يسهم مفهوم “العلة التأسيسية” وهو مفهوم من توقيعي الخاص، اشتغلت عليه منذ كتابي الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق، وإلى أوان الفلسفة وكتابي لماذا ينشغل الفلاسفة بالآداب والفنون؟ وذلك في أفق تأويل الفن، لهذا لم أتعامل مع الفن بوصفه نشاطاً جمالياً ثانوياً أو مكمّلاً للفكر، بل بوصفه الأساس الأول الذي تتأسس عليه التجربة الإنسانية والمعرفية والوجودية. هنا يصبح الفن مبدأً أنطولوجياً ( وجوديا) قبل أن يكون تعبيراً جمالياً.
ما معنى العلة التأسيسية في هذا السياق؟
العلة التأسيسية هي النواة التي تمنح للأشياء إمكان الظهور وللوعي إمكان الفهم. إنها ليست مجرد سبب، بل. لأنها علة، فهي ذلك الشرط الأولي الذي يفتح العالم أمام الإنسان.
إذن، كيف يصبح الفن علة تأسيسية؟
وفقاً لهذا المنظور، الفن ليس تمثيلاً للعالم، بل هو الذي يجعل العالم قابلاً للتجربة والفهم أصلاً. بمعنى:
إن الفن: ليس نتيجة للوعي، بل هو الشرط الذي يفتح الوعي على العالم.
وليس تفسيراً للوجود، بل هو الذي يمنح الوجود إمكانية أن يُدرَك ويُفكَّر فيه
كما هو ليس انعكاساً للقيم، بل هو المصدر الأول لتولّد القيم والمعاني.
لماذا يُعَدّ هذا المفهوم غير مسبوق منذ أرسطو؟
لأن أرسطو وضع الفن ضمن إطار:
محاكاة → فعل إنساني → إنتاج جمالي.
: أما مفهوم العلة التأسيسية، فيقلب البنية كلها :
فعل جمالي أولي → تأسيس الوعي → انبثاق الفكر والفلسفة.
أي أن الفن يصبح أسبق من الفلسفة وأسبق من العقل النظري، بل هو اللحظة الأولى التي يبنى عليها كل تفكير لاحق؛ أما النتائج الفلسفية لهذا المنظور فهي:
.1 الفلسفة نفسها تُشتق من الفن لا العكس.
. 2 الوجود الإنساني في أساسه فنيّ الطابع لا معرفي ولا أخلاقي فقط.
. 3 الفن ليس ظاهرة ثقافية بل ضرورة أنطولوجية.
. 4 الفن يصبح الوحدة الأصلية التي تتفرع عنها كل أشكال وألوان الابتكار بدءا من اللغة والفكر وأنماط الكينونة، بحيث أن الكينونة ذاتها، هي بمثابة تشكل فني :
وهذا معناه أن الفن من منظور «العلة التأسيسية” التي تمنح الإنسان قدرته على الوجود والفهم. ليس موضوعاً للفلسفة؛ بل إن الفلسفة أثرٌ متأخر للفعل الفني الأصلي. هكذا يصبح “الفن كفلسفة أولى” ليس شعاراً، بل إعادة كتابة لتاريخ الوعي البشري من جذوره.










