زمان كان الآباء يخافون على أولادهم أن تتسرب إلى ألسنتهم ألفاظٌ نابيةٌ من الشارع قد يسمعونها رُغمًا عنهم، هنا وهناك، وكان الولد أو البنت إذا سمعا لفظًا لم يسمعاه من قبل، أوكان غير مألوف لهما كانا من فورِهما يسألانِ عن معناه الأبَ أو الأم، فإن كان في إطار المسموح فإنهما يجيبانِ عنه، وإن كان غير ذلك فيكفيهما أن يصفاه بالعيب حتى يتجنبه. وظل هذا هو حال الأسرة في تربية أبنائها، في صراعٍ دائم مع ألفاظ الشارع السارحة على ألسنة البعض منا، وفي توجس وقلقٍ شديديْن إزاء ذلك. وظلت هذه القضية في عمر كلِّ واحدٍ منّا على هذه الحال رَدْحًا من الزمان، ما بين سؤالٍ وإجابة، وآخر بدونها. وكانت النتيجة في تلك المعركة تأتي إلى حدّ ما بما يرضي الآباء من الأبناء، رغم علمهم يقينًا بتلوث معجم أبنائهم بما ناب وقبح من الألفاظ، والتي تسرّبت إليهم رغمًا عنهم، مع اجتنابهم لها، فلا تزال إجابة العيب تُحصّنهم إلى حدّ بعيد. وكنا إذا لاحظنا تغيّرًا في سلوك أو ألفاظ أحد أبنائنا، أو حتى أبناء المقربين منّا، على غير عادته التى تربى عليها، نسأل عن ذلك؛ فيأتي الرد: إنه الشارع، أُعلّم وأربّي أيامًا، ويأتي الشارع على كل ذلك في ساعة.
إذن، تبقى القضية عند البعض منّا محصورة في الشارع. إلا أنه من المؤسف حقًّا أن الأمر لم يعُد كما كان يعتقد البعض من قبل؛ إذ انتقلت إلى بيوتنا في أمانٍ تام أسوأ الألفاظ وأقبحها، وألذع أنواع الشتائم وأشرسها. ولا أقول دون أن ندرى، وإنما ندري، بل قد نشارك فيها أحيانًا دون أن ندري. كل ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أضحت في جانبها السلبي مواقع للفتن وإثارة الشحناء والبغضاء بين الناس. ويكفيك أن تقلب في أيّة تعليقات حول أي موضوع تختلف فيه وجهات نظر معلقيه لترى إلى أي مُنحدرٍ وصلت إليه أخلاقُنا وألسنتُنا، لقد وصلنا بالفعل إلى الدرك الأسفل من رذائلها.
كلّ ذلك يستوي فيه الولد والبنت، كلّ ذلك وهما في البيت جالسان، وعلى مواقعهما الإلكترونية يسبّان، والأب والأم عليهما مطمئنان، وعنهما يدريانِ أو لا يدريانِ. عندما تتلفظ البنت بألفاظٍ في منتهى القبح، وتأتي من الشتائم ما لا يُتصوّر، فماذا تبقى إذن؟! عندما يأتي ذلك أيضًا مَن يُفترض فيه العِلم والخُلق، فماذا تبقى إذن؟! لقد وصلنا إلى الحد الذي أصبحنا نخشى فيه على الشارع أن تنتقل إليه أخلاقنا على مواقع السبّ الاجتماعي. لقد وصلنا إلى الحد الذي أصبحنا نخشى فيه على أنفسنا بعد تلك الحفلة الكريهة من السبّ والقذف أننا إذا تقابلنا في الشارع تقاتلنا، ولا عجب عنئذٍ. تقطعت أرحامٌ، وسادت علاقاتنا إذا ما تقابلنا الفتورُ والرّيبةُ وعلاماتُ الاستفهام، وسيطرت عليها أحاديث النفس الخفيّة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء”. ومع ذلك، هناك مَن يجد لنفسه مبررًا على صنيعه هذا، ولا مُبرّر، فإذا أردت لابنكَ سلامةً فانْأَ به عن تلك المواقع، أو كن قريبًا منه، رقيبًا عليه في حذرٍ، ودون تسلّط.
حنينٌ وترقّب !
كثيرًا ما يجدُ المرءُ منّا بداخله حنينًا إلى الماضي ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، نطمحُ إلى المستقبل ونتطلع إليه بشغفٍ وأملٍ وترقُّب. فهل نحن في صراعٍ بين ماضينا ومستقبلنا؟! أم تُرى ماذا يُفعلُ بنا؟! في واقع الأمر، وفيما يبدو لي، أن حنيننا إلى الماضي إنما هو حنينٌ إلى كل ما نفتقده في حاضرنا، وبدا لنا مثاليًا في ماضينا؛ فبعد أن تعقدت بنا الحياةُ في كل نواحيها، في الطعام والمسكن والملبس والاجتماعيات والشكليات وغيرها، أصبحنا نَحِنُّ إلى بساطة الماضي، وسهولة الحياة فيه، بكل أبعادها وأشكالها، كما تبدو في أعيننا نحن الآن. وبعد أن ازدحمت شوارعنا، وضاقت حتى على ساكنيها بما رَحُبَت، فضلًا عن أكوام الزبالة، أصبحنا نحنّ إلى مثيلاتها بدت لنا غير ذلك في ماضينا. وبعد أن عمّ الغلاء، واستشرى في كل نواحي حياتنا، وسار سريانَ النار في الهشيم حتى طال كلّ شيء، ولم يسلم منه شيء حتى أنفاسنا، أصبحنا نَحِنّ إلى ماضينا، وإلى أسعارٍ، وعُمْلاتٍ هي من بنات عُملاتنا تداولناها فعلًا واقعًا، أضحت جميعًا سرابًا وخيالًا.
وبعد أن خَرِبتْ ذممٌ وانهارت قيمٌ، وأصبح المرءُ منّا لا يأمنُ حتى على نفسه، أصبحنا نَحِنّ إلى ماضٍ عشناه جميعًا؛ كانت الكلمةُ فيه مجرد كلمة عقدًا موثقًا، وكان المرءُ منّا يخضع لمَن هو أكبر منه (اللي ما لوش كبير يشتري له كبير). كنّا ننامُ ملءَ جفوننا، وربما كانت أبوابُ بيوتنا مفتحةً، أو حتى مغلقة مجرد إغلاق، دون حابسٍ لها أو ترباس. وبعد أن تراكمت علينا الدنيا بهمومها ومسئولياتها ومفاتنها، إلى أن حاصرتنا وسدّت علينا كل بابٍ، حتى ضِقنا بها ذرعًا، وضاقت هي بنا، أصبحنا نَحِنّ إلى ماضٍ كنّا نرتعُ فيه ونمرحُ، لا يشغلنا فيه شيءٌ إلا أنفسنا، وكنا نُقْبِلُ فيه على الدنيا، ونفتح لها أذرعنا وكأننا نحاصرها، بل نطاردها أحيانًا.
ومع ذلك، وبعد كل ذلك الشوق والحنين إلى ماضينا أحيانًا، والتحسّر على ما كان فيه أخرى، والتأسّف على ما فرّطنا فيه ثالثًا إلا أننا نتطلع إلى المستقبل، وكلنا شوقٌ وأملٌ وترقّبٌ بأن يكون أفضل لنا من ماضينا. نحنُّ إلى الماضي ونتطلع إلى المستقبل، وأعيننا له راقبةٌ، وآذاننا له مطرقة، وقلوبنا له واجفة. نحنّ إلى الماضي، مجرد حنينٍ إلى كلِّ جميلٍ عشناه، وتوهمناه فيه، ولا نرغبُ في العودة إليه واقعًا؛ لأننا فعلًا عشناه، واقعًا خبرناه وجرّبناه. ونتطلع إلى مستقبلٍ مجهولٍ لنا جميعًا، لم نحسّه ولم نجرّبه بعدُ، والنفسُ بطبيعتها وفطرتها في شوقٍ إلى سَبْر المجهول، وفضولٍ يكاد يقتلها ويفتكُ بها لإدراكه وحِسّه ولَمسه. لا نرغبُ في العودة إلى الماضي ربما؛ لأنه ماضينا نحنُ، أنا وأنتَ، أما المستقبل فهو لمَن هم أغلى علينا من أنفسنا أبناؤنا، فإذا ما كنّا في مقايضةٍ بيننا وبين أبنائنا كانت الغلبةُ لأكبادنا، نتطلع إلى المستقبل معهم، ونحاول جاهدين أن نوفر لهم ما يجعل حاضرهم ومستقبلهم جميلًا؛ علّنا نجدُ فيهم أجملَ ما في ماضينا. وهذا هو حالنا دائمًا، جيلٌ يُسْلِمُ نفسه طواعيةً وعن طِيبٍ خاطرٍ لآخر.
مِن هدي النُّبوّة!
عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ” إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدث فيها. فقال رسول الله: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقّه. قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ورُوى عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ” وتميط الأذى عن الطريق صدقة”. فإماطةُ الأذى عن الطريق تعني إزالة كلّ ما يؤذي الناس ماديًّا. ومنه أيضًا، وفيما أرى، دفعُ الألفاظ النابية والقبيحة عنه؛ تلك الألفاظِ التي ضاقت بها شوارعُنا وطُرقاتُنا حدّ تجاوزِها الجدران والنوافذ لتزاحمنا حتى داخل بيوتنا بقُبحها وفُحشها، بل أراه من باب إشاعة الفاحشةِ بين الناس، وهو ما حذرنا منه ربّنا.










