه وقد وجدت اللغة المسرحية تحبه وترتاح إليه أحيانا ، ولعل هذا هو ما أريد أن ألفت له ،وهو أن الكتابة للمسرح الشعري ستدخل على موسيقى العروض نوعا من الطواعية
وثالثها : تفعيلة المتقارب ” فعولن”.
ورابعها: تفعيلة المتدارك « فعلن » المحورة عن فاعلن ، ولقد شاخ استعمال هذه التفعيلة في شعرنا الحديث ، وهي أقرب إلى لهجة الحوار من الرجز ،وفيها موسيقية راقصة وخاصة اذا تكونت من متحرك فساكن فمتحرك فساكن ، ولكنها إن حركت آخر حروفها أحيانا وهذا ما لم يجزه الأقدمون ، أصبحت ذات ايقاع جاد ، وانكسرت الحركة الراقصة لتحل محلها تناوبات موسيقية متماوجة، وتحريك الحرف الأخير يمارسه جميع من يكتبون الشعر الحديث رغم تحرير الأقدمين له، وهذه هي المحاولة الأولى ولاشك أن المسرح الشعري سيطور عروضه.
النقاد والشعر ولغة المسرحية
تتمثل الانتقادات الموجهة لمسرحية “مأساة الحلاج” من حيث الشعر في أن بعض النقاد رأوا أن أسلوب الشاعر صلاح عبد الصبور لم يكن موفقًا في نقل روح العصر، وأن استخدام اللغة لم يخدم الموضوع في بعض الأحيان، مما أدى إلى ضعف التأثير الدرامي.
ضعف الجوهر الشعري: يرى بعض النقاد أن المسرحية تعتمد على الشعر بشكل مبالغ فيه، وأن بعض القصائد تفتقر إلى القوة الدرامية اللازمة، مما يشتت القارئ أو المشاهد.
فقدان الحس الدرامي: يشعر بعض النقاد أن أسلوب عبد الصبور الشعري لم يُراعِ طبيعة المسرحية كفن درامي، مما جعلها تبدو كقصيدة ملحمية أكثر من كونها مسرحية شعرية متكاملة.
عدم التوازن بين الشعر والدراما: قد لا يوفق عبد الصبور دائمًا في تحقيق التوازن المطلوب بين البوح الشعري، وبين الحفاظ على الإيقاع الدرامي للحدث.
لغة المسرحية: قد يرى بعض النقاد أن اللغة المستخدمة في المسرحية لم تكن ملائمة لروح العصر أو لشخصيات المسرحية، مما أثر على مصداقيتها الدرامية.
ركزت الانتقادات الموجهة لمسرحية “مأساة الحلاج” للشاعر صلاح عبد الصبور، من الناحية الشعرية، على عدة جوانب تتعلق بالبناء العروضي، واللغة، والرمزية، بالإضافة إلى ما يراه بعض النقاد من تضارب بين الالتزام الاجتماعي والفني.
الانتقادات العروضية
أشار بعض النقاد إلى وجود اختلالات عروضية واضحة في نص المسرحية، على الرغم من تميز عبد الصبور كأحد رواد الشعر الحر في مصر.
الخلل في الوزن: يرى الناقد محمد العبودي أن النص يحتوي على بعض الأبيات التي تخرج عن الوزن، وقد أشار إلى بعضها بشكل محدد، مثل قوله “لا يعرف من في راحته [قد] وضعه”، حيث أشار إلى أن صوابها “لا يعرف من في راحته وضعَه”، على تفعيلة البحر المتدارك.
الانتقادات اللغوية والفنية
رغم التقدير الواسع للمسرحية كعمل أدبي وفكري، وُجّهت بعض الملاحظات النقدية حول الجانب الفني للغة الشعرية فيها:
الخلط بين الفصحى والعامية: اتُّهمت المسرحية أحيانًا بأنها تمزج بين لغة فصحى راقية، ولغة تميل إلى العامية في بعض حواراتها، مما يخل بالاتساق الشعري الكامل.
التسطيح الفني: يرى بعض النقاد أن المسرحية لم تصل إلى الذروة الفنية في استخدامها للشعر، وأنها كانت متأثرة ببعض المدارس الفنية التي قد لا تكون الأنسب لعمل مسرحي شعري.
الانتقادات الفكرية والالتزام الاجتماعي
الصراع بين الالتزام الفكري والفني: يرى بعض النقاد أن عبد الصبور كان ملتزمًا بقضية اجتماعية وسياسية محددة، وهي صراع الحلاج مع السلطة والجمهور. هذا الالتزام، بحسب النقاد، أثر أحيانًا على الجودة الشعرية والفنية للعمل، وجعله يسقط في بعض الهفوات العروضية، نظرًا لانشغاله بالرسالة الفكرية على حساب الشكل الفني.
التشابه مع الأفكار الأوروبية: يشير البعض إلى أن فكرة الاحتجاج والرفض في المسرحية تشبه ما قدمه بعض الكتاب الأوروبيين، مثل جيرهاد هاوبتمان في مسرحية “النسَّاجون”، التي تتناول ثورة العمال على الظلم والاستغلال. هذا التشابه، رغم أنه ليس عيبًا في حد ذاته، إلا أنه دفع بعض النقاد إلى التساؤل عن مدى أصالة الطرح الفكري في العمل، وخصوصًا في تجسيد المعاناة الإنسانية.
الدفاع عن العمل
من المهم الإشارة إلى أن هذه الانتقادات لم تؤثر على القيمة الفنية والأدبية للمسرحية ككل، حيث لا تزال تعتبر من أهم الأعمال في المسرح الشعري العربي الحديث. ويرى مؤيدو العمل أن الهفوات البسيطة، إن وجدت، لا تقلل من قيمة العمل الإجمالية، ومن قدرة عبد الصبور على مزج الفكر الفلسفي والسياسي بالشعر، في قالب درامي مؤثر. - د.منال شرف الدين العدد 50 مجلة المنافذ الثقافية الاحتجاج والرّفض في المسرح العربيّ (مسرحيّة “مأساة الحلاج” لصلاح عبد الصّبور انموذجًا) ربيع 2025
مأساة الحلاج أنموذج لمسرح الرفض والاحتجاج كما أثبتت ذلك الدراسات أنه قد ظهر الرّفض والاحتجاج في عينة البحث وذلك من خلال شخصيّة (الحلاج) الّتي ترفض الواقع وتتمرّد عليه.
استطاع “صلاح عبد الصّبور” من خلال استخدامه شخصيّات شعبيّة أتعبتها السّلطات، أن يظهر رفضه وإدانته للواقع المعاش، ورفض كلّ أشكال الظّلم والاستبداد.
استخدم الكاتب أسماء لشخصيّاته تتناقض مع حقيقة هذه الشّخصيّات، وذلك ليظهر كيف كانت هذه الشّخصيّات، وكيف أصبحت بسبب ظلم السّلطات الّتي تغيّر كلّ شيء حتّى الإنسان.
استخدم الكاتب لغة شعريّة ليعبّر من خلالها عن رفضه واحتجاجه على السّلطة الحاكمة، ولتوعية الشّعب دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا.
لجأ الكاتب إلى لغة التّهجم والازدراء والسّخرية، واستخدم انتقادات لاذعة وذكية للتعبير عن حالتي الغضب والاحتجاج على الأنظمة العربيّة القمعيّة.
حاول الكاتب الكشف عن المسكوت عنه في الجانب السياسيّ من خلال استخدام بعض الأمثال الشّعبيّة.
استخدم الكاتب لغة بسيطة مفهومة من قبل الجميع، ودقة في الحوار والوصف، وحاول الابتعاد عن العبارات الرّنانة الطّويلة.
القضايا التراثية
قضية نبذ الحلاج لخرقة الصوفية، وهي قضية تراثية
-إن الحلاج بعد زيارته الأولى إلى مكة وقيامه بالحج عاد إلى بغداد مع جماعة من الفقراء، ثمَّ نبذ خرقته الصوفية وأخذ في صحبة أبناء الدنيا، وأخذ يتكلم على الناس ويتخذ المجلس ويدعو الخلق إلى الله
-ارتداء الخرقة الصوفية بعد عن الناس نبذ خرقته الصوفية وأخذ في صحبة أبناء الدنيا، وأخذ يتكلم على الناس ويتخذ المجلس ويدعو الخلق إلى الله وهو ما اذكره عليه الشبلي ويوضِّحه لنا ماسنيون بقوله: «ونبذ الخرقة وتمزيق المُرَقَّعة معناه التخلي عن طريقة الاستسرار، والتجرد بالنفس عارية أمام الملأ، مستهدفًا بها إلى الاتهام والأحقاد.
إن صلاح عبد الصبور قد وظَّف القضية التراثية، والمتمثِّلة في نبذ الخرقة، توظيفًا فنيًّا مقبولًا؛ لأننا وجدنا — في التاريخ — أن نبذ الخرقة كان من أجل الوعظ الديني فقط، ولكن صلاحًا أراد الوعظ الدنيوي؛ أي إنَّ الحلاج أراد بنزع الخرقة نزع القيود الصوفية التي تمنعه من التعايش مع عامة الناس، والتعرف على ظلم المجتمع، كي يمنعه من خلال الوعظ الديني؛ أي إن صلاحًا أخذ السبب المباشر في نزع الخرقة من التاريخ كي يخدم به سببًا آخر دنيويًّا، وبذلك وظَّف الخرقة التراثية توظيفًا فنيًّا يُساير روح العصر لكتابة المسرحية، وهو عصر الستينيات الذي يصبح فيه نزع الخرقة رمزًا على التزام الفنان.
-صلاح عبد الصبور قد أكَّد على قوة وتأثير كلمات الحلاج في نفوس العامة، وكذلك أكَّد على دوره السياسي والإصلاحي- منساقًا وراء ماسنيون-، ولكن قوة الكلمات وتأثيرها، وكذلك دوره السياسي لا يتحقَّقان إلا في وجود الحلاج بذاته وسط العامة. وهنا يقع الكاتب في تناقض شديد؛ لأن الحلَّاج – أو الكاتب – أراد أن يموت هو بذاته، بشرط أن تعيش كلماته أو يستمر تأثيرها في نفوس الناس وقلوبهم؛ كي يصنعوا منها القدرة نحو النور، فكيف يتحقق هذا أمام الحوار السابق؟.
تحدث عن تجلي الله وحلوله في الإنسان، ومن الثابت تاريخيًّا أن قول الحلاج بالتجلي والحلول كان من أكبر القرائن التي أدَّت إلى تكفيره من قبل العلماء والفقهاء والصوفية، وهو أول من قال به،وقال مقولته الشهيرة: «أنا الحق، أي أنا الحق الخالق؛ أي أنا هو الله»، وتوظيف الكاتب لهذه القضية كان مقبولًا؛ لأنه تجنَّب أقوال الحلاج المباشرة في التجلي والحلول — كما جاءت في الكتب التراثية والتاريخية — تلك الأقوال التي تدلُّ على الكفر في الظاهر، وعلى الإيمان الصوفي في الباطن، وذلك حتى تكون شخصية الحلاج مؤثِّرة في القارئ وفي عامة الناس في المسرحية؛ فالحلاج عند صلاح وفي هذا الحوار إنسان عادي أكثر منه صوفيًّا، أو بعبارة أخرى: مصلح اجتماعي وسياسي أكثر منه واعظًا دينيًّا؛ لأنه كان يتخذ الدين والحب الإلهي ستارًا كي يبثَّ أفكاره الاجتماعية والسياسية في نفوس العامة. والدليل على ذلك أن الشرطة قد فطنت لهذه الأفكار.
وبعد قضية التجلي والحلول نجد الكاتب يتعرض إلى قضية تراثية أخرى، هي إفشاء الحلاج للعلاقة بينه وبين ربه، أو إفشاء العلاقة الإلهية بين الصوفي وبين الله. وهذا البوح من قبل الحلاج تؤكِّده كتب التاريخ، مثل قول الشبلي: «كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمت»، ومن الملاحظ أن التاريخ لم يوضِّح لنا حقيقة هذا البوح، أو السر الذي باح به الحلاج، ونعتقد أن المقصود به هو قول الحلاج بالتجلي والحلول. وكما صمت التاريخ أمام بوح الحلاج بالسر صمت صلاح عبد الصبور أيضًا في المسرحية، وكل ما قام به هو إيهام القارئ بأن الحلاج قد باح بالسر، بل وبنى أحداثًا كثيرة على هذا البوح الوهمي الذي اعتبره سقطة الحلاج الكبرى التي ستؤدي إلى هلاكه، ونحن نقول: كان من الواجب على الكاتب أن يستغل مقولة الحلاج الشهيرة «أنا الحق» – كما جاءت في التراث التاريخي -لأنها سقطته الكبرى والحقيقية، وكان من الممكن أن يبني عليها صراع الحلاج مع السلطة حول الكفر والإيمان، فتكون أكثر إقناعًا من مجرد الإيهام بالبوح بالسر؛ لأن الحلاج عندما باح بالسر في المسرحية لم يكن في حالة تؤهله لهذا البوح من وجهة نظر الصوفية، على اعتبار أن البوح بالسر شطحة من شطحات الصوفية، وكل ما يُحسب للكاتب في هذه القضية التراثية أنه وظَّفها من أجل إقناع القارئ بأن الحلاج كان يتمنى العذاب تكفيرًا لما قام به من بوح للسر؛ لأن التاريخ لم يطلعنا على الأسباب التي من أجلها كان الحلاج يريد الموت على أيدي الناس.
مشهد المحاكمة المشهد الختامي
توظيف مشهد المحاكمة كما تناوله د. سيد علي إسماعيل في كتاب توظيف الشخصية الصوفية للتعبير عن الذات مسرحية «مأساة الحلاج»
أولًا: مواد الاتهام: من الملاحظ أن مواد الاتهام في هذا المنظر كانت تتمثل في الفتنة بين الناس والتعرُّض للحكَّام، وإرسال رسائل سرية لمن يطمعون في الحكم. وهذه الاتهامات كلها سياسية، هكذا أراد صلاح عبد الصبور؛ لأن التاريخ يؤكِّد على أن مواد الاتهام الحقيقية بالنسبة للحلاج كانت تتمثل في الكفر والجنون والسحر والكرامات والزندقة، وادِّعاء الربوبية، والقول بالحلول، ورغم كثرة هذه الاتِّهامات في كتب التاريخ إلا أنها تجمع على اتهام واحد، وتسهب في وصفه، وهو ما أُثبِت على الحلاج بما يعرف بالاستغناء أو إسقاط الوسائط؛ فقد كان ضمن الكتب والرسائل التي جُمِعت من أنصار الحلاج كتاب:
حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد في داره بيتًا لا يلحقه شيءٌ من النجاسة ولا يدخله أحد، ومنع من تطرقه، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه حول البيت الحرام، فإذا انقضى ذلك وقضى من المناسك ما يُقضى بمكة مثله جمع ثلاثين يتيمًا، وعمل لهم أمْرَأ ما يُمكِنه من الطعام، وأحضرهم إلى ذلك البيت، وقدَّم إليهم ذلك الطعام، وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا من أكلهم وغسل أيديهم كسا كل واحدٍ منهم قميصًا، ودفع إليه سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج.
وبالمقارنة بين مواد الاتهام في المسرحية ( سياسية)وبين مواد الاتهام في كتب التاريخ( الكفر)، نجد أن صلاح عبد الصبور تأثَّركما تأثَّر بعض النقَّاد بما ذكره ماسنيون في مقاله عن اتِّهام الحلاج باتهامات سياسية ولعل الكاتب أراد ذلك في المسرحية كي لا يثبت على الحلاج الاتهام الحقيقي؛ وهو الكفر وهذا من الناحية الإسلامية ، وكذلك بالنسبة لبعض النقَّاد بدليل أن في حياة الحلاج وأخباره أقوالًا كثيرةً تدلُّ في ظاهرها على الكفر لم يأتِ بها الكاتب في المسرحية ولم يشر إليها؛ لأنه أراد بمحاكمة الحلاج على سبيل الاتهام السياسي أن يطرح قضية الفنان أو الشاعر في صراعه مع السلطة ، وأن يعبِّر عن معاناته كشاعر؛ فالحلاج تمسَّك بسلاح الكلمة مؤمنًا بأن تأثيرها في الناس سوف يظهر في المستقبل؛ فالأمل معقود في الأجيال القادمة؛ لذلك كان اهتمام صلاح عبد الصبور بالحلاج اهتمامًا سياسيًّا وإصلاحيًّا واجتماعيًّا أكثر من الاهتمام به دينيًّا وصوفيًّا، بدليل أن الحلاج في المسرحية كان يدافع عما نُسِب إليه من اتهامات سياسية طوال أربع عشرة صفحة، أمَّا دفاعه عن الاتهام الديني فاستغرق جملة واحدة كانت إجابة لسؤال ابن سريج: «هل تؤمن بالله؟» قال فيها: “هو خالقنا، وإليه نعود”.
ثانيًا: شهادة الشبلي: من الملاحظ أن شهادة الشبلي أثناء محاكمة الحلاج كان يشوبها القلق والتردد؛ مما أدى إلى إدانة الحلاج بالكفر. ومن الملاحظ أن كتب التاريخ تختلف أيضًا في هذه الشهادة، وكانت الفرصة متاحة لصلاح عبد الصبور كي يقيم صراعًا فنيًّا عظيمًا بين الحلاج وبين القضاة، لو استغل لحظة تجلي الشبلي أثناء المحاكمة، عندما تحدث بالتجلي والحلول؛ حتى يثبت أن الشطح عند الصوفية أمر طبيعي، لأن شطح الحلاج في حديثه عن التجلي والحلول كان السبب الرئيسي لإهدار دمه.
ثالثًا: شهادة عامة الناس: من الملاحظ أن شهادة عامة الناس في المسرحية جاءت بتوجيه من ولاة الأمور، بل ودفعوا إليهم الرشاوى ليقولوا بكفر الحلاج وإحلال دمه. وهذه الفكرة جاءت عند ماسنيون، وسار عليها صلاح عبد الصبور؛ لأن كتب التاريخ تقول: إن إحلال دم الحلاج جاء من قبل القضاة والصوفية والفقهاء والعلماء والحكماء والمتكلِّمين، ولم توجد بها أي إشارة لاتِّفاق العامة من الناس على إهدار دم الحلاج. أمَّا عند ماسنيون فهم الشافعية وعامة الناس، البالغ عددُهم أربعةً وثمانين شاهدًا. هذا بالإضافة إلى الممثلين للأمة الإسلامية.
إن صلاح عبد الصبور قام بتوظيف التراث الديني توظيفًا فنيًّا — في هذه المسرحية — بصورة مقبولة، فالذي أغراه كي يستلهم شخصية الحلاج تمثل في ذلك التردد والقلق، وعدم اختيار الطريق الصحيح للإصلاح الاجتماعي والسياسي عند الحلاج — كما جاء في المسرحية — وهذه الصفات هي صفات الفنان عمومًا، والشاعر خصوصًا. هذا بالإضافة إلى إيمان الحلاج بقيمة الكلمة؛ فقد «قُتِل الحلاج وأُحرِقت رفاته كما تنبَّأ، وعبثت برماد جسده الرياحُ العاصفةُ، والمياهُ الجارية، ولكن بقيت آراؤه من بعده تعمل عملها خلال العصور الوسطى جميعها، وتحاول أن تحيا حياة جديدة. وإننا لنتبين قوة هذا الرجل وحيويته الروحية من الأثر العظيم الذي كان له في نفوس الأجيال التي أعقبته.»
قول صلاح عبد الصبور عن هذه المسرحية:
بطل وسقطته هذه هي مسرحيتي، والسقطة سقطة تراجيدية كما فهمتها عن أرسطو؛ نتيجةً لخطأ لم يرتكبه البطل، ولكنه في تركيبه. وباعث الخطأ هو الغرور وعدم التوسُّط. وسقطة الحلاج هي مشهد البوح بعلاقته الحميمة بالله، وباعثه هو الزهو بما نال. وهو حين ارتكب هذه السقطة أباح للناس دمه، بل وأباح لله دمه إذ أفشى سر الصحبة، فسقطت مروءته أمام الله … وهنا ألقت المسرحية قضية دور الفنان في المجتمع، وكانت إجابة الحلاج هي أن يتكلم … ويموت؛ فليس الحلاج عندي صوفيًّا فحسب، ولكنه شاعر أيضًا، والتجربة الصوفية والتجربة الفنية تنبعان من منبع واحد، وتلتقيان عند نفس الغاية، وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه بعد أن يخوض غمار التجربة. كان عذاب الحلاج طرحًا لعذاب المفكِّرين في معظم المجتمعات الحديثة، وحيرتهم بين السيف والكلمة، بعد أن يرفضوا أن يكون خلاصهم الشخصي باطِّراح مشكلات الكون والإنسان عن كواهلهم هو غايتهم، وبعد أن يُؤثِروا أن يحملوا عبء الإنسانية عن كواهلهم. وكانت مسرحية مأساة الحلاج معبِّرة على الإيمان العظيم الذي بقي لي نقيًّا لا تشوبه شائبة؛ وهو الإيمان بالكلمة.
وبذلك استطاع صلاح عبد الصبور أن يوظِّف التراث الديني متمثِّلًا في شخصية الحلاج الصوفي كي تكون تعبيرًا ذاتيًّا له، وكان الحلاج الصوفي هو الشاعر صلاح عبد الصبور.
المراجع
- صلاح عبد الصبور مأساة الحلاج مهرجان القراءة للجميع مكتبة الأسرة 96.
- د.منال شرف الدين العدد 50 مجلة المنافذ الثقافية الاحتجاج والرّفض في المسرح العربيّ (مسرحيّة “مأساة الحلاج” لصلاح عبد الصّبور انموذجًا) ربيع 2025.
-د.سيد علي إسماعيل ..كتاب توظيف الشخصية الصوفية للتعبير عن الذات مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور. مكتبة هنداوي ..2018. - نايف سلوم.. بحث في -مأساة الحلاج-الحوار المتمدن-العدد: 6096 – 2018 / 12 / 27.
-الويكيبيديا - موقع تراجم https://tarajm.com/people/79640










