لم أكن أعرف أن المثقف يمكن أن يبيع ذمته وضميره بثمن بخس ، حتي استمعت إلي إبراهيم عيسي وهو يفاضل بين العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وعمرو دياب ، ويقر – في تبجح يُحسد عليه – أن عمرو دياب يفوق عبد الحليم بآلاف المرات ، قالها بحقد مَسموم ينز من بين أنيابه ، وغل طافح يندلق من شدقيه !!.
لماذا – ياوحيد القرن – لأن عمرو دياب لم يغن للحاكم الفرد ، ولا لمنجزات وهمية ، ويقصد طبعاً جمال عبد الناصر ، وتجربته ، التي أستؤجر هو وأمثاله للنيل منها ، من قِبل سادته الذين فتحوا خزائنهم علي مصراعيها لكل سفيه ووضيع ، يرمي حجراً علي تجربة الرجل الخالد ، حتي لو بالباطل والزور والكذب والبهتان !!.
ورغم أنني كلثومي الهوي والهوية ، إلا أن العندليب شكل وجداننا العاطفي والوطني علي مدار شبابنا كله ، وكان بمثابة الموسيقي التصويرية لملحمة الإنسان المصري في نضاله وكفاحه وتحدياته وثورته ، فانصهرت نفوسنا مع صوته في بوتقة واحدة !!.
وعبد الحليم لم يغن للحاكم ، بل غني للشعب ، وللبطل الذي جسد أحلام هذا الشعب !!.
غني العندليب للفلاح أبو خير وجمايل ، للواعظ حافظ القرآن ، للجندي الأسد اللي شايل علي كتفه درع الأوطان ، غني للموظف العادي ، والمهندس اللي يفوت علي الصحرا تخضر ، واللي يفجر الرمل أنهار من دهب أسود !!.
غني حكاية السد ، وأنها حكاية شعب وتار بينا وبين الاستعمار ، وتأميم القناة والصرخة القوية والميدان في اسكندرية ، والمسؤولية ، ويا أهلاً بالمعارك ، وعدي النهار والمغربية جايه تتخفي ورا ضهر الشجر ، وغني عاش اللي قال للرجال عدوا القنال ، وغني للعروبة أحلف بسماها وبترابها !!.
عبد الحليم كان قصيدة شعر في ديوان الحب والثورة ، كان سطراً في رسالة غرامية ، بسمة عند لقاء حبيبين ، ودمعة عن فراقهما !!.
هذا بعض من أسطورة العندليب ياغراب البين ، والذي مازال رمزاً للعاشقين ، وتمثل أغنياته رسولاً بينهم !!.
نعم هو العندليب الذي ترنم برسالة من تحت الماء ، وقارئة الفنجان ، هو ابن الحلوات الساحر الذي غني حبيبها ، وفوق الشوك ، وجبار ، فماذا غني هذا الذي تزعم تفوقه عليه بآلاف المرات ، وما دليلك وحجتك وبرهانك ، سوي النخاسة التي تمكنت من ضميرك فخربته !!.
وأقسم لكم سادتي غير حانث ، أنني لا أعرف أغنية واحدة لهذا العمرو دياب ، رغم الانتشار المشبوه ، لكن يبدو أن سخاء العطاء الدولاري مقابل تأليف الغراب كتاباً عنه ، هو الدافع الأول والأخير ، كما عودنا علي أن يبيع ضميره ، حتي لو كان الثمن هو السخرية من القرآن الكريم نفسه ، كما فعل يوماً !!.










