تعد الأسطورة من أهم مصادر التراث الشعبي التي استقاها الأدباء بمختلف عصورهم ومشاربهم؛ ذلك أن الأسطورة تحوي في جوهرها رموزًا متعددة لبعض الحقائق الأزلية، إضافة إلى أنها تكشف عن مكنونات النفس البشرية وتميط اللثام عن أسرارها الخفية، ثم إن لها فوق ذلك قيمتها الأخلاقية الهادفة والخالدة التي تجعل من أبطالها مثلًا أعلى يحتذيه البشِر ويتجنبون كل ما يناقضه، وهى بطبيعتها من حيث شكلها ومضمونها ووظيفتها تعين الكتّاب وكتاب الدراما خاصة على الاستلهام من طرف، واستخلاص الرمز الفني لفكرة أو مبدأ من طرف آخر، كما يشير الدارسون.
وقد تعددت تعريفات العلماء والباحثين للأسطورة، فيشير د. شكري عياد في كتابه “البطل في الأدب والأساطير” إلى أنها “الجزء القولي المصاحب للطقوس البدائية”، ويرى د.عياد أن هذا التعريف يكشف عن حقيقتها الأولى الجوهرية، وأنه يطابق ما يقوله كثير من ثقات الباحثين في الأنثروبولوجيا والدراسات القديمة. وثمة تعريف ثانٍ يقول: إن الأسطورة هي “محاولة لفهم الكون بظواهره المتعددة، أو هي تفسير لـه. إنها نتاج وليد الخيال، ولكنها لا تخلو من منطق معين ومن فلسفة أوليّة تطور عنها العلم والفلسفة فيما بعد، ويورد د. عبد الحميد يونس في كتابه “الحكاية الشعبية” وصفًا يعده شاملًا للأسطورة وهو “أن الأسطورة تروى تاريخاً مقدسًا وتسرد حدثًا وقع في عصور ممعنة في القدم، عصور خرافية تستوعب بداية الخليقة”.
ويلاحظ أن هذه التعريفات والأوصاف السابقة للأسطورة تتفق جميعًا من حيث النظر إلى وظيفة الأسطورة التي تكمن في التفسير، تفسير ظواهر الكون والطبيعة وسرد الأحداث والقصص الممعنة في القدم، مما يشي بأن وظيفتها تقتصر على التفسير فحسب، وهذا أمر يبعدها عن الفن بدرجة ما ويقربها من مجالات الأنثروبولوجيين. لكن التحديد الأشمل لمجال الأسطورة يتضح لنا من خلال طبيعة الحكاية التي ترويها والكشف عنها وعن شخوصها والطقوس المصاحبة لها، وهو ما يتضح جليًا من خلال هذا الوصف الذي يشير “إلى أنها حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة والطبيعة والكون والنظام الاجتماعي وأوليات المعرفة، وهى تنزع في تفسيرها إلى التشخيص والتمثيل والتجسيم، وتنأى بجانبها عن التعليل والتحليل وتستوعب الكلمة والحركة والإشارة والإيقاع، وقد تستوعب تشكيل المادة، وهى عند الإنسان البدائي عقيدة لها طقوسها, فإذا ما تعرض المجتمع الذي تتفاعل معه الأسطورة لعوامل التغير تطورت الأسطورة بتطوره – كما يقول د.يونس.
وهناك عدة تصنيفات وضعها الباحثون في علم الأساطير تحت مسمى: “أشكال الأسطورة المختلفة” وهى كما يلي:
أولًا: الأسطورة الطقوسية: وهى تلك الأسطورة التي ارتبطت في الأساس بعمليات العبادة، في أي شكل من أشكالها أو طريقتها، وعنيت بإثبات الجانب الكلامي من الطقوس قبل أن تصبح حكاية لهذه الطقوس، وتقوم هذه الأسطورة على التأمل في نظام الكون ومحاولة تفسيره؛ فالكون بنظامه الطبيعي شغل الإنسان القديم، وقد عبر هذا الإنسان عن تصوره للظواهر الكونية من خلال اللغة التصويرية والتمثيلية، وكان ذلك في شكل حكاية تعبيراً عن الحقيقة التي أحس بها.
ويضرب الباحثون مثالًا لهذا النوع من الأساطير بأسطورة إيزيس وأوزيريس وما صاحبها من طقوس العبادة في المعابد التي كان يؤديها الكهنة والرجال والنساء في ذكرى قتل ست الشرير لأخيه أوزيريس إله الخير والنماء، وقد أطلق على هذه الطقوس مسرحيات الآلام، حيث ” كان أوزيريس الإله المصري الرئيسي، أو الملك الإله الأسطوري، شخصية أساسية لمسرحية من مسرحيات الآلام مشابهة تشابها ملحوظًا لتلك المسرحيات التي لا تزال تمثل في القرن العشرين، وقد أصبحت مسرحية الآلام هذه, وهى المسرحية التي تستعيد آلام أوزيريس، وتؤكد رجعته إلى الحياة، من الأحداث الموسمية التي تمثل سنوياً، كما يشير شلدون تشيني في كتابه ” تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة”.
ثانيًا: الأسطورة التعليلية: تعرف الأسطورة التعليلية لدى المهتمين بدراسة التراث والإبداع الشعبي بأنها تلك الأسطورة ” التي تحاول أن تعلل للظواهر أو أن تربط بينها -كظواهر الطبيعية – وبين القوى التي تحركها ربطًا فيه السذاجة والبدائية في الخيال والفكر معًا، أو هي التي تأتى كمحاولة ” لاصطناع أسلوب منطقي في تفسير الأشياء في عصر غاب عنه الأسلوب العلمي لفهمها،على حد قول د.نبيلة إبراهيم في كتابها “أشكال التعبير في الأدب الشعبي”. فهذه الأسطورة ـ إذن ـ تجيء كمحاولة للإجابة عن أسئلة استهدفت المحافظة على النوع باكتشاف القوى التي تحركه من الظواهر الطبيعية كالماء وكيف جاء، والنور ومن يتسلط عليه، والأرض وتفجرها بالنار واندلاع البرق، والحكم على الإنسان بالموت وهو صانع الحياة، وغير ذلك من ظواهر الطبيعة التي جاءت هذه الأسطورة لتعلل حدوثها والربط بينها.
ثالثًا: أسطورة الخلق: ويهتم هذا الشكل من أشكال الأسطورة بتفسير خلق الكون، وتنبع أهميته من أنه يحكى عن كيفية ظهور العالم الكلى إلى الوجود.
إن الإنسـان البدائي وفق هذه الأسطورة وبرغم تخلفه في مجال العلم ” لم يغفل ـ كإنسان ـ وجوده والكون الذي يحوطه، وحاول أن يضع تفسيرات للظواهر الطبيعية، وتصور لها وجودًا يماثل وجود الكائنات الحية ـ إلى حد ما ـ وأعطى من أخيلته صفات تفوق صفاتها الطبيعية، وخلق لعالم الطبيعة عالمًا آخر فوق الطبيعة، عالمًا غيبيًا هو من صنع الإنسان نفسه، فأنشأ الأساطير التي تعتبر بداية نشوء الفكر الميتافيزيقي، ومارس طقوساً يمتزج فيها السحر بالخرافة لإرضاء القوى الغيبية المسيطرة على الكون .. وحينما قرن الإنسان بين منازل القمر المختلفة ومنازل النجوم آثر أن يضع قصصًا ممتعة تصور أن الإله الطيب حطم القمر إلى أجزاء صغيرة، فنشأت النجوم من هذا الفتات، وأنشأ الأساطير عن زواج السماء والأرض وخلق الإنسان؛ فالسماء أبوه والأرض أمه، وقصصًا عن زواج الشمس والقمر، حسبما يقول صفوت كمال في كتابه ” من أساطير الخلق والزمن”.
رابعًا: الأسطورة التاريخية: وهذا النمط من الأساطير هو ذلك الذي يقتحم الإنسان فيه عالم الآلهة، لكى ينتزع لنفسه منها ما لا يمكن أن يكون من حقوقه، ومن ثم فإنه لابد وأن يكون لـه صفات متفردة خاصة لا تتوافر لدى الآخرين. وتعبر هذه الأسطورة عن واقع تاريخي ممعن في القدم، وأبرز أبطاله من الملوك الذين يعنون بشئون شعوبهم في عالم الحياة وعالم الآخرة، “فقد كان واهب الحياة هو أحد ألقاب الملك في مصر القديمة وكان للملك وظيفة مزدوجة؛ فهو يعمل كوسيط بين العالم الإلهي وعالم الإنسان، كما أنه كان يمثل كلًا من هذين العالمين لدى الآخر، ودور الملك كوسيط وكحام يجعل الأساطير الملكية قريبة الشبه بأساطير البطل الحضاري، فالبطل هنا ـ وعلى هذا الأساس ـ مزيج من الإنسان والإله.
وأبرز الأمثلة لهذا النوع من الأساطير- كما يقول د.أحمد كمال زكي – ملحمة جلجامش عند البابليين التي حكت لنا قصة بطولة الإنسان، وبطلاها جلجامش وانجيدو، وهى “تمثل تراجيديا الحياة في قمتها. إنها في طريقة استغلالها للأساطير المختلفة، أسطورة الإنسان الإله، وأسطورة الإنسان الحيوان، وأسطورة الصراع بين آلهة الحب والبطل الجميل، ثم أسطورة الطوفان، بطريقة شاعرية وفلسفية معاً للتعبير عن فكرتها الكبرى، كفيلة بأن تخلد، بل أن تقف جنباً إلى جنب مع أجمل الآثار الأدبية العالمية، ومنها في تراثنا حكاية “سد مأرب”، وحكاية ” داحس والغبراء”، والجرهمي التائه، ويوم مأقط الذي يشكل ملحمة بطلها امرؤ القيس، ومنها أيضاً في تراث الإغريق حرب طروادة، أما عند الزنوج فلديهم خرافة “صحبة الكلب للإنسان”، إن أعلام هذا النوع من الأساطير ـ طبقاً لما سبق ـ قد عاشوا بالفعل وحققوا بطولات وأعمالًا عظيمة، إلا أنه بمرور الأيام أضيفت إليهم بعض الأوصاف والخوارق التي أوصلتهم إلى مصاف الآلهة.
خامسًا: الأسطورة الرمزية: وتقوم هذه الأسطورة على أن كل أساطير القدماء لم تخرج عن أن تكون في شتى أشكالها الدينية والأخلاقية والفلسفية مجرد مجازات فهمت على غير وجهها، أو فهمت حرفيًا، ويشير د.أحمد كمال زكى إلى أن أغلب الأساطير الموجودة في العالم إلى اليوم تندرج تحت هذا النوع، وفيها نرى صفات الإنسان تخلع بسخاء على الآلهة، كما نرى الإنسان قادرًا على مواجهة تحديات السماء، وينتصر غالبًا، على ما نرى في أساطير الإغريق والمصريين والهنود. ويمكننا أن ندرج ضمن هذا النوع خرافات الشعوب، التي تلقى الضوء على الرموز والمجازات والأمثال التي يكتنفها جو من الغموض، ومن ذلك خرافة “صحبة الكلب للإنسان” الواردة في قصص الزنوج الحاميين، ومنها مولد الربيع، والحكايات التي تحاول تفسير كناية أو قول شائع من قبيل ” الأرض أم الثمرات”.
ومن هنا يتبين لنا أهمية الرمز في عالم الأسطورة، فهو يعد بمثابة المدرك الفلسفي الذي يكشف عن حركة الصراع والديمومة داخل الأشياء التي لا يمكن إدراكها بالطريقة العلمية التجريبية، “فعن طريق الإدراك الحدسي يمكن أن يتصور الفنان العالم الأسطوري تصوراً إبداعيًا يقوم على توحيد الأضداد والتأليف بين هذه الأضداد في وحدة محكمة”. إنه يستطيع أن يتصور الأسطورة تصوراً جديداً، فيمكنه أن يعيد صياغتها في ضوء وجدانه وخياله، وهنا يستحيل الرمز في الأسطورة إلى مدرك جمالي ينبض بالوجدان ويفيض بالخيال. فالأساطير الرمزية ـ كما يقول ستانلي هايمن ـ هي الإدراك الرمزي لحقائق الحياة الإنسانية، ومحاولة لخلق الانسجام فيما بينها وتقبلها بالرضا، ومن خلالها تستجمع إرادتنا وتتوحد قوانا وينضبط نمونا، ومن خلالها أيضاً يتزن كياننا المضطرب.
إن عالم الأساطير عالم درامي يتميز بالحيوية والمرونة والثراء وقوة الصراع الذي يتجسّد من خلال الطقوس الأسطورية التي يؤديها الممثلون، وهو عالم قوى متصارعة متضاربة، وتختلف صور هذا الصراع، فقد يكون بين الآلهة وبعضها أو بين الإنسان وتلك الآلهة، وينتهى هذا الصراع في الغالب بانتصار الخير على القوى الشريرة على نحو ما نرى في أسطورة إيزيس وأوزيريس، على سبيل المثال.
ولعل أسطورة بندورا الإغريقية التي تقول : إن الإله زيوس خلق المرأة الأولى وأسماها باندورا، وأعطاها صندوقًا مغلقًا يحوي كل الشرور، وأمرها ألا تفتحه أبدا؛ حتى لا تنتشر هذه الشرور وتعم أرجاء الأرض. إلا أن الفضول دفع باندورا إلى فتح الصندوق لمعرفة واكتشاف محتوياته، ففوجئت بانبعاث كل الشرور منه. وسارعت إلى إغلاقه لكن بعد فوات الأوان، فانتشر الشر في الأرض. نقول: لعلها أبرز مثال على ما يرمز إلى نزعة الفضول والحيرة التي تعتري الإنسان، وتبرز الصراع بين الخير والشر أيضًا.










