في الطرح الذي يميل اليه بعض المحللين من احتمال اندلاع حرب واسعة مع إيران، فانهم يستحضرون في ذاكرتهم تجربة الحرب على العراق عام 2003 من منطلق ان التاريخ يعيد نفسه. غير أن المقارنة بين التجربتين تكشف اختلافًا عميقًا ، في طبيعة الجغرافيا، في حجم الدولة، و في بنية الردع العسكري، والأهم من ذلك كله: طبيعة فاتورة الحرب ومن يستطيع دفعها.
كانت الحرب على العراق في مرحلتها الأولى سريعة نسبيًا. لأن التضاريس مفتوحة، وممتدة بين الصحارى والسهول، هذه الطبيعة سمحت للقوات المتقدمة بالحركة السريعة. لم تكن هناك حواجز طبيعية كبرى تبطئ العمليات العسكرية، كما أن العمق الجغرافي للعراق كان محدودًا نسبيًا مقارنة بدول أكبر في المنطقة. ولهذا استطاعت القوات المهاجمة الوصول إلى بغداد خلال أسابيع قليلة.
أما إيران فطبيعتها مختلفة تمامًا. مساحة إيران تزيد على ثلاثة أضعاف مساحة العراق، وتغطيها سلاسل جبلية واسعة مثل جبال زاغروس في الغرب والبرز في الشمال، إلى جانب هضاب مرتفعة وعمق جغرافي كبير. هذه الطبيعة تجعل أي تقدم بري بطيئًا ومكلفًا، وتحوّل الجغرافيا نفسها إلى عنصر دفاعي فعال. الحرب في الأراضي الجبلية ليست مجرد معركة قوة، بل معركة صبر وإمداد واستنزاف طويل.
إلى جانب الجغرافيا، هناك فارق ديمغرافي واضح. فالعراق عند الغزو الأمريكي كان يضم نحو خمسة وعشرين مليون نسمة، بينما يقترب عدد سكان إيران اليوم من تسعين مليونًا. هذا الفارق لا يعني فقط زيادة في عدد السكان، بل يعني مدنًا أكبر وأكثر تعقيدًا، وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات والاستمرار في حرب استنزاف طويلة.
ثم تأتي منظومة الردع التي طورتها إيران على مدى عقود. فإيران لم تبن استراتيجيتها الدفاعية على مواجهة تقليدية مباشرة فقط، بل ركزت على تطوير منظومة واسعة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة. هذه القدرات لا تغير ميزان الحرب التقليدية بالكامل، لكنها تفتح جبهة جديدة في الصراع، حيث تصبح القواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية في المنطقة ضمن نطاق الاستهداف.
وهنا يتغير شكل الحرب. فبدل أن تبقى المعركة محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة، يمكن أن تمتد آثارها إلى المحيط الإقليمي، خصوصًا في منطقة الخليج التي تضم جزءًا كبيرًا من البنية التحتية للطاقة في العالم.
لكن العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة يبقى العامل الاقتصادي. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بقدرة الأطراف المختلفة على تحمّل كلفتها.
خلال الحرب على العراق كانت صادرات النفط والغاز في المنطقة تسير بصورة طبيعية إلى حد كبير. ولم تكن البنية التحتية للطاقة في الخليج جزءًا مباشرًا من ساحة الصراع، وكان جزء من فاتورة الحرب يُدفع فعليًا من عائدات الطاقة نفسها.
أما في سيناريو الحرب على إيران، فالمعادلة مختلفة تمامًا. فالدول التي كانت تساهم في تمويل الحرب في الماضي هي نفسها اليوم معرضة لأن تصبح جزءًا من ساحة التوتر، لأن البنية التحتية النفطية، والموانئ، ومنشآت تصدير الغاز، قد تتحول إلى أهداف محتملة في أي تصعيد واسع.
كما أن مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، يمكن أن يصبح نقطة توتر رئيسية. وإذا تعطلت حركة الملاحة أو تراجعت صادرات الطاقة، فإن الدول التي تعتمد على هذه العائدات ستواجه ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا.
لهذا السبب، فإن كلفة الحرب لا تكون مجرد كلفة عسكرية، بل كلفة اقتصادية عالمية تمتد آثارها إلى الأسواق والطاقة والتجارة الدولية. ويمكن لهذه الكلفة أن تتضخم بسرعة تجعل استمرار الحرب الطويلة أمرًا صعب الاحتمال.
الحروب لا تُقاس فقط بمن يبدأها، بل بمن يستطيع الاستمرار فيها. وفي حالة الصراع مع إيران، فإن الجغرافيا، وعدد السكان، ومنظومات الردع، وتعقيد منظومة الطاقة العالمية، كلها عوامل تجعل كلفة الحرب ترتفع بسرعة.
ولهذا تبدو الحقيقة الاستراتيجية واضحة: قد تندلع المواجهات، وقد تقع ضربات متبادلة، لكن تحويل الصراع إلى حرب طويلة مفتوحة سيصطدم بواقع أن فاتورتها ستكون أكبر من قدرة الجميع على احتمالها.










