ليست ظاهرةُ التعصّب حادثةً عابرة في التاريخ الإنساني، ولا عيبًا خاصًّا بطبقةٍ دون أخرى، بل هي بنيةٌ نفسية-اجتماعية عميقة، تتسرّب إلى وجدان الفرد كما تتشكّل في أنساق الجماعات، وتستطيع أن تسكن عقل المتعلّم كما تستوطن خيال البسيط. ولعلّ من أدقّ ما صُوِّر به هذا المعنى ما قرّره ابن خلدون في مفهوم “العصبيّة” بوصفها رابطةَ تماسكٍ تُنتج الدولة وتُسهم في قيامها، ثم تنقلب عاملَ انغلاقٍ وتفكّكٍ حين تتجاوز حدّها. وفي الحديث النبويّ: «ليس منّا من دعا إلى عصبيّة»، وهو تحذير مبكّر من تحوّل الانتماء الطبيعي إلى أداة إقصاءٍ وعدوان. أمّا في الفلسفة الحديثة فقد قرأ غوستاف لوبون سيكولوجيا الحشود بوصفها استعدادًا للاندفاع خلف رأيٍ مهيمن دون تمحيص، بما يشي بأن التعصّب ليس خللًا فرديًّا محضًا، بل هو قابليةٌ تتغذّى من شروط الجماعة.
التعصّب، في تعريفٍ جامع، هو انحيازٌ شديدٌ لفكرةٍ أو جماعةٍ أو شخصٍ، يقترن برفضٍ قاطعٍ للمخالف، وبنزوعٍ إلى تحصين الموقف ضدّ النقد والمراجعة. وهو ليس مجرّد اقتناعٍ قويّ؛ إذ الاقتناع قد يقبل الحوار ويحتمل التعديل، أمّا التعصّب فيبني حول ذاته أسوارًا معرفيةً ونفسية، فيغدو الاعتراف بالخطأ تهديدًا للهوية لا مجرّد تصحيحٍ لمعلومة. ومن هنا تتداخل أبعاده: فهو معرفيٌّ حين يُغلِق أفق التفكير، ونفسيٌّ حين يرتبط بحاجةٍ عميقة إلى اليقين والانتماء، واجتماعيٌّ حين يتحوّل إلى معيارٍ للقبول والرفض داخل الجماعة.
تتعدّد أشكال التعصّب بتعدّد دوائر الانتماء الإنساني. فهناك التعصّب الدينيّ والمذهبيّ، حيث تُختزل الحقيقة في تأويلٍ واحدٍ، ويُعاد تعريف المخالف بوصفه خصمًا وجوديًّا لا شريكًا في البحث عن المعنى. وهناك التعصّب القوميّ والعرقيّ، حيث تُضخَّم سمات الجماعة وتُشيطن سمات الأخرى، فتُستحضر ذاكرةُ المظلوميّات وتُمحى مساحاتُ الاشتراك الإنساني. ويظهر التعصّب القبليّ والعشائريّ حين تُقدَّم رابطةُ الدم على رابطة القانون، فيغدو الحقّ تابعًا للقرابة لا للعدالة. ويتجلّى التعصّب الفكريّ والأيديولوجيّ حين يُعامَل الرأي كعقيدةٍ مغلقة، ويُستبدَل البرهانُ بالشعار. ومن أخطر صوره تقديسُ الشخصيّة، إذ تُنزَع عن القائد أو المرجع صفته البشرية، فيُتلقّى كلامه وحيًا لا رأيًا، ويُعدّ نقدُه خروجًا على الجماعة لا ممارسةً لحرية التفكير.
جذور التعصّب متشابكة. على المستوى النفسيّ، تشير أبحاث علم النفس الاجتماعيّ إلى نزوع الإنسان إلى تصنيف العالم في “نحن” و”هم”، طلبًا للاختزال المعرفيّ وتخفيفًا لقلق الغموض. فالانتماء يمنح معنى وأمانًا، لكنّه قد ينقلب آليةَ دفاعٍ ضدّ الشكّ، فيُغري باليقين السهل. وعلى المستوى المعرفيّ، يعمل “التحيّز التأكيديّ” على انتقاء ما يوافق الموقف المسبق وتجاهل ما سواه، فتتراكم القناعات في غرفة صدى مغلقة. أمّا اجتماعيًّا وسياسيًّا، فالتعصّب يتغذّى من خطاب التعبئة، ومن اقتصادٍ رمزيٍّ يكافئ الولاء ويعاقب الاختلاف، ومن أزماتٍ تولّد الحاجة إلى عدوٍّ يختصر التعقيد في صورةٍ بسيطة. وحين تتراجع مؤسّسات الحوار والتعليم النقديّ، تتقدّم سرديّاتُ الهوية الصلبة على حساب المواطنة المشتركة.
آثار التعصّب على الفرد عميقة؛ فهو يضيّق أفق التفكير، ويجعل الهوية هشّةً تحتاج دومًا إلى خصمٍ لتتحدّد، ويحوّل الاختلاف إلى تهديدٍ شخصيّ. وفي المجتمع يُنتج استقطابًا حادًّا، ويقوّض الثقة المتبادلة، ويضعف قدرة المؤسّسات على إدارة التنوع، وقد ينتهي إلى عنفٍ رمزيّ أو مادّيّ. كما يُعطّل الإبداع؛ لأن الإبداع ابنُ السؤال، والسؤال عدوّ اليقين المتعصّب. ومع ذلك، لا بدّ من التمييز بين التعصّب بوصفه انغلاقًا عدائيًّا، وبين العصبيّة بمعناها الأوليّ كقوّة تضامنٍ تحفظ الجماعة من التفكّك. فكلّ جماعةٍ تحتاج قدرًا من التماسك والولاء المشترك كي تقوم بوظائفها، غير أنّ هذا القدر يتحوّل إلى رذيلةٍ حين يتجاوز حدود العدالة والاعتراف بالآخر. فالتماسك قيمةٌ حين يخدم الحقّ العام، ورذيلةٌ حين يصادره.
هل للتعصّب حسنات؟ إذا قُصد به الثبات على المبدأ مع الاستعداد للمراجعة، فهذه فضيلةٌ اسمها الالتزام، لا التعصّب. أمّا التعصّب بالمعنى الدقيق فلا يكاد يُنتج إلا آثارًا جانبيّةً قد تُخطئ العين فتعدّها مزايا؛ كإثارة الحماسة أو شدّ الصفّ في الأزمات. غير أنّ هذه المكاسب قصيرة الأمد، لأنّها تقوم على استبعاد المختلف، فتزرع بذور صراعٍ مؤجّل. إنّ المجتمعات الحيّة هي التي تُحوّل الطاقة الانتمائيّة إلى مواطنةٍ جامعة، وتستبدل ثقافةَ الإقصاء بثقافة الاعتراف، وتُخضع الأشخاص والأفكار لميزان النقد دون أن تنزع عنهم كرامتهم.
معالجة الظاهرة لا تكون بالمواعظ وحدها، بل ببناء بيئةٍ معرفيةٍ تُنمّي التفكير النقديّ، وتُدرّب على مهارات الحوار، وتُعيد تعريف الهوية تعريفًا مرنًا يتّسع للتعدّد. كما تتطلّب إعلامًا مسؤولًا لا يُؤجّج الاستقطاب، ومؤسّساتٍ عادلةً تُشعر الأفراد بأنّ حقوقهم مصونةٌ بالقانون لا بولاءاتهم الضيّقة. والتربيةُ على الشكّ المنهجيّ، وعلى التفريق بين الفكرة وصاحبها، تُضعف نزعة تقديس الشخصيّات، وتُعيد النقاش إلى حجّته لا إلى هيبته.
إنّ التعصّب، في جوهره، خوفٌ يتنكّر في ثوب يقين، وانتماءٌ يفقد سَعته فيتحوّل قيدًا. والإنسان، حين يثق بقيمة ذاته وبصلابة حجّته، لا يخشى الحوار ولا يضيق بالاختلاف. من هنا يغدو الانفتاحُ شجاعةً معرفية، ويغدو الاعترافُ بالآخر شرطًا لتمام الذات. وبين عصبيّةٍ تحفظ التماسك وعدالةٍ تصون التنوّع، يتحدّد ميزان العمران الإنسانيّ؛ فحيث يُغلَب أحدهما على الآخر، يبدأ الاختلال، وحيث يتوازنان، تنفتح إمكانات العيش المشترك وتزدهر الحضارة.










