أضحت الشفافية مسألة ضرورية ومهمة لكل المجتمعات. فعندما تكون قواعد اللعبة السياسية المتبعة فى تسيير شئون الدولة واضحة وظاهرة للجميع فإن ذلك يساعد المواطنين جميعا على متابعة الطرق المعتمدة لتدبير شئون الدولة، فالشفافية تتمحور حول حق المواطنين فى المعرفة وتستلزم نشر المعلومات حول ما يفترض بموظفى الحكومة ومؤسساتها أن يفعلوا وماذا يفعلون بالضبط وتحدد المسئوليات المختلفة.
وتقوم الشفافية أيضا على تعميم المعلومات المتعلقة بحقوق المواطنين والخدمات التى يحق لهم القيام بها وسبل الحصول على تلك الحقوق. ويشمل ذلك التقاليد والمؤسسات التى تمارس بها السلطة فى بلد ما من أجل المصلحة العامة.
وعلى الجانب الآخر فإن ضمان كفاءة آلية السوق بما يعنيه ذلك من توفير الظروف التى تجعل تفاعل العرض والطلب يتم فى إطار حقيقى مع ضمان التخطيط الإستثمارى السليم لايتم إلا عن طريق توفير البيانات والمعلومات الأساسية عن القطاعات الإقتصادية بالمجتمع، وذلك بالشكل الذى يمكن الجميع من إجراء دراسات الجدوى السليمة والصحيحة. كما أنها من جهة أخرى تساعد المواطنين على معرفة الأوضاع العامة للشركات والمؤسسات المالية وغير المالية.
ولهذا تشترط الشفافية توافر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، ويجب أن تنشر بعلنية ودورية.
لذلك اهتمت المؤسسات الدولية الرسمية وغير الرسمية بهذه المسألة وتزايدت الدعوة إلى نشر المعلومات بطريقة سهلة ومبسطة ولذلك نصت المادة 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على انه ولتدعيم مشاركة المجتمع «ينبغى اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز الشفافية فى عمليات اتخاذ القرار وتشجيع إسهام الناس فيها»، وكذلك ضمان تيسير حصول الناس فعليا على المعلومات واحترام وتعزيز وحماية حرية التماس المعلومات المتعلقة بالفساد وتلقيها ونشرها وتعميمها، ويجوز إخضاع تلك الحرية لقيود معينة شريطة ان تقتصر هذه القيود على ما ينص عليه القانون، وماهو ضرورى لمراعاة حقوق الآخرين وسمعتهم، ولحماية الأمن الوطنى أو النظام العام أو لصون صحة الناس وأخلاقهم.
وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن البعض يتصور أن الحديث عن المعلومات يتناول فقط البيانات الإقتصادية الكلية للدولة مثل الناتج القومى أو أوضاع ميزان المدفوعات والموازنة العامة وغيرها من البيانات والمؤشرات الإقتصادية، وهو تصور خاطئ بالأساس إذ أن المقصود بالمعلومات هو كل البيانات والإحصاءات التى يحتاجها المواطن وتشمل بذلك التشريعات المنظمة لعمل جهات الدولة وكذلك اللوائح والقرارات الوزارية والإدارية، جنبا إلى جنب مع الأوضاع المالية للمؤسسات مثل الميزانيات العمومية وتقارير مراقبى الحسابات، وبالتالى فالمقصود بالمعلومات هنا هو الأطر القانونية والتنظيمية والمؤسسية للكيانات العامة والخاصة فى الدولة. واللوائح المعمول بها فى كل أجهزة الدولة وخاصة المتعلقة بالتعامل المباشر مع الجمهور كالرسوم المالية المطلوبة لاستخراج وثائق محددة، أو الإجراءات المتعلقة بسبل الحصول على هذه الوثائق. الخ.
وجدير بالذكر أن نسبة غير قليلة من البلدان التى وضعت قوانين لحرية تداول المعلومات قد اقتصرت على الجانب الحكومى أو شبه الحكومى دون الإهتمام بالشركات الخاصة أو مؤسسات المجتمع المدنى أو الجهات غير الخاضعة للحكومات، وهذا تصور قاصر إذ إننا نرى أنه وفى ضوء الدور المهم والحيوى الذى يلعبه القطاع الخاص فى المجتمعات فى هذه الآونة فإنه يصبح من الضرورى ادخال هذه المؤسسات فى العملية، مع وضع الضوابط العملية المنظمة لذلك الأمر.
وقد أجمعت المواثيق والإتفاقات الدولية والأعراف المنظمة لعملية تداول المعلومات على عدد من المبادئ العامة التى يجب توافرها وأهمها الكشف المطلق عن المعلومات وحق المواطن فى الحصول على المعلومات التى يطلبها، إلا فى حالات محددة فى القانون على سبيل الحصر. ونظرا للأهمية القصوى لهذا المبدأ فقد أجمعت الإتفاقات الدولية على ضرورة أن يضاف هذا المفهوم إلى دستور البلاد،لكى يصبح حقا من الحقوق الأساسية، وهو ما أخذ به المشرع المصرى حيث نصت المادة 68 من الدستور على «أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن وتلتزم الدولة بتوفيرها واتاحتها للمواطنين بشفافية» وبالمثل يجب أن يعد حجب المعلومات عن المواطنين من الجرائم التى يعاقب عليها القانون. كما يجب أن تضمن الدولة النشر الواسع للمعلومات واتاحتها للجميع، دون تفرقة، بكل الوسائل بحيث يصبح الاصل هو الاتاحة. على ان يكون النشر فى صيغ مبسطة يسهل فهمها للجميع. وهو ما يتطلب أن تنشر المؤسسات وكل الجهات المعنية جميع المعلومات الأساسية الخاصة بالعمل والقوانين واللوائح المنظمة لها وكذلك الأوضاع المالية والخدمات التى تقدم للجمهور وسبل الحصول عليها وتكلفتها المالية، إذا وجدت. على أن تحدث هذه المعلومات سنويا على الأقل.
كما ينبغى أن تخضع المعلومات إلى مراجعة دورية كى تأخذ بعين الإعتبار التغييرات فى طبيعة المعلومة المحتفظ بها، أو التطورات الدولية والإقليمية. كل هذه الأمور تتطلب العمل على الإسراع بإصدار قانون جديد لتداول المعلومات يتيح الفرصة كاملة للحصول على البيانات والمعلومات الصحيحة مع مراعاة التوازن الدقيق بين حرية تداول المعلومات والأمور المرتبطة بالأمن القومى للدولة أو لصون صحة الأفراد وحقوقهم مع ضمان توافر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها، وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، ويجب أن تنشر بعلنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد من جهة، والمساعدة على اتخاذ القرارات الصالحة فى السياسة العامة من جهة أخري.










