لم يعد الكلام عن توجيه ضربة أمريكية أو أمريكية صهيونية لإيران مجرد توقع لخبراء أمن يراقبون ما يحدث فى المنطقة من تطورات أو أحداث عن كثب.. بل أصبح الكلام عن استعدد أمريكا لضرب إيران صريحا وواضحا ويتردد على ألسنة كبار المسئولين فى الإدارة الأمريكية، وطبعا لا يشترط وجود مبررات أو مسوغات لهذا العدوان فالاتهامات جاهزة وليس من حق أحد أن يراجع أو يحاسب الإدارة الأمريكية أو إبنها الشيطانى “إسرائيل” على ما تفعله التصعيد المتسارع ضد إيران حاليا لا يستند لخلاف سياسي أو صراع نفوذ عابر، بل بات – في نظر كثير من المراقبين – حلقة جديدة في مخطط أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على وقع الفوضى والحروب المفتوحة.. فالتلويح المتكرر بتوجيه ضربة عسكرية لطهران لا يمكن فصله عن سياق إقليمي مضطرب، لا تدار فيه الأزمات من أجل احتوائها، بل من أجل تفجيرها وتوسيعها وتحويلها إلى حرائق ممتدة تلتهم ما تبقى من استقرار في الشرق الأوسط كله.
الخطاب الرسمي لمن يخططون لضرب إيران هذه المرة لا يستهدف البرنامج النووي الإيراني الذى سبق ضربه وتدميره منذ عدة أشهر .. بل يستهدف أركان الدولة الإيرانية ونشر الفوضى الخلاقة بها .. لكن يجب أن ينتبه الجميع الى أن
أي هجوم على إيران لن يكون نهاية أزمة، بل بدايتها الحقيقية، فطهران- شئنا أم أبينا- لاعب إقليمي متشابك النفوذ، يمتد حضوره العسكري والسياسي من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن. وهذا يعني أن إشعال الجبهة الإيرانية هو عمليا إشعال لكل ساحات الشرق الأوسط دفعة واحدة.
السؤال المهم هنا: من المستفيد من ضرب إيران ونشر مزيد من الفوضى بها؟؟
فى الواقع إسرائيل هى المستفيد الأول وهذه حقيقة يرددها العالم كله.. فالكيان الصهيونى الذى يواجه مأزقا سياسيا وأمنيا متصاعدا، يرى في ضرب إيران فرصة ذهبية لإعادة خلط الأوراق.. فبدل أن تبقى في موقع الدولة المحاصرة بانتقادات دولية بسبب سياساتها العدوانية في الضفة وغزة ولبنان، تتحول فجأة إلى “شريك في مواجهة خطر إقليمي”، وتعاد صياغة الصراع من كونه احتلالا وعدوانا إلى كونه حربا على التهديد الإيراني
بهذا المعنى، فإن توسيع رقعة إشعال النار يخدم تل أبيب استراتيجيا حيث
يشغل الرأي العام العالمي عن الجرائم اليومية بحق الفلسطينيين، ويضعف الدول العربية المحيطة، ويغرق المنطقة في صراعات داخلية تجعل من أي حديث عن الحقوق أو التحرير ترفا سياسيا مؤجلا.
أيضا.. من أبرز المخاطر المتوقعة عن توجيه أية ضربة لإيران تفاقم أزمة مضيق هرمز وهو ليس مجرد سلاح اقتصادي في قلب المعركة فحسب.. بل هو سلاح امنى استراتيجى يعبره جزء ضخم من نفط العالم قد يتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة.. وإغلاقه – حتى مؤقتا– سيكون بمثابة إعلان حرب اقتصادية عالمية.
المتضرر الأكبر من هذا التصعيد الخطير لن يكون واشنطن أو تل أبيب، بل دول الشرق الأوسط نفسها، خاصة المستوردة للطاقة، التي ستواجه تضخما حادا، وانهيارا في العملات، وارتفاعا جنونيا في أسعار الغذاء والوقود، ما يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية واسعة قد تفوق في خطورتها نتائج الضربات العسكرية ذاتها.
أيضا.. على من يفكرون أو يخططون لضرب إيران أن يدركوا أن الأمر لن يقتصر على المواجهة الإيرانية للعدوان، والتى يمكن أن تكون “انتحارية” فإيران أعتقد أنها مستعدة لهذا العدوان وتتوقعه فى أى وقت.. بل العراق وسوريا ولبنان لا تزال ساحات جاهزة للاشتعال عند توجيه أية ضربة لإيران.. وهنا يؤكد بعض المحللين أن المخطط لا يستهدف إيران وحدها.. بل العراق المنهك أصلا من الاحتلال والانقسامات، مرشح ليكون ساحة صراع مفتوحة بين القوات الأمريكية وحلفاء طهران.. وسوريا التي لم تخرج بعد من حربها الطويلة، قد تعود إلى قلب المواجهة الإقليمية.. أما لبنان، فسيكون على موعد مع حرب جديدة قد تمحو ما تبقى من دولته واقتصاده.
وهكذا تتحول دول عربية كاملة إلى مجرد (ميادين تصفية حسابات)، يدفع ثمنها المواطن العربي من دمه وأمنه ومستقبله، بينما تدار المعركة من غرف عمليات بعيدة لا تدرك المخاطر الحقيقية لأية مغامرة جديدة بضرب إيران.. ولو أدركت لا يهمها أن تكون الفوضى أداة استراتيجية تحقق أهداف القوى الاستعمارية
من الحقائق المؤكدة أن الدول القوية المستقرة يصعب التحكم بها، أما الدول المفككة المنهكة بالحروب الأهلية، فتتحول إلى كيانات ضعيفة تعتمد على الخارج في أمنها واقتصادها وقرارها السياسي.. ومن هنا يمكن فهم الإصرار على إبقاء الشرق الأوسط في حالة اشتعال دائم: نزاع في فلسطين، حرب في سوريا، توتر في لبنان، صراع في اليمن، اضطراب في العراق، والآن مواجهة كبرى محتملة مع إيران… سلسلة متصلة لا تبدو عشوائية بقدر ما تبدو جزءا من هندسة سياسية طويلة المدى. والنتيجة الحتمية في مناخ الحروب المفتوحة، لا يزدهر سوى التطرف.. فالتنظيمات الإرهابية لا تحتاج سوى فراغ أمني وسلاح متدفق وحدود رخوة كي تعود إلى الواجهة.. ومع انشغال الجيوش النظامية في مواجهة إقليمية كبرى، ستجد هذه الجماعات فرصتها الذهبية لإعادة التمدد، لتتحول بعض الدول العربية مجددا إلى ساحات تفجير واغتيالات وخطف ودمار.
وهكذا تدخل المنطقة في حلقة مفرغة.. حرب تولد فوضى.. والفوضى تولد إرهابا.. والإرهاب يستخدم ذريعة لحروب جديدة بالتأكيد ..
لو أقدمت القوى المتربصة بإيران على ضربها ستؤدى الى كارثة إنسانية جديدة وملايين المدنيين سيدفعون الثمن باهظا لهذه المغامرة حيث تتدفق موجات لجوء جديدة هروبا من الموت ومن المدن المدمرة، والأنظمة الصحية المنهارة، وسيكون مصير مئات الآلاف في المخيمات وتحت القصف.
والسؤال الذى يفرض نفسه هنا:
إذا كان الشرق الأوسط لم يلتقط أنفاسه بعد من مآسي الشهور الماضية.. فكيف له أن يتحمل كارثة أكبر قد تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط؟
إن التفكير فى ضرب إيران فصل جديد في مشروع طويل لإبقاء الشرق الأوسط ساحة صراع دائم، تستنزف فيه الدول، وتكسر الجيوش، وتهدر الثروات، بينما تظل إسرائيل القوة الأكثر استقرارا وتفوقا وسط محيط عربي مفكك.
إنه مشروع يقوم على منطق بسيط وقاس: “شرق أوسط ضعيف” يعني إسرائيل قوية، ويعني نفوذا أمريكيا بلا تكلفة تذكر..ومن هنا ندرك لماذا تحرض إسرائيل طوال الوقت على ضرب إيران.
b_halawany@hotmail.com










