تنسلّ الأيّام من بين أيدينا كما ينسلّ الضوء من شقوق المساء، فلا نكاد نشعر بثقلها إلا حين نستدير إلى الوراء، فنفاجأ بفراغٍ تركته خلفها. هي لحظات عشناها على عجل، ظانّين أنّ للزمن متّسعًا، فإذا به يضيق بنا حين نحتاجه.
لو أنّ للأيّام طاعةً لندائنا، لاستعدنا وجوهًا غابت قبل أن نُشبعها حبًّا، ولرمّمنا صدوع القلوب قبل أن تستحكم، ولسقينا جراحنا ببلسم الصفح قبل أن تستعصي على الشفاء. لو أنّ الماضي يُستأنف، لكانت الدموع محوًا لا نقشًا، ولما تُرك الندم سيّد المشهد.
غير أنّ الحياة تمضي في صمتٍ مهيب، لا تلتفت إلى التمنّي ولا تعبأ بالحسرة. ما ينكسر فيها لا يُجمع إلّا ذكرى، وما يفوت لا يعود إلّا عبرة. وهكذا يغدو الزمن معلّمًا قاسيًا، لا يمنح دروسه إلا بعد انقضاء الفرصة.
فنحمل شظايا الانكسار في دواخلنا، لا على سبيل الأسى، بل لتكون نورًا خافتًا يهدينا: أن نُبادر قبل الفوات، وأن نغفر قبل القطيعة، وأن نُحبّ بصدقٍ لا يعرف التأجيل، لأنّ ما تبقّى من الأيّام أكرم من أن يُهدر.
الجزائر










