لم تكن الأمُّ التي رمت طفليها أمام باب المسجد قاسية.
كانت فقط قد وصلت إلى تلك النقطة التي يتساوى فيها الخوف مع الذنب،
وتغدو الرحمة قرارًا موجعًا لا يُتَّخذ إلا بالدمع.
لفّت الرضيعين في خرقةٍ واحدة،
كأنها تحاول أن تُقنع الليل بأنهما واحد،
وقبل أن تتركهما، همست:
«يا رب… خُدهم مني وما تاخدهمش للحياة دي».
في الجهة الأخرى من المدينة،
التقطتهما امرأةٌ فقيرة،
امرأةٌ لم تكن تملك سوى ظهرٍ محنيٍّ
وقلبٍ مستقيم.
ربّتهما على الخبز اليابس،
وعلّمتهما أن الكرامة لا تحتاج مالًا،
وأن الوطن—لو صحّ—يصير أمًّا إضافية.
كبر الأوّل وهو يركض.
كان الجري لغته الأولى.
حين التحق بالكلية الحربية،
تعلّم أن يركض هذه المرة نحو الرصاص،
لا هربًا منه.
كبر الثاني وهو يصغي.
كان الصمت لغته الأولى.
دخل الحقوق،
وتعلّم أن الكلمات قد تُطلق النار أيضًا،
لكن ببطءٍ قاتل.
وفي المدينة،
كان تاجر المخدرات
يُعيد تشكيل الليل على مقاسه.
شبكته لم تكن رجالًا فقط،
بل قضاة يوقّعون بأقلامٍ مرتعشة،
وضباط يغمضون أعينهم في اللحظة المناسبة،
وفتيةً بلا أسماء…
طيورَ ظلامٍ لا تحلّق إلا حين تنطفئ الدولة.
بدأت المطاردة.
الضابط يلاحق الشحنات في الأزقّة،
يقرأ الجدران بحدسه،
ويعرف أن الرصاصة التي لم تصبه اليوم
قد تكون مؤجَّلة.
القاضي يلاحق الملفات،
يفتح الأدراج المغلقة،
ويُصغي إلى ارتجاف الورق
كما يُصغي الطبيب إلى قلبٍ مريض.
لم يعرفا أنهما إخوة.
لكن الصداع كان مشتركًا،
والقلق نفسه كان يوقظهما في التوقيت ذاته،
كأن ذاكرة الدمّ
تُقرع من الداخل.
في ليلةٍ كثيفة المطر،
انكسرت دائرة الحماية.
رصاصةٌ ضلّت طريقها،
وملفٌّ نجا من الحرق،
وصوت امرأةٍ عجوز
صرخ فجأة من الهامش:
«حرام عليكم… دول ولادي».
التقيا في دهليز القضية.
نظرة واحدة
كشفت ما أخفته السنوات.
الملامح نفسها،
والجرح نفسه،
والفقد نفسه بلا اسم.
عرفا.
ركضا إلى البيت القديم
حيث كانت الأم التي ربّتهما
قد استسلمت للنوم.
نومٍ طويل،
كأنها قالت للحياة:
«كفاية».
جلسا عند قدميها.
الضابط خلع قبعته،
والقاضي طوى روبه،
وبقي طفلان متأخران
عن كلمة “أمي”.
قال الضابط بصوتٍ مكسور:
«نقتله… اللي دمّر كل ده».
قال القاضي، وهو ينظر في الفراغ:
«لا… ننتظره… بالقانون».
سكتا.
لأنهما عرفا فجأة
أن طيور الظلام
لا تُهزم بالانتقام،
ولا بالبطولة الفردية،
بل حين تستيقظ الدولة
وتستعيد أمومتها.
في الخارج،
كان الفجر يتسلّل بحذر،
كأنه لا يريد أن يوقظ المدينة قبل أوانها.
أما هما،
فبقيا واقفين…
ينتظران..










