نعود اليوم ونحمل إحدى الثمار الفريدة للغتنا الجميلة، التى تستثمر »النقطة« فى توسعة الألفاظ واستنباط المعانى، تنفرد به اللغة العربية وزادت طاقاتها ومقدرتها منذ أضاف لها العلماء النقاط فوق الحروف وعلامات الترقيم وتأثيرهما الإيجابى فى ضبط الأداء.
اليوم ننزل بالنقطة ضيفاً فوق حرف »الحاء« ليصبح الشقيق فى الترتيب »الخاء« وبالتالى تتحول كلمة الساحر إلى الساخر ليفصل بينهما بلاد وقاعات ويتصدر المشهد المهمة الإلهية التى كلف بها سيدنا موسى وأخاه هارون عليهما السلام، مسلحاً بآيات تسع ورسالة محددة من الخالق العظيم إلى فرعون ورجاله هامان وقارون وجنوده كى يرسل معهما بنى إسرائيل، لكن فرعون المستكبر والملأ حوله لم يصغوا للدلائل القاطعة التى أوردها موسى واتهموه بالسحر وهم لا يعلمون أن السحر يرتد للساحر، وأن البهتان جزاؤهم القادم.
إذ بمجرد أن ألقى موسى عصاه لتلقف حبال السحرة التى ظنها الحاضرون حيات تسعى، فحصحص الحق وسجد السحرة جميعاً مرددين الشهادة بوحدانية الله سبحانه وتعالى والإيمان به إلهاً واحداً لا شريك له، مما أصاب فرعون بالجنون، وهدد السحرة بالعقاب الأليم.. ردوا عليه »إنا لله وإنا إليه راجعون«.
وهكذا شهدت العديد من الرسالات السماوية اتهامات للرسل والأنبياء بالسحر، باعتبار أن عقلياتهم تتعامل بذلك الوصف مع الأشياء الخارقة التى يعجزون عن تفسيرها.
وبالطبع ينبغى التفريق تماماً بين ردود الفعل قديماً فى وصف الحدث بالسحر وما يقدم فى أيامنا تحت ستار التسلية والترفيه، ونعنى بها الأعمال والحركات التى يقدمها البعض على المسارح وعروض السيرك فى ألعاب يصفونها بالسحر، وهو مجرد »خفة يد« وإيهام للناظرين.
أما الساخر، فهو المرء العاجز عن مقارعة الحجة بالحجة، يلجأ إلى العصبية الرافضة دون التأكد من الخير القادم بإذن الله، وقد صاحبت هذه الظاهرة بعض الرسل أثناء مهمتهم السامية التبشير والتوضيح وبيان الحق من الباطل وهؤلاء الخاسرون خسروا أنفسهم ودنياهم وينتظرهم يوم القيامة عذاب السعير.
وعلى صعيد تعاملنا الآن، تتعدد صور الخسارة تأتى مع السخرية، اختبار صفقة صديق عزيز أو مشروع وعلى هذا المرء ألا يبكى على اللبن المسكوب، بل يمكنه أن تكون للخسارة نقطة بداية لتحقيق النجاح، وكم من المبدعين والمبتكرين فشلوا فى البداية، وخسروا.. لكنهم واصلوا السعى والدراسة، حاولوا العثور على نقاط الضعف ومسببات الخسران، ثم جاءتهم المكافأة من الله سبحانه وتعالى، اكتشاف الخطأ واستكمال مشوار النجاح، ومن المؤكد أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى القادر على كل شىء، من أهم العوامل الإيجابية التى تنير طريق الخاسر من الظلام إلى النجاح الباهر، فرب ضارة نافعة، وأن مع العسر يسراً.. إن مع العسر يسراً.. الثقة بالنفس مطلوبة والاجتهاد سبيل مشروع للتوفيق.. كما أن السخرية ليست حقاً أبداً ما يزيد.










