قدمت في الأسبوع الماضي عرضا سريعا لكتاب (التنوير الإسلامي: الصراع بين الدين والعقل في العصر الحديث) للكاتب الصحفي البريطاني كريستوفر دو بلليج المنشور عام 2017، الذي يرد فيه على من يتهمون العقل المسلم بالانغلاق والجمود ورفض التطوير والتجديد، مؤكدا أن الإسلام لم يمنع المسلمين على مر العصور من تقبل كل ماهو جديد ومفيد، ومواكبة التطورات الثقافية والفكرية والعلمية والتكنولوجية، ويركز فيه على الشخصيات والمؤسسات الدينية الإسلامية التي لعبت دورا كبيرا في تحقيق التنوير الإسلامي لاستيعاب منجزات الحضارة الغربية في مجالات العلوم الطبية والهندسية والعسكرية والإدارية الحديثة.
وعند هذه النقطة الأخيرة نكتشف بجلاء الفرق بين مفهوم التنوير الذي عرفه الغرب الأوروبي ـ الأمريكي ومفهوم التنوير في عالمنا الإسلامي، فالتنوير هناك يعني قطع الصلة بين الكنيسة التي كانت تحتكر الدين الذي توارثته، وبين الحياة التي هي بطبيعتها متغيرة، بينما التنوير هنا يعني فتح أبواب الدين لاستقبال واستيعاب مستجدات الحياة والتفاعل معها وفق ما أمر به الدين نفسه، الذي حض على العلم والتفكر، واستنكر الجمود والتشبث بالماضي والموروث دون تدبر وتمحيص.
لقد جعلت الكنيسة هناك من نفسها وسيطا بين الله والناس، وقيما على أسرار الدين والكهنوت، ووضعت الدين في مواجهة العلم الذي حصرته في مجموعة معارف قديمة أسبغت عليها قدسية من قدسيتها، وجعلت الخروج على هذه المعارف خروجا على الكنيسة، وخروجا على الدين، فتم تقييد العقول بهذه المعارف (المقدسة)، وصار أي تفكير خارجها نوعا من الكفر والهرطقة، ومن ثم جاءت الدعوة إلى الاستنارة مقرونة بفك الارتباط بين الكنيسة والحياة، وبين الكنيسة وحركة المجتمع، وبين الكنيسة وحرية البحث العلمي الآخذة في الانطلاق إلى آفاق غير محدودة، وهذا هو جوهر مفهوم (العلمانية) التي ارتبطت في الغرب بالتنوير، بمعنى تحييد الدين بعيدا عن الحياة، وعن العالم.
أما في التارخ الإسلامي فكان الوضع مختلفا، إذ لم تكن لدى المسلمين مؤسسة دينية وسيطة بين الله والناس، وإنما هناك مؤسسات دينية تعليمية، ليس لها سلطة دينية على المجتمع، تسن بها تشريعات وتحكم بها على دين الأفراد، ولا تستطيع احتكار تفسير النصوص الدينية لطبقة معينة من العلماء دون غيرهم، فالنصوص واضحة للجميع، والتشريعات محددة ومعلومة تقوم عليها سلطة الدولة وليس رجال الدين، وحين تقع انحرافات في مراحل التخلف الحضاري تكون الأمة كلها شاهدة عليها، ومن ثم لم تكن هناك عراقيل دينية تحول دون انفتاح الدولة العباسية قديما على الحضارتين الفارسية واليونانية وترجمة تراثهما العلمي والفلسفي، أو انفتاح العالم الإسلامي حديثا على منجزات الحضارة الغربية والإفادة منها دون الاصطدام مع الدين.
ويؤكد دو بولليج في كتابه أن التنوير الإسلامي لم يحدث بدافع من الغرب، وإنما لوجود الرغبة والاستعداد لدى المسلمين فى تطوير سبل حياتهم، واللحاق بركب الحضارة، وقد أقبل المسلمون على الأفكار والعلوم الحديثة، وتبنوها بشكل ذكي وانتقائي، مع بقائهم أوفياء لهويتهم ولعقيدتهم التي لم تضطرهم إلى الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولم تمنعهم من الشغف بمنجزات العلوم والتعايش مع القيم الدينية.
لذلك كان مفهوم الاستنارة إسلاميا يعني التمسك بالقيم الدينية الأصيلة والدعوة في الوقت ذاته إلى التفكر والتدبر وإعمال العقل، وتبني كل جديد تتحقق به مصالح الناس.










