لم أنم من فرحتي ليلتها ، وقد حلقت رأسي ( زلبطة ) كما أمرني والدي تأهباً لالتقاط أول صورة رسمية لي ، لزوم استمارة الشهادة الابتدائية !!.
ومع طلعة الشمس ، كنت أقف أمام بيت المصوراتي الذي يبعد عن قريتنا عدة كليومترات ، كنت أرتجف ، وهو يدخلني حجرة التصوير المظلمة ، وستائر سوداء تنسدل علي الشبابيك والحوائط ، وتتدلي بعض قطع الملابس من شماعة خشبية متهالكة ، فكان هذا أول بيت رعب أدخله في حياتي !!.
ألبسني المصوراتي جاكت بدلة واسع جداً ، تتدلي أكمامه خارج ذراعيّ ، وفجأة لمع ضوء باهر في عينيّ ، ونزع بمهارة عدسة أمامي من ماكينة ضخمة ، وهو يقول : ( مبروك .. تعالي خد الصور بعد خمستاشر يوم ) ، سألته عن السر في إصرار والدي علي حلاقة شعري زلبطة ، قال حتي تظهر أذناي في الصورة ، فهذه صورة ( رسمية ) سوف تلف وتدور علي دواوين الحكومة ، وتتشرف بأختامها وتوقيعات كبار الموظفين ، ولا يليق أن أتحداهم بشعري المنكوش ، ولم أقتنع !!.
كما عرفت قريتنا ( المصوراتي الجوال ) ، وهو فنان عجوز طاعن في السن أحدب عاشق للتصوير ، كان يلف في شوارع القرية الضيقة ، حاملاً كاميرا صغيرة ، ويرتدي بالطو أزرقاً باهتاً ، يعرض علي كل مَن يلقاه في الطريق أن يصوره ، مقابل أيّ شئ : كوز ذرة ، قرصة ، بيضة ، شرش ثوم ، أو ربطة بصل !!.
وقد يعود لهذا العجوز الفنان العاشق الفضل الأكبر في حفظ وجوه نسوتنا العجائز القعيدات من النسيان – ومنهن جدتي – واللاتي كان تصويرهن إلا بواسطته ضرباً من الخيال المستحيل !!.
وعند استلامي أول صورة لي لم أصدق نفسي ؛ فالصور كنا نراها فقط في كتاب التاريخ ، محمد علي باشا ، مصطفي كامل ، محمد فريد ، أحمد عرابي ، ويومها شطح خيالي الساذج فأوهمني أنهم صوروني لكيّ يضعوها إلي صف هؤلاء العظماء في كتاب التاريخ !!.
كان التصوير حينها حدثاً متميزاً ، له طقوسه وفرحته ومعناه وطعمه وجلاله وأسبابه ، مثل كل شئ في الحياة ، وقبل أن نعيش لنراه اليوم وقد تحول إلي كابوس مزعج ، وحالة من الفوضي والبزرميط ، فصرنا لا نصور الأحياء فقط ، ولكن حتي جثث الموتي والكوارث ، والعورات البشرية ، وعرفنا فبركة الصور وخداعها ، بواسطة الذكاء الاصطناعي ، واستخدمناها في التشويه والابتزاز والصراعات ، وضاعت الحقيقة ، وصار من الصعب التمييز بين الأصلي والفالصو ، والحقيقي والمزيف ، ولا ندري ماذا يخبئ لنا الغيب ، سوي توقع الأسوأ ، وربنا يستر !!.










