أمي… فسيفساء من ضوء، قطعها صنعها الله من الصبر، ومنحها القلب من حبٍ لا يتناقص،روحٌ فريدة تجري في عروقها الرحمة،وشمسٌ تشرق في بيتي كلما انسدل الظلام على حياتي.
كانت أمي معجماً من الحنان،
كل حرف فيه معنى، وكل كلمة نبضة حياة.
لم تكتفِ بأن تعطيني اسماً ومكاناً في هذا العالم، بل نقشت في مسيرتي خريطةً من نصائح تهبني الحكمة قبل التجربة،ورسمت على دروبي أنواراً تُضيء كل منعطف أخشاه.
ويا لذاك الحضن التي كانت تلجأ إليه طفولتي المرهقة،حضنٌ يتسع لقلق العالم إن ضاق صدري،يشفي الشروخ التي أحدثتها الأيام،ويهزم الخوف بقلب ثابت كجذع نخلة شامخة في وجه الريح.
كانت يداها ملاذي الأول والأخير،
تتقدمان نحوي قبل أن أتعثر،
وتربتان على قلبي قبل أن يبوح بحزنه.
وحين باغتها المرض الخبيث،
رأيتها في أبهى صور كبريائها وهي في أشد لحظات ضعفها.
طريحة الفراش، نعم،لكن روحها واقفة لا تجلس، وابتسامتها لا تنحني مهما اشتد الألم كأنها تعطل قوانين الوجع.
كان السرطان ينهش الجسد، لكن نور الإيمان يسكن عينيها ويقهر كل خيبة.
سمعتها تردد: الحمد لله
لا شكاية، لا ضيق، لا تململ. كأن المرض امتحان عابر وهي الطالبة الأولى في صبره وامتثاله.
وفي تلك الأيام الموجعة خيم الحزن على البيت، والجدران ضاقت علينا كأنها تحاول أن تحتجز اللحظات الأخيرة
قبل أن تنفلت من أيدينا كالرمل. من الصعب أن يعلم الإنسان أن القلب الذي حمله نبضاً داخل صدره
يوماً ما سيتوقف، وأن اليد التي فتحت أبواب الحياة له
ستغادر، ولن يعود الباب بعدها للانفتاح مرة أخرى.
كنت أجلس قربها ألتقط أنفاسها الثقيلة خشية أن يفلت منها نفس بلا شاهد، وأراقب ابتسامتها التي ما زالت، رغم ضعفها، تسابق الظلام لتنير وجوهنا. وفي ليلة غارقة بالسكينة، وفي شراشف دامية كأن الوقت توقف ليتنصت، أحسست أن رحيلها صار قاب قُبلةٍ أو أدنى.
اقتربت منها، انحنى رأسي كما ينحني المصلي لقبلته، ولامس جبينها شفتيّ في قبلةٍ ظلّت تحترق على قلبي حتى الآن.
قبّلتها لأودّع جسداً تعب، وأحيي روحاً ستبقى أبداً، قبلة حملت شكري، وعجزي، وحبي كله،وقلت داخل نفسي:
تبقي، وإن رحلتِ، فمثلك لا يغادر،
أنتِ في لطف الله، وفي الذاكرة، وفي النَسَل، وفي الدعاء. غادرت أمي ذلك الليل، لكنها تركت في البيت عطراً لا ينطفئ وفي الطرقات أثراً لا يمحى،
وفي القلب ظلاً من ظل الجنة.
وما زلت، كلما تاهت روحي، أرفع رأسي إلى السماء وأبتسم لتلك النجمة الرفيقة التي أظنها وجهها،
وأقول في سري:
يا أمي، قبلة على جبينك مرة أخرى،
وإن حالت المسافات، فالله بيننا أقرب.
الجزائر










