لم يعد الخطر كامنًا في القمع وحده، بل في التصفيق له.
لم يعد الزيف استثناءً، بل صار هو القاعدة، والمظهر هو المعيار، والضجيج هو الدليل الوحيد على «الحقيقة».
في هذا العالم المكتظ بالوجوه المصقولة والآراء الجاهزة، يصبح التفكير تهمة، والاختلاف شبهة، والخروج عن السرب ضربًا من الجنون الذي لا يُغتفر.
في مجتمعاتٍ اعتادت العيش داخل القالب، لم يعد القطيع مجرد جماعة تسير في اتجاه واحد، بل منظومة كاملة لإعادة إنتاج الطاعة، وتكريس الرداءة، وحراسة الوهم.
القطيع هنا لا يقتصر على العامة، بل يتسع ليشمل المثقف، والكاتب، والمفكر؛ كل من يُفترض فيه أن يرى أبعد من حافة السرب، فإذا به يلوذ به، خوفًا من العزلة، أو طلبًا للسلامة، أو طمعًا في فتات القبول.
أصبح المظهر دينًا جديدًا.
لغة منمقة تخفي خواءً، وشعارات ضخمة بلا معنى، ومواقف مُعلبة على مقاس الترند، وثقافة تُستهلك كما تُستهلك البضائع: سريعة، لامعة، وفارغة.
أما السؤال الحقيقي، الصافي، الموجِع، فيُدفع إلى الهامش، لأنه يفضح العري الكامن تحت الزينة.
المفارقة القاسية أن أبسط الأسئلة هي الأكثر رعبًا.
السؤال الذي لا يحتمل المراوغة، ولا يقبل الزخرفة، ولا يمكن دفنه تحت طبقات التأويل.
لهذا نخشى طرحه، لا لأننا عاجزون عن الإجابة، بل لأننا نخاف مما قد تهدمه الإجابة من توازنات زائفة، ومن طمأنينة مصطنعة، ومن انتماءات هشة تقوم على التشابه لا على الفهم.
في هذا المناخ، يصبح المثقف الحقيقي عبئًا.
لا لأنه متعالٍ، بل لأنه مُزعج.
وجوده يخلخل الإجماع، وصوته يكسر الإيقاع، وأسئلته تفضح هشاشة ما اعتدنا تسميته «حكمة المجتمع».
ولأن المجتمع لا يحب من يضع المرآة أمام وجهه، يُتهم هذا المثقف بالجنون، أو التطرف، أو السذاجة، أو الخيانة، بحسب الحاجة.
أما الكاتب، فقصته أشد قسوة.
الكاتب الذي يرفض أن يكون بوقًا، أو ديكورًا ثقافيًا، أو شاهد زور، يُنظر إليه ككائن مشبوه.
هو «الكاتب الملعون»؛ ذاك الذي يكتب خارج النص، ويغرد خارج السرب، ويصر على تسمية الأشياء بأسمائها، لا بالأسماء التي تُريح القطيع.
لعنته ليست في فقره ولا في عزلته، بل في وعيه الذي لا يسمح له بالاندماج في الكذب الجماعي.
في بلادٍ تخاف من «الخروج» بكل معانيه، يصبح الصمت فضيلة مصطنعة، والحياد شرفًا زائفًا، والتغابي مهارة للبقاء.
نتعلم خفض أصواتنا، لا احترامًا للحكمة، بل خوفًا من العقاب الاجتماعي.
نتقن فن الالتفاف، لا بدافع الذكاء، بل هروبًا من المواجهة.
وهكذا يتحول الخوف إلى أسلوب حياة، ويغدو التكيف نوعًا من الانتحار البطيء.
السير مع القطيع يبدو آمنًا… في الظاهر.
لا أحد يسألك لماذا، ولا يطالبك بتبرير موقفك، ولا يضعك في مواجهة نفسك.
لكن هذه السلامة مؤقتة وخادعة، لأنها تسير بالجميع في طريق واحد؛ طريق لا يقود إلا إلى التكلس، ثم إلى الهلاك.
الأنس بالبؤس أسهل من مغامرة الحرية، لأن الحرية تتطلب ثمنًا، والقطيع لا يدفع أثمانًا، بل يوزعها على من يخرج عنه.
ومع ذلك، يبقى الخروج ضرورة لا بطولة.
ضرورة أخلاقية وفكرية، لأن المجتمعات لا تتغير من الداخل المطمئن، بل من الهامش القلق.
من أولئك الذين قبلوا لعنة السؤال، ورفضوا نعمة التصفيق.
من كُتّابٍ اختاروا العزلة على الزيف، والشك على اليقين الكاذب، والصدق على النجاة السهلة.
قد يُلعن الكاتب، وقد يُتهم، وقد يُقصى.
لكن التاريخ، حين يهدأ الضجيج، لا يتذكر القطيع…
بل يتذكر من تجرأ وسار عكس الطريق.،،!!










