من يتابع مجريات الحراك السياسي التركي في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد ثورتيْ 25يناير 2011 و30 يونيو 2013 ؛ يلحّ على ذهنه سؤال حائر هو: لماذا تسيطر الأيديولوجيا على الإستراتيجيا في الحقبة الأردوغانية ؟ وسؤال أعمق وأبعد: وهل يقف الرئيس أردوغان استثناءً وحيدًا في هذا الميدان، أم أنه الوريث الشرعي الطبيعي لأسلاف نهجوا هذا النهج من قبله؟
والأيديولوجيا التركية المقصودة، هنا، هي اختيار وتبني تيار الإسلام السياسي، الإسلام القناع، وليس الجوهر، واحتضان فلوله من السياسيين والإعلاميين الهاربين بعد ثورة 30 يونيو وزوال حكم الإخوان المسلمين، وتوفير الملاذات الآمنة لهم، وشكلت منهم “لوبي”، أو جماعة وظيفية، مهمتها قصف الجبهة المصرية وجعلها قلب لوحة التنشين لسهام كرههم وحقدهم؛ بهدف زعزعة النفوس الضعيفة المتذبذبة، وإهالة الثرى على كل ما تم إنجازه من مشروعات نهضوية عملاقة في عصر الرئيس السيسي.
ويعود التساؤل من جديد:هل كان احتضان تركيا أردوغان لفلول الإسلام السياسي، مجرد تعاطف طارئ، أم أن هناك جذورًا مشتركة بين الإخوان المسلمين وتركيا، اجتمعت تلك الجذور وتضافرت لتغذية تلك الشجرة الملعونة، شجرة الإسلام السياسي الاستغلالي، التي ظهرت، أول ما ظهرت، في ميدان القتال، كحيلة حربية مراوغة، وكانت وليدة ضرورة قتالية مباشرة، حين أشرف جيش معاوية ابن أبي سفيان على الهلاك؛ فأشار عليه عمرو بن العاص بأن يرفع الجيش المصاحف على أسنة الرماح للإيهام بالاحتكام إلى كتاب الله؛ فاشتعلت شرارة الخلاف ودب الانقسام في جيش علي بن أبي طالب بين قابل لتلبية الدعوة إلى كتاب الله، ومدرك لأبعاد الحيلة، وانشغل علي بن أبي طالب وجيشه عن قتال جيش معاوية بالاقتتال فيما بينهم؛ حتى التقط جيش معاوية الأنفاس وأعاد تنظيم الصفوف، واستأنف القتال.
والشيء المؤكد هو أن ما حدث بعد ثورات ” الربيع العربي” من صعود نجم الإسلام السياسي، واستئثاره بالسلطة، في أكثر من قطر عربي؛ يفسر لماذا كان الرئيس التركي أردوغان ( الناشط السياسي السابق، رئيس حزب العدالة والتنمية المنبثق عن التيار الإسلامي) يستعجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ويستحثه على الرحيل وترك السلطة في عام 2011 ، حين خاطبه في نبرة وعظ زائفة قائلا:” لسنا خالدين ..المهم أن يتذكرونا باحترام. علينا أن نصغي إلى ضميرنا وصرخة شعبنا وأن نكون مستعدين للاستماع إلى صلواته أو لعنته”.
وفي تونس استعجل أردوغان – أيضا – وصول حزب النهضة الإخواني إلى السلطة؛ لذا أعلن صراحة ودون مواربة أن “تركيا ستساند تونس وشعبها خلال هذه العملية الحاسمة”.
إن التماهي بين تركيا وتيار الإسلام السياسي الحديث، وخاصة مع أكبر فواعله (الإخوان المسلمين) ليس من قبيل المصادفة العمياء،وعداؤهما لمصر السيسي ليس نابعًا من فراغ ؛ بل لأن الضربة السياسية القاضية التي تلقاها ذلك التيار في مصر عقب ثورة 30يونيو، لم تزلزله في مصر فقط ، وإنما كانت قاصمة لأحد منابعه الرئيسية في تركيا، على المستوى السياسي والاقتصادي والإستراتيجي على السواء.
أما مسألة استغلال تركيا لقناع الدين الإسلامي في تحقيق مطامع استعمارية توسعية؛ فإنها مسألة قديمة، تعود إلى القرون الوسطى.أو العصور الدينية؛ فكما اتخذ الغرب المسيحيّ من الصليب قناعا دينيا لحملاته الاستعمارية الاستغلالية على الشرق، كذلك كان الاستعمار التركيّ للعديد من دول العالم العربي والإسلامي. ذلك الاستعمار الذي وصفه الدكتور جمال حمدان في كتابه “إستراتيجية الاستعمار والتحرير” بقوله:”جاء الأتراك في مسوح الدين الإسلامي، وتحت قناعه، وكان هذا عصر الدين لا القومية، وفي وهج ذكريات الصليبيات، مما سهل عليهم الفتح بلا ريب. بل لقد رأينا الجزائر هي التي استنجدت بالأتراك واستدعتهم لحمايتها. ولكن هذا لا ينفي الحقيقة المقررة من أن الوجود التركي هنا يعد نوعا خاصًا – ومحيرًا ربما – من الاستعمار هو “الاستعمار الديني” ولولا القناع الديني لعُد مماثلا للغزو المغوليّ الوثنيّ الذي سبقه ولووجه على هذا الأساس بكل تأكيد.”
وتحت هذا القناع الديني المقدس حرص الأتراك على الامتصاص الشره لخيرات البلاد التي استعمروها، وصدروا إليها الفقر والجهل والتبعية والتخلف، وهو ما حدا بالدكتور جمال حمدان إلى أن يقتبس ذلك الوصف الذكي البليغ للاستعمار التركي من المؤرخ الإنجليزي و.ب. فيشر، الذي يقول فيه:” وكل مظاهر الاستعمار الاستغلالي الابتزازي لا تنقص العثمانية: فقد كانت تركيا هي “المتروبول” (العاصمة) وبقية الإيالات والولايات مستعمرات تابعة، تُعتصر كل مواردها وخيراتها بلا مواربة لتحشد حشدا في “المتروبول” . بل لقد قيل: إن الأتراك طبقوا في حكمهم السياسي طريقتهم الاستبسية (الرعوية) في معاملة الحيوان، فهم ما انتقلوا من رعي قطعان الحيوان إلا إلى رعي قطعان الإنسان: كما يفصل الراعي بين أنواع القطعان، فصل الأتراك بين الأمم والأجناس المختلفة عملا بمبدأ فرّق تسد (نظام الملة). وكما يسوس الراعي قطيعه بالكلاب، كانت الانكشارية كلاب صيد الدولة العثمانية، وكما يحلب الراعي ماشيته كانت الإمبراطورية بقرة كبرى عند الأتراك للحلب فقط .”
ولم تقتصر جناية الأتراك على النهب المادي لخيرات البلاد المستعمرة وترحيل صُناعها المهرة إلى الآستانة؛ مما تسبب في انقراض أكثر من خمسين حرفة وصناعة تميزت بها مصر، كما قال ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”؛ وإنما امتدت هذه الجناية إلى الدين نفسه وإلى المجتمع الإسلامي، باتباعهم سياسة التفريق بين المسلمين على أساس الملة أو الطائفة وذلك ما رصده الدكتور جمال حمدان في كتاب “الاستعمار والتحرير في العالم العربي” ،حيث قال: “أما دينيا فقد قامت الإمبراطورية الدينية التركية على سياسة طائفية عاجزة ضيقة الأفق هي “سياسة الملة ” milet system التي تفاقمت خاصة في أخريات الإمبراطورية …ويمكن القول:إن نظام الملة هو الأب المباشر لمشكلة الطائفية التي كانت تعرفها أجزاء من العالم العربي. لقد كانت إرثا من الاستعمار التركيّ لا شك فيه.”
والدرس التاريخيّ الثابت في قصة استغلال الأتراك للدين كقناع استعماريّ، وفي غيرها، هو أن الخداع لا يدوم، وهي النتيجة التي توصل إليها الدكتور جمال حمدان، حين قال:”ولكن القناع الديني الوهمي الذي خدع العالم العربي في البداية لم يلبث بعد قليل أن تمزق، فكان رد الفعل القومي عنيفا في النهاية.” ولكن يبدو أن الأتراك لا يقرءون التاريخ ولا يعون دروسه !!
تلك مجرد شواهد تاريخية نستضيء بها في قراءة الحاضر. فلا تحسبوا أن التقارب التركيّ – الإخواني جاء اعتباطا بين عشية وضحاها أو محض مصادفة بغير اتفاق.
والآن، وتركيا تسعى سعيا حثيثا إلى المصالحة مع مصر بعد سنوات من المناوشات ومحاولات ليّ ذراع الدولة المصرية، واستنفدت حيلها وأوراقها بما فيها الإخوان المسلمون، وأصبحت في عزلة دولية خانقة، واستشعرت قوة القبضة المصرية على مستوى السياسة والاقتصاد والتحالفات الدولية الشرعية؛ الآن تبدو جديتها ومصداقيتها على المحك، فماذا ستفعل في ملف الإخوان، أشقاء الظاهرة الواحدة ظاهرة استغلال الدين لتحقيق مصالح استعمارية أو سياسية ؟ هل تسلمهم إلى بلدهم ليحاسبوا على ما ارتكبوه من جرائم وما حاكوه من مؤامرات وما اقترفته ألسنتهم الآثمة من تشويه في حق بلادهم على مدى سنوات عديدة من خلال الفضائيات التي فتحتها لهم، فظلوا يرغون ويزبدون ويتهكمون ويسخرون، وأغدقت عليهم من أموالها ، ووفرت لهم الملاذات الآمنة على أراضيها، وسخرت لهم أجهزتها الاستخباراتية لتمدهم بالمعلومات، أم ستكتفي بمجرد إرسال الإشارات الإيجابية وعبارات المديح في الدولة المصرية وعظمة حاضرها وحضارتها؟
وأخيرا فإن المصالحة التركية – المصرية ممكنة لو خلصت النوايا التركية وقدمت الأفعال على الأقوال أو لو وجدنا أن هناك تغيرا في السياسة والمنهج والأهداف التركية لتتوافق مع السياسات المصرية ومع ما يعيد العلاقات الطبيعية لمصلحة المنطقة.










