حوار مع الدكتور أمال طرزان مصر مع كريمة نور عيساوي أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات
كلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي تطوان المغرب
هل يمكن أن تحدثينا عن مولدك ونشأتك؟ وكيف أثرت بيئتك الأولى على تكوين شخصيتك؟
ولدتُ في فاس، المدينة التي تتنفس عبق التاريخ وتزهر بالحضارة، حيث كل دربٍ يروي حكايةً وكل جدارٍ يهمس بسرٍّ قديم. هناك، بين أزقة المدينة العتيقة، تشبعت روحي بعطر جامع القرويين، وبهيبة المدرسة البوعنانية، وبماء ضريح المولى إدريس الثاني الذي سقاني عشق الانتماء، فصار قلبي منذ طفولتي مرآةً لمدينةٍ ضاربةٍ في القدم، مدينةٍ لا تشبه سواها. في بيتٍ أنثويٍّ عامرٍ بالأخوات، وجدتُ الصداقة والفرح، وتعلمت أن الأخوّة ليست مجرد رابطة دم، بل هي وطن صغير يحميني ويعلّمني كيف أكون ابنة الحياة.
كبرتُ في أسرة متوسطة الدخل، لكنها غنية بالقيم، حيث كان والدي يكفل تسع فتيات وزوجة وأخت، فكان البيت مكتظًا بالأنوثة، بالضحكات والهمسات، بالقصص الصغيرة التي تنسجها الأخوات في ليالي السمر. لم أحتج إلى صديقات خارج البيت، فقد كانت أخواتي كل العالم، كل المتنفس، كل مرابع الفرح. ومن هناك، من ذلك البيت، انطلقتُ إلى المدرسة، ثم الجامعة، أحمل معي عبق فاس، وأصغي إلى أصواتها وهي تعلّمني أن العلم ليس مجرد كتب، بل هو امتدادٌ لروح مدينةٍ جعلت من المعرفة ميراثًا خالدًا.
فاس لم تكن مجرد مكانٍ للنشأة، بل كانت مدرسةً كبرى، حيث الطبخ يروي حكاية الأجداد، والصناعة التقليدية تحفظ ذاكرة الأيدي، والمعمار يكتب قصائد من الحجر والخشب والزليج. كل دربٍ من دروبها كان يلقنني درسًا في التاريخ، وكل شرفة مفتوحة على الأزقة كانت تهمس لي أنني ابنة حضارةٍ عريقة ضاربة في القدم، وأنني أحمل في داخلي ذاكرة مدينةٍ لا تنطفئ.
س- هل يمكنك أن تحدثينا عن تأثير الوالدين عليك خلال مراحل الطفولة والمراهقة؟
كان أبي الفانوس المشع الذي يضيء كل القناديل في البيت، يخرج قبل أن يفتح الفجر أبوابه، ويعود بعد أن يطوي الليل ستائره، يحمل على كتفيه أعباء أحد عشر امرأة، ولا يكلّ ولا يملّ، كأنما صبره نهر لا ينضب. لم أسمعه يومًا يتأفف أو يضيق، بل كان حضوره مهابةً وحنانًا، قوّةً وصمتًا، كلماتُه ندية كأوراق الربيع، وخطواته مشفوعة بالقبلات، كأنما يزرع في كل زاوية من البيت بذرة حبّ لا تذبل. كان النموذج الأول للرجل في حياتي، صورةً أولى انطبعت في القلب، وأيقونةً مقدّسة، لأن كل فتاة بأبيها معجبة، إعجابًا يولد من العشرة الطويلة ومن وهج الحضور الذي لا يخبو.
في حين كان جدي، الوجه الملائكي، والبلسم الذي يرمم الجروح، بل الملاذ الذي ألوذ به كلما أثقلني تعب الدراسة أو غاب أبي عن الحوار. كان نبعًا من الحنان، لا يجفّ ولا يطاله النسيان، يحسن الحديث بلباقة، يستشهد بالشعر والحديث والقرآن، ويُطعّم السمر بابتسامة أو مستملحة، فيغدو الليل معه قصيدةً من نور. هكذا اكتملت صورة الرجل في مخيلتي: صورة أبي المهابة، وصورة جدي المعتقة بالحنان، صورتان متباينتان لكنهما متكاملتان، رسمتا معًا معيارًا لا يغادر الذاكرة.
ولابد من الإشارة أنني في طفولتي، كنتُ أسكن بيئة أنثوية مغلقة بقرار من أبي، حتى المدرسة الابتدائية كانت امتدادًا لذلك العالم، معلمات أنيقات، متفانيات، باذخات العطاء، يعلّمنني الخط الفرنسي كما يعلّمنني الطرز الفاسي، كأن المدرسة بيت آخر، بلا سلطة لرجل إلا المدير الذي كنتُ أتحاشاه، وأتحاشى معه دقات قلبي التي تكاد تنفلت من أسواري. كان الخوف منه يرافقني في ممشاي، لكنه لم يبدّد دفء البيت الذي وجدته بين جدران المؤسسة.
تطفو الصور الآن أمامي، الأبيض والأسود يتمازجان، والألوان تبزغ وتخبو، والطفولة تظل الأرض الخصبة الأكثر لمعانًا، الأمكنة المرصوصة في الذاكرة بأساس متين، أطيافها لا تزول.
ثم جاء الاحتكاك الأول بعالم الرجال في الإعدادية، حيث تنوّعت الصور: بذلة وجينز وجلباب، أشكال تتحرك بلا صوت، هكذا أدركت أن العالم يزخر بالصور المتباينة، وأن صورة الرجل ليست واحدة، بل هي أطياف تتعدد وتختلف، وأنني كامرأة سأظل أواجه صورًا مكرّسة ونمطية، بعضها يرمم، وبعضها يجرح، وبعضها يعلّم أن الذاكرة
في المرحلة الثانوية، بدأتُ أطلّ على العالم من نافذة أوسع، لكنني ظللتُ أحمل معي إرث الطفولة وصور الرجال التي انطبعت في مخيلتي. كانت المدرسة فضاءً جديدًا، تتقاطع فيه الأصوات والوجوه، وتتشابك فيه الحكايات. هناك، تعلّمت أن المعرفة ليست فقط ما يُكتب على السبورة، بل هي أيضًا ما يُخطّ في القلوب من تجارب، وما يُزرع في الأرواح من قيم. كنتُ أتنقّل بين الفصول كمن يسير في بستانٍ متنوع، أقطف من كل زهرة عبيرًا، وأحمل في داخلي يقينًا أن العلم هو الطريق إلى الحرية الداخلية، وأنه الجسر الذي يعبر بي من ضيق الحي إلى رحابة العالم.
وفي الجامعة، اتسعت الدائرة أكثر، وصرتُ أواجه صورًا جديدة للرجال والنساء معًا، صورًا تحمل اختلافًا في الطباع والملامح، في الفكر واللباس، في الصوت والنبرة. هناك، أدركت أن العالم ليس امتدادًا بسيطًا لما عرفته في البيت أو المدرسة، بل هو فسيفساء متشابكة، فيها القوي والضعيف، فيها الصارم واللين، فيها من يشبه أبي في مهابة حضوره، ومن يشبه جدي في حنان قلبه، وفيها أيضًا من يختلف تمامًا، فيصير درسًا آخر في التباين والتعدد.
وهكذا، تداخلت مجموع هذه العوامل في تربيتي: الأسرة التي منحتني الحنان والأمان ، الأهل الذين غرسوا فيّ القيم والمبادئ، الحي الذي علّمني معنى الجيرة والمحبة العامرة، المدينة التي أهدتني عبق الحضارة والتاريخ العريق، و المدرسة التي فتحت أمامي أبواب الفكر والمعرفة وعلمتني أن أكون أنا ولا أحد سواي فيها اشتد عود شخصيتي ورسخت ملامح كينونتي . كل هذه العناصر لم تكن منفصلة، بل كانت خيوطًا متشابكة نسجت هويتي، وجعلتني أؤمن أنني ثمرة تاريخٍ طويل، وأنني أواصل سيرة مدينةٍ تعلّم أبناءها أن يكونوا أبناء النور والعلم والجمال
س- حديثنا عن أبرز المواقف والذكريات في طفولتك والتي ساهمت في بناء شخصيتك؟
من بين المواقف التي غيّرت مسار حياتي، كانت علاقتي بالكتاب والقراءة؛ علاقة لم تولد في حضن مكتبة عامرة، ولا في بيت يزخر بالكتب، بل خرجت من رحم البساطة، من بيت مغربي متواضع لا يعرف للكتاب إرثًا ولا للعلم نسبًا. أبي رجل يصارع الحياة من أجل لقمة العيش، وأمي امرأة أمية من البادية، تحمل في قلبها حكمة الأرض لا حروف الورق. ومع ذلك، وجدت نفسي ألج المدرسة مثل أقراني، لأكتشف أن الكتاب المدرسي هو أول نافذة أطل منها على عالمٍ لم أكن أعرفه.
كان الحرف أول دهشة، خطوطه كزخارف هندسية، نقاطه وفواصله كنجوم صغيرة تضيء الصفحة، علامات الترقيم كأقمارٍ معلّقة في سماء اللغة. ولولا الصور المصاحبة، لما استطعت أن أميز اتجاهه، هل يُكتب من اليمين أم من اليسار؟ كانت تلك اللحظة أول لقاء مع اللغة العربية، قبل أن أتعرف على الأبجدية الفرنسية في المستوى الثالث ابتدائي.
أما أول كتاب اقتنيته خارج المقرر الدراسي، فقد كان في السنة الأولى من التعليم الإعدادي، حين طلبت منا أستاذة اللغة العربية أن ننشئ مكتبة صغيرة داخل الفصل. عندها اشتريت رواية أرمانوسة المصرية لجرجي زيدان، وكانت تلك اللحظة أشبه بفتح بابٍ سحري. ومنذ ذلك اليوم، صرت أعتكف في غرفة صغيرة، أقرأ على ضوء الشموع، أتنقل بين صفحات رواياته التاريخية بشغفٍ لا ينطفئ، حتى قرأتها كلها، واحدة تلو الأخرى، كأنني أرتشف من نهرٍ لا ينتهي.
كان الكتاب بالنسبة لي نافذةً على الكون، يفتح لي أبوابًا لم يعرفها بيتي، وكان القراءة مصباحًا داخليًا يضيء عتمة الروح، يرافقني في وحدتي، ويمنحني شعورًا بأنني أملك عالماً خاصًا بي، عالمًا لا تحدّه جدران البيت ولا ضيق الحي. ومن تلك اللحظة، صار الكتاب رفيقًا لا يغيب، وصارت القراءة رحلةً ممتدة، تحملني من بيتٍ
لماذا نقرأ؟ كيف نقرأ؟
كثيرا ما راودني هذا السؤال لماذا نقرأ؟ فيأتي الجواب من تلقاء نفسه نقرأ لنحيا، لنعيش، القراءة تحقق، مشي وتجوال، سفر ،سمو، وعلو، ورقي، نقرأ لنحس أننا أحياء، وأن وجودنا لا يتحدد فقط في هذا العالم الذي وُجدنا فيه بالغَصْبِ أو بالقوة. هناك عالم آخر، وهو ما نبنيه من خلال قراءاتنا ومشينا بين سطور الكتاب، من خلال تِجْوالِنا بين أفكاره واستراحتنا بين فواصله، نحن من نرسم أفق عالمنا ونحن من نرتق حدوده الخيالية.
الكيفية التي نقرأ بها تختلف باختلاف حاجاتنا ولهفتنا، قد نقرأ من أجل الدراسة والبحث العلمي. ولكن هذه القراءة يكون الهدف منها بالدرجة الأولى هو تحقيق غاية الاستفادة المعرفية ونيل الشهادة العلمية من أجل ولوج سوق الشغل، ولذلك فهذه القراءة مفروضة بالضرورة وليست من أجل المتعة، القراءة الحقيقة هي التي نهرب إليها ونهرب معها بل نهرب فيها.
كثيرا ماطرح علي هذا السؤال ماذا أقرأ؟ أين أقرأ؟ ومتى أقرأ
هنا أستطيع القول، لنا الحرية في تحديد المجالات التي نرغب بالسفر إليها والتسربل بين حدائقها، هنا لنا أن نُحقق متعتنا من القراءة وفق طقوسنا الخاصة، ووفق مجال تحققنا. نقرأ ما يشبع نهمنا ويربي قَريحتنا، لعلنا في فضائنا الداخلي حيث نجري ونطير ونسبح، حيث نرقص ونلهو ونُغني، حيث نصرخ ونفرح ونبكي ونحن نَقْتَعِدُ نفس الكرسي في نفس الفضاء الذي شَيَّدناه منذ الإقامة فيه ووفق رُؤانا الخاصة وتوجهنا الذاتي، فضاء نطمح إلى تثبيت أسسه المتينة على أرضية الواقع، ليس للمكان الفعلي أهمية سواء كان هذا المكان بيتا، مقهى، مكتبة، بحرا، أو داخل مقصورة قطار، لأن الفضاء الحقيقي نحن من أثَّثْناه وبنيناه في دواخلنا.
أعتقد أنا نقرأ عندما نجوع ، جوع القراءة أشد أنواع الجوع إيلاما، لمن ألف تغذية الروح والفكر، القراءة ليست محددة بوقت معين أو زمن معين ، قد نقرأ ليلا لمحاربة الأرق، وقد نقرأ نهارا لمحاربة الملل، وكثيرا ما نقرأ لنوقف التفكير، في حين نقرأ من أجل المتعة عندما تصبح القراءة دواء للأرق والملل ولِمَ لَا حتى الألم، ففي القراءة نجالس الصديق ونعانق الرفيق ونستمع للسر العميق الذي يحمله الكتاب بين دفتيه من جماليات الآداب وأسرار الكون وسمو الفكر وشساعة الخيال ورقي اللغة التي سقطنا فيها حبا فلم تعد تَسحبُنا بل أصبحنا نغرق في عشقها.
لما ولمن نكتب؟
نكتب بالدرجة الأولى لمن له رغبة في القراءة نكتب للتأصيل، للتأسيس، نكتب لنحس بوجودنا وتحققنا ربما نكتب من أجل الخلود لست أدري؟ تختلف دوافع الكتابة باختلاف أهدافها، غير أن الكتابة عندي متداخلة غير منفصلة وقد أشرت إلى ذلك غير ما مرة، بأن الكتابة بالنسبة لي مرتبطة بالحالة النفسية أو الضرورة المعرفية، إذ لا يمكن الفصل بينهما. قد أجدني أتأرجح بين النصوص الإبداعية أو الأبحاث والدراسات الأكاديمية؛ الأولى سلوى للروح ألج تلك الفسحة كلما ناداني ذلك الصوت المخنوق فتكون الكتابة استجابة لنداهة داخلية ربما عاطفية أو صوفية أو تعبير عن رؤية شخصية؛ الكتابة هي تطواف في عالم غامض وساحر من دون تمائم أو تعاويذ، معراج في عالم علوي وبرزخ خاص فلا يمكن أن أكون إلا أنا ولا أحد سواي لغتي صورتي ومحياي إذ لا أحسن ارتداء الأقنعة.
متى نكتب؟
عندما نتحقق بالفعل، نكتب عندما نعجز عن الصراخ أو التبرير أو الحكي، نكتب عندما نحس بالخطر وبالانهيار، نكتب عندما يستشري القبح والبشاعة، نكتب لنكتشف، لنؤسس ونؤصل، نكتب لنقول مررنا من هنا وكنا هنا ذات يوم، لنخبر من يأتون بعدنا، بأننا مثلكم حملنا مشاعر وقلوبا وعلقنا حُلمنا بضفيرة السماء وانتظرنا نزول المطر.
متى بدأتِ الكتابة؟ وكيف تنظمين وقتك ككاتبة ؟
لا أعلم صراحة نبع الماء لكن ما أعرفه أنه حصل الارتواء لما ولجت عالم الكتابة، قد يكون انخراطي في الدراسات العليا فتح لي آفاقا للغوص في عوالم جديدة، عالم نثري وسردي بامتياز من خلال دراستي لتاريخ الأديان والكتاب المقدس. هذا العالم الذي يحبل بعوالم سردية جديدة، وصور مجازية خلاقة جديرة بالاهتمام، فوجدتني أنساق لتلك الفضاءات الغريبة، وأغيب في غياهب الأساطير، وأسافر في رحاب التاريخ القديم عبر مختلف الحضارات العابرة لتلك الأماكن على امتداد كل الأزمان، فعلا كان لمهنتي أثر كبير في تطوير قدرتي القرائية والكتابية حسب ما توفر لي في هذا الحيز الزماني الضيق، فأنا لا زلت في البداية، وعمري في الجامعة قصير ، لكن فعلا العمل الأكاديمي محفز كبير على القراءة، وبل مرتع شهي ومغري للبحث والدراسة، إذ لا مناص أمام الباحث إلا الانخراط في المختبرات والمراكز والمجموعات البحثية، وإلا فاته الركب، كما أن الإشراف على البحوث عامل مهم في تطوير القراءة، إذ على الأستاذ الإلمام بالمواضيع المقترحة وتوجيهها وتصحيحها وتنقيحها. بل وترك بصمته على طلابه فيما يخص بالمنهج والتوجه.
س- كيف استطعت تحقيق التوازن بين مسؤولياتك المهنية والعائلية؟
كثيراً ما يُطرح عليّ السؤال: كيف أنظّم وقتي وأنا أعيش بين أدوار متشابكة، أمّاً وزوجة وأستاذة وباحثة وربة بيت؟ وأجيب دائماً أن الأمر ليس سهلاً، لكنه ممكن حين نتسلّح بفقه الأولويات، ونستمع إلى حدسنا وعقولنا، فنرتّب ساعاتنا بما يليق بظروفنا المتقلبة. إنّ التخطيط المسبق هو البوصلة التي توجهني، وتحديد البرامج وفق أهميتها هو الحبل الذي أتشبث به وسط زحام المهام، فأنا أهرب من التشتت كما يهرب الطائر من شباك الصياد، وألجأ إلى البيت كملاذ يمنحني وفرة من الوقت وطمأنينة من السكينة، فأنا بيتوتية بطبعي، وهذا يكسبني ساعات إضافية أستثمرها في البحث والكتابة والتأمل.
أستغني عن كثير من الترفيه الذي قد يراه غيري ضرورياً، وأتحايل على الزمن بزيادة نومي حين ينفعني، وأجعل من الليل سنداً يمدني بطاقة للبحث والدراسة والتأليف، فيما يهبني الصباح المبكر امتداداً للنهار وفسحة لأداء واجباتي الأسرية. الليل عندي ليس مجرد وقت للنوم، بل هو معراجٌ للروح، ومختبرٌ للأفكار، ومحرابٌ أكتب فيه ما يفيض من قلبي وعقلي، أما الفجر فهو بداية جديدة، يمدّني بصفاء يضاعف قدرتي على الإنجاز.
كثيراً ما أختفي عن مواقع التواصل، فأكتشف أنني استرجعت ساعات كانت تضيع هباءً، وأدرك أن الصبر ومجاهدة النفس هما جناحا الطيران نحو الإنجاز، فالنفس تميل إلى الراحة وتشتهي الخمول، لكن كل كتاب يولد بين يدي هو ثمرة مكابدة ومعاناة، سرعان ما تزول حين ألمس صفحاته وأرى الفرح يتلألأ في عيون من حولي. عندها أشعر أن الوقت لم يكن عدواً، بل رفيقاً صبوراً يعلّمني أن كل لحظة تُستثمر بحب ووعي تتحول إلى حياة مضاعفة، وإلى قصيدة طويلة تُكتب على مهل في دفتر العمر.
إنّ إدارة الوقت ليست مجرد جداول وأرقام، بل هي فنّ داخلي، هوية روحية، ووعيٌ بالذات. هي أن نعرف متى نُعطي ومتى نرتاح، متى نكتب ومتى نصمت، متى نكون مع الآخرين ومتى نختلي بأنفسنا. هي أن نزرع في كل ساعة بذرة، وننتظر أن تنمو في الغد شجرة مثمرة. وكلما نظرت إلى ما أنجزت، أدركت أن وراءه ليالي من السهر، وساعات من الصبر، ولحظات من مقاومة الكسل، وأن كل ثمرة خرجت للنور هي شهادة على أن الزمن، مهما بدا قاسياً، يمكن أن يتحول إلى حليفٍ وفيّ إذا أحسنا التعامل معه.
س- ما الذي دفعك لاختيار تخصص علم مقارنة الأديان في الماجستير والدكتوراه؟
لم يكن اختياري لتخصص مقارنة الأديان وليد الصدفة، بل كان ثمرة حتمية لمسار داخلي عميق، ومسؤولية شعرت أنها تناديني منذ اللحظة التي وجدت فيها نفسي أمام مكتبة عامرة بالموسوعات والمراجع النفيسة التي قلّ أن تتوافر في ذلك الزمن، مكتبة أستاذي وزوجي الدكتور سعيد كفايتي، التي تحولت إلى مرتع خصب وملاذ آمن أستنشق منه عبير المعرفة وأرتوي من ينابيع الفكر. هناك، بين رفوف الكتب وأسرار النصوص، تفتّحت رؤيتي الخاصة لهذا العلم، وتعمقت أكثر فأكثر عبر دراستي في ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، لتكون تلك المرحلة بمثابة الانطلاقة الحقيقية نحو رحلة البحث والتأمل والمشاركة في الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية. ومن رحم ذلك الإصرار تولدت فكرة رفع مشعل المطالبة بإنشاء كلية متخصصة في علم الأديان بالمغرب، فكان القلم سلاحي في المقالات، وكانت الشاشة نافذتي عبر الحوارات التلفزية، وكان الفعل مؤسِّسًا لمركز “تنوير” لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية، حيث نظّمنا أنشطة ودورات تكوينية، وأصدرنا كتبًا ومؤلفات تُضيء هذا الحقل المعرفي. وهكذا أصبح هذا التخصص الباب الذي ولجت منه إلى عالم البحث والدراسة الأكاديمية، لألتحق بكلية أصول الدين بتطوان، جامعة عبد المالك السعدي، أستاذةً لتاريخ الأديان وحوار الحضارات، أواصل حمل الرسالة وأغرس بذور الفكر في تربة جديدة، مؤمنة أن العلم حين يُعاش بصدق يتحول إلى قدر، وأن الرحلة الفكرية ليست سوى امتداد لشغف داخلي يضيء الدرب ويمنح للحياة معنى أبديًا.
س- ما طبيعية تأثير النصوص الدينية على وضع المرأة في عصرنا الراهن؟
لقد ارتبطت صورة المرأة ولعهود طويلة في الفكر الذكوري بتلك الصور النمطية والمشيأة، والتي كانت نتيجة لحمولات متعددة منها: ما هو تاريخي واجتماعي ومنها: ما هو ثقافي واقتصادي ومنها: سياسي ونفسي. وقد تكالبت هذه الحمولات لتنتج في الأخير صورة مبتذلة ارتبطت في الذاكرة الذكورية بالنقصان وعدم التكافؤ. فكان من الصعب تحديد صورة واحدة للمرأة النموذج، فهي تمثلات متعددة ومختلفة تختلف باختلاف الأفراد ومرجعياتهم، إلا أن السائد لا يخرج عن كون المرأة هي ذلك المخلوق الناعم المالك لكل مفاتن الكون، والجامع لكل مكامن الجمال. فهي سر عذاب الرجل منذ الأزل، ففي الفكر الديني اليهودي ترسخت صورة المرأة بحواء ذلك الجسد الهش الناقص الذي خلق من ضلع آدم، والتي ألصقت بها تهمة الخطيئة الأولى ويتضح ذلك جليا من خلال سفر التكوين.
فتبدأ التوراة- والتي تعتبر مصدر أحكام اليهود وتشريعاتهم، وبغض النظر عن صحتها أو تحريفها من الناحية التاريخية أو الدينية – بالحديث عن المرأة في سفر التكوين انطلاقا من “رواية الخلق”،فنقرأ:« فَأَوْقَعَ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. ٢٢ وَبَنَى ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ ٱلضِّلْعَ ٱلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ ٱمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. ٢٣ فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ ٱلْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى ٱمْرَأَةً لِأَنَّهَا مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَت ٢٤ لِذَلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا». وقد وجدت العقيدة اليهودية في هذه الفواسيق مبررا لنعت المرأة بالاعوجاج، والتهجم عليها بحجة أنها أقل مكانة من الرجل الذي هو أصل وجودها باعتبارها خلقت من ضلع آدم، ومن هنا نجد أن الدين يقوم بدور مهم وحاسم في تحديد هوية الإنسان ومكانته كما أشار إلى ذلك بيتر بيرجي، وإذا ما تقدمنا قليلا نحو الإصحاح الثالث من سفر التكوين نرى أن التوراة تحمل المرأة مسؤولية خطيئة الأكل من الشجرة» ١ وَكَانَتِ ٱلْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ ٱلْبَرِّيَّةِ ٱلَّتِي عَمِلَهَا ٱلرَّبُّٱلْإِلَهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ ٱللهُ لَا تَأْكُلَا مِنْ كُلِّ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ؟»٢ فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ ٱلْجَنَّةِ نَأْكُلُ، ٣ وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلشَّجَرَةِٱلَّتِي فِي وَسَطِ ٱلْجَنَّةِ فَقَالَ ٱللهُ: لَا تَأْكُلَا مِنْهُ وَلَا تَمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا». ٤ فَقَالَتِ ٱلْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! ٥ بَلِ ٱللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَٱللهِ عَارِفَيْنِ ٱلْخَيْرَ وَٱلشَّرَّ». ٦ فَرَأَتِ ٱلْمَرْأَةُ أَنَّ ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلْأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ ٱلشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. ٧ فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لِأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ»
وتستمر التوراة بإلحاق تهمة الأكل من الشجرة بالمرأة:« فَقَالَ: « هَلْ أَكَلْتَ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ٱلَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْهَا؟» ١٢ فَقَالَ آدَمُ: «ٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ ٱلشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ».١٣ فَقَالَ ٱلرَّبُّٱلْإِلَهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هَذَا ٱلَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ: «ٱلْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»ليكون عقاب الرب لحواء على الشكل الآتي:« وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِٱلْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلَادًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ ٱشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ» ،نستنتج من هذه القصة التوراتية أن المرأة جنس هش قابل للإغواء فهي سبب خروج آدم من الجنة.
أما في المسيحية والتي ورثت عن الديانة اليهودية العهد القديم أو “التناخ” في الأدبيات اليهودية فقد تساءل رجال الدين خاصة في مجمع “ماكون” عن المرأة هل هي جثمان بحت؟! أم هي جسد ذو روح؟! يُناط بها الخلاص والهلاك؟! وغلبت على آرائهم أنها خلو من الروح الناجية، بحيث لا استثناء لإحدى بنات حواء من هذه الوصمة، غير السيدة/ العذراء أم المسيح عليه السلام. وحُرمت المرأة أكثر من ذلك من الخروج إلى العالم الخارجي، وشاعت عادة أقفال العفة، وهي أقفال من حديد، رُكبت في أحزمة. وخُصصت لتلبسها النساء حول خصورهن، إذا غاب عنهن أزواجهن في السفر، ثم تُغلق بمفاتيح، يُبقيها الزوج معه، لا تفارقه لحظة. وكان هناك اعتقاد راسخ لا يزعزعه الشك بنجاسة الجسد، ونجاسة المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة الأصلية. غير أن ما هو مؤكد هو أن المرأة كانت على امتداد قرون طوال ضحية فكر ذكوري مسيطر لم تستطع الفكاك منه جزئيا إلا في العصر الحديث بعدما تهيأت الظروف الذاتية والموضوعية. وخلال هذه الحقبة المظلمة من تاريخ المرأة كان تدخل الدين الذي، على الرغم من تكريمه لها خاصة الدين الإسلامي، ظل محدودا وغير مؤثر. فكثيرا ما تكون الهوة متسعة ما بين النص الديني وسلطة الواقع بأعرافه. وكان ظلم المرأة مثله في ذلك مثل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان فيما يعرف بالعبودية، وغير ذلك من الظواهر الاجتماعية الأخرى، مقبولا أو على الأقل غير مستهجن.
إلا أن القول في العصر الحاضر بأن تحرير جسد المرأة هو تحرير لفكرها، هي مقولة مغلوطة بل هدامة تهدف إلى الحط من قيمة المرأة عوض تكريمها إذ تكرس فكرة المرأة الجسد؛ والتي تم التأسيس لها منذ القدم حيث صورها مدونو العهد القديم في صور قبيحة، من خلال صورة المرأة المشوّهة خُلقا وأخلاقا كما ورد في قصص سفر التكوين والذي مثلته جيل الأمهات حسب الرؤية التوراتية، المرأة الجسد التي تستغل جسدها لتحقيق مآربها الذاتية أو اسمرار نسلها. فترسخت بذلك ثقافة اضطهاد المرأة، والانتقاص من قيمتها وقدراتها، والعمل على تهميشها وازدرائها. وقد أسهم التلمود« المشنا والجمارا » في تكريس هذه المسلّمات، وأصبحت صورة المرأة الفاضلة، وسر جمالها ومهاراتها، يكمن في خضوعها وخدمتها وطاعتها للرجل، دون قيد أو شرط. ولهذا فإن تحرير المرأة في اليهودية ارتبط بتحريرها من سلطة التفسير الأبوي للدين، والدعوة إلى تفسير نسوي خاصة مع بداية القرن 19. وقد سعت المرأة إلى تغيير هذا الواقع خاصة وأن الكثير من مواد التراث المسيحي واليهودي تعمق النظرة السلبية للمرأة، ودعت إلى إعادة تفسير هذا التراث مع ما يتناسب مع وضعها الجديد في المجتمع. وتُعد إليزابيت كادي ستانتونElizabeth Cady Stanton رائدة في مجال تفسير الكتاب المقدس تفسيرا نسويا، وترى التفسير الذكوري عملا جائرا في حق المرأة. وقد كونت فريقا يتكون من 26 امرأة لوضع تفسيرات جديدة للنصوص المرتبطة بالمرأة في العهد القديم. وجاء عنوان الكتاب على الشكل الآتي: The Woman ‘s Bible الذي صدر نهاية القرن التاسع عشر. ولم تقف دعوات المرأة في تحررها من سلط التفسير الذكوري المهيمن عند هذا الحد؛ ففي منتصف القرن العشرين أكدت كروك M.B. CROOK في كتابها Women and Religion المرأة والدين الصادر سنة 1964على ضرورة مشاركة المرأة في تفسير الكتاب المقدس، و في تَشَكل الفكر الديني.
أما الإسلام فقد تجاوز تلك النظرة إلى المرأة، ووقف سد منيعا أمام وئدها، وخول لها حرية تزويج نفسها، وقدم لها مجموعة من الحقوق التي كانت تفتقدها في الديانات التوحيدية السابقة من حرية التصرف في ممتلكاتها، والخروج للعمل، والحق في مباشرة أعمالها بنفسها. غير أن المشكل يتمثل في همينة الرؤية الذكورية التي لازالت ترفض تطبيق النص الديني وأحكامه، وتحافظ على التقاليد والأعراف.
ننتقل إلى المرأة في المغرب العربي
س- بالرغم من الإنجازات التي حققتها المرأة المغربية، ما أبرز التحديات التي لا تزال تواجهها؟
إن نشأة الوعي بأهمية المرأة في المجتمع، والدعوة إلى تحررها، وما سيترتب عن ذلك من السهر على تعليمها، ودخولها إلى سوق الشغل، سيفضي تدريجيا إلى رد الاعتبار إليها، وإلى تصحيح بعض ما يُنسب إليها من نُقص هو نتيجة طبيعية لجهل الرجل المهيمن لقدرات وكفاءات المرأة. فقرون من تحكم الرجل بالمرأة، وسيطرته عليها، واضطهاده لها أسهم، بشكل كبير، في خلق صورة معينة عن المرأة تميل في مجملها إلى التشكيك في قدراتها، وإلى الطعن فيما يمكن أن تحققه من إنجازات. ويصح هذا الأمر على الأقل في مجتمعات العالم الثالث حيث لم تترسخ بعد بشكل تام قيم الحرية والمساواة. والغرب نفسه، وعلى الرغم من أنه قطع أشواطا معتبرة في تحرر المرأة، لم يسلم هو أيضا من مثل هذه الرواسب التي كثيرا ما تجد الطريق ممهدا للظهور بهذا الشكل أو ذاك. وليس غريبا أن تعلو بعض الأصوات النسائية لمقاومة هذا النوع من التفكير، أو لرفع ظلم مسلط عليهن بسبب تمييز في الأجر أو في تقلد مناصب المسؤولية. وخلافا للغرب فإن دول العالم الثالث، تتفاوت من حيث المكاسب التي تم تحقيقها لفائدة المرأة. فهناك دول لا تزال فيها المرأة محرومة، بالكامل، من أبسط الحقوق، وممنوعة من التعبير عن ذاتها، ورازحة، رغم أنفها، ودون أمل في الانعتاق أو التحرر، تحت سلطة الرجل الذي لا يرى فيها سوى أمة خُلقت لكي تكون في خدمته. فيما خطت المرأة في مجتمعات أخرى خطوات لا بأس بها في مجال انتزاع حقوقها، والدفاع عن كيانها المستقل.
وقد أثبتت المرأة جدارتها في مختلف المسؤوليات التي أسندت إليها، وأبانت عن كفاءة عالية في التسيير والتدبير والابتكار. لهذا سيكون من السخف والغباء أن يُشكك أحد الآن في مشروعية هذا الحق، وأن يبحث عن تعليلات، كيفما كان نوعها أو مصدرها، للتصدي له أو مقاومته بخطاب لم يعد يقنع أحدا بما فيهم أولئك الذين لا يتوانون في الترويج له عبر مختلف وسائل الإعلام. وسيكون اليوم، من غير المجدي، الرجوع إلى الخلف، والعودة للعيش في كنف الماضي
اعتقد أن واقع المرأة العربية لم يتغير بعد ثورات الربيع العربي، بل ظل ثابتا حيث نجدها كانت و لا تزال تعاني من كل أشكال التهميش والقمع والعنف الجسدي والمعنوي، لازالت تتعرض للتحرش والاغتصاب وكل مظاهر الإقصاء. لقد عانت المرأة كثيرا من ويلات الحروب، ولازالت تعاني في مخيمات اللاجئين التي تفتقر لكل مقومات الحياة الكريمة. على المستوى السياسي تمثيليتها محدودة، وتوظيفها يكاد أن يكون شكليا للتسويق الخارجي. قلما تصل إلى المراحل الأخيرة في الانتخابات، ولحد الآن نفتقر لرئيسة دولة أو رئيسة حكومة عربية باستثناء الخطوة الجبارة التي أقدمت عليها تونس والتي لازلت خصبة وطي التجربة وإن كنا جد سعداء بهذه الخطوة الوحيدة فإننا نؤمن بأن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة إذ نأمل أن تتبعها خطوات أخرى، كذلك وجود سبع وزيرات في الحكومة الحالية جعلنا نحس بنوع من الارتياح ونأمل تمثيلية أكبر في المستقبل لأن الغرب يقيس مدى تنزيل حقوق الإنسان في دول العالم الثالث بمدى الحقوق التي تتمتع بها المرأة، ولعل المغرب قد قطع أشواطا مهمة في مجال التنمية وبالتالي فحقوق المرأة اعتقد ستعرف تحولا نوعيا في مستقبل الأيام .
س- ما التحديات التي تواجه مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل والاقتصاد، وكيف يسعى المغرب لتمكينها اقتصادياً؟
لقد كانت المرأة ولا تزال شريكا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية وتطوير المجتمع، إذ عرفت السنوات الأخيرة وخاصة فترة ما قبل الربيع العربي اهتماما متزايدا بالدور الذي تضطلع به المرأة داخل المجتمعات العربية، وترسخت القناعة بصعوبة إحداث أي تغير أو تحولات أو تقدم دون إشراك المرأة. ولعل ذلك ما فطنت إليه الدول الغربية في فترات سابقة؛ فعملت على تكريسه قانونيا في جميع المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. ولم يكن المغرب بمنأى عن هذا الجدل. فقد تم تنزيل مجموعة من القوانين والتشريعات الوطنية والدولية التي مكنت المرأة من تحقيق قفزة نوعية على جميع المستويات، وانتزعت لنفسها مكاسب مهمة في مجالات سياسية واقتصادية وقانونية. فقد انخرط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية ولعل من أبرزها اتفاقية مؤتمر بكين والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) والتي تنص على أن “التنمية التامة والكاملة لبلد ما ورفاهية العلم، وقضية السلم، تتطلب جميعا أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين”. بل إن المغرب كان من أوائل الدول العربية التي صادقت على هذه الاتفاقية.
ولم يقف الورش الإصلاحي عند هذا الحد فقد شكل” مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية” مسارا قويا حاسما لظهور المدونة، ففي فبراير 1998 تم تكوين ورشة عمل نظمتها كتابة الدولة المكلفة بالتعاون الوطني، بدعم من البنك الدولي وبمشاركة القطاعات الوزارية، والجمعيات النسائية والحقوقية والتنموية؛ من أجل تحديد المجالات الأولى فيما يتعلق بوضع المرأة المغربية، ووضع خطة عمل إجرائية. وقد صدرت في 1999 بعنوان: “مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية”. والمتمعن في هذا المشروع يجده يقع في أكثر من 200 صفحة. وفي الجزء الثاني منه: تم التركيز على المجالات الأربع ذات الأولوية التي ينبغي تدارك النقص فيها، وهي الأمية والتمدرس؛ الصحة الإنجابية؛ إدماج المرأة في التنمية الاقتصادية؛ التمكين الذاتي للنساء في المجالات القانونية والسياسية والمؤسساتية. وقد أثارت هذه الخطة ردود فعل قوية من لدن المجتمع المغربي بمختلف فئاته التنظيمية والجمعوية بل وحتى الرسمية منها، وتباينت بين مؤيد ومعارض لها. الأمر الذي استدعى التدخل الملكي لكن بشكل مختلف هذه المرة، وذلك لرأب الصدع الذي أصبح يُهدد المجتمع المغربي بمختلف مكوناته عبر عنها في 27 أبريل 2001 حين أعلن عن تشكيل اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بتعديل بنود المدونة، فعرف هذا الملف منعطفا جديدا إذ تُوج بحسم الخلاف مباشرة بعد الإعلان الملكي بقبة البرلمان في 10 أكتوبر 2003 عن التعديلات الجوهرية في مدونة الأسرة التي شكلت قطيعة مع أحكام مدونة الأحوال الشخصية إذ سجلت مستجدات مدونة الأسرة قفزة لا بأس بها في اتجاه إنصاف المرأة، وحماية حقوق الطفل و صيانة كرامة الرجل. و تمثلت هذه المستجدات في تغيير الاسم من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة وذلك تجسيدا للاهتمام بجميع أفراد الأسرة، و في توحيد سن الزواج في 18 سنة سواء الذكور أو الإناث مع إمكانية النزول عن هذا السن بناء على إذن خاص صادر من قاضي الأسرة المكلف بالزواج، وفي إمكانية اتفاق الزوجين على طريقة خاصة لتنظيم مواردهم المالية و ممتلكاتهم المتحصلة خلال فترة الزواج بمقتضى عقد خاص يتضمن اتفاقهما؛ وفي – حسم الولاية في الزواج بجعلها حقا للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها؛ وفي منع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها؛ وفي إلزامية تقديم طلب الطلاق للمحكمة التي تبت فيه بغرفة المشورة، وتقوم بمحاولات لإصلاح ذات البين وتحقيق التوافق بين الزوجين، و تحديد المحكمة التي يجب تقديم الطلب إليها إلى جانب استدعاء المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح بينهما.
و من خلال المستجدات التي أتت بها المدونة، نلمس بوضوح أننا أمام مدونة تختلف في بعض جوانبها جوهريا عن مدونة الأحوال الشخصية، ونتبين طبيعتها الاجتهادية المبنية على المصلحة.
وجاء دستور 2011 لدعم مبدأ المساواة حيث ورد في ديباجته أن المغرب “يرتكز على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية”، كما نص في فصله السادس على أن “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تُمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية”، أما الفصل التاسع عشر فقد أكد على أنه “يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها”.
على الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت بُغية إنصاف المرأة فإن الواقع يا للأسف الشديد ينبئ بأن حضور المرأة في مراكز القرار ظل محدودا وباهتا، ولم يقُد تطور وضعيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى تحسين موقعها في مختلف المجالات، وذلك بسبب إكراهات وقيود الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وغالبا ما تُصدم الدعوات إلى إعمال مبدأي الإنصاف والمساواة في المجالين السياسي والاقتصادي بجملة من المعيقات (ثقافية، قانونية، اقتصادية، اجتماعية) التي تحول دون وصول المرأة إلى مراكز القرار. و لا تزال بعض وسائل الإعلام تُمرر خطابات تُكرس النظرة الدونية للمرأة، وتُمعن في فصل عالمها عن عالم الرجل، وتحصرها في أدوار اجتماعية نمطية مكررة وموروثة لا تراعي على الإطلاق المكانة التي بدأت تشغلها النساء في المجتمع كفاعلات في التنمية، لا تزال الصورة المقدمة عن المرأة في وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإشهار، والأفلام هي المرأة التقليدية والمشيأة، المرأة التي تُختزل في الجسد لا غير. المرأة السطحية التي يسهل التلاعب بمشاعرها وعقلها بكلمات منمقة، المرأة الضحية. وكأن العصر الحالي بكل القوانين التي أنصفت المرأة، والتي ردت لها شيئا من الاعتبار، ومكنتها من تحقيق الكثير من المكاسب لا يزال، يا للمفارقة، من خلال آلة الإعلام العملاقة يُعيد إنتاج صورة المرأة التي رسمها الماضي لها من خلال القصص والحكايات والأخبار والموروث الشعبي بشكل عام. إنه شكل من أشكال التنازع حول السلطة.
بسبب كثرة الحروب والنزعات في المنطقة العربية ننتقل إلى قضية النساء والهجرة
س- ما أهم المشكلات التى تعاني منها المرأة في المهجر؟ وما أسباب تزايد نسبة الطلاق في المهجر؟
نلاحظ أن المرأة كانت سببا في تكريس تلك النظرة الدونية وتجذيرها في مسارها عبر عقود من الزمن، خاصة عندما تتوفر لها شروط الاندماج والتطور لكنها تبقى خارج هذه الدائرة، نقصد، على وجه التحديد، المرأة الوافدة إلى أوروبا من دول العالم الثالث، وبشكل خاص من دول الشرق ومن شمال أفريقيا. ولعل ما يشتركن فيه جميعا على الرغم من انتماءاتهن الإثنية المختلفة (عرب، أكراد، تركمان، أمازيغ….)، وعلى الرغم من تباينهن على مستوى الدين أو العقيدة أو المذهب (مسلمون، مسيحيون، سنة، شيعة….) هو ذلك الارتباط، (وإن بشكل متفاوت فلمسيحيي الشرق استعداد أكثر للاندماج في المجتمع الغربي)، بسلطة الماضي حيث تجد المرأة نفسها مجبرة في سياق اجتماعي مختلف على العيش في كنف الرجل، والقبول بسيطرته المطلقة عليها دون أي أمل في الخروج إلى الحياة العامة، وولوج سوق الشغل. وكثيرات هُن النساء اللواتي ضيعن، بسبب انغلاقهن في البيت، فرصا ذهبية للاندماج. ومن هنا ليس غريبا أن تجد أحيانا المرأة قد أنفقت جزءا كبيرا من حياتها في الغرب ولا تفقه شيئا في لغة بلد الاستقبال الذي أصبح في نهاية المطاف بلدها الأصلي بالرغم من توفره على عدد كبير من مراكز تلقين اللغات للمهاجرين وكذا جمعيات المجتمع المدني التي تضع تحت إشارتهن متخصصين في ميادين إدماج المرأة في المجتمعات المستقبلة مراعين في ذلك خصوصية كل بلد ودين، ناهيك على ما تقدمه هذه الدول من مساعدات مهمة لهذا الغرض، فهذه الدول تدرك وعن قناعات راسخة أن تكوين المرأة وإدماجها في المجتمع هو السبيل الأنجع لخلق مجتمع نافع معرفيا، غير أن بعض النساء المهاجرات نجدهن في المقابل بعيدات عن هذا المسار الذي من شأنه أن يخلق منهن نموذجا فاعلا في البلد المضيف، إذ نرى شريحة عريضة منهن تنبهر بما تقدمه الثقافة الغربية من انفتاح وحرية، وعوض أن تستفيد مما يوفره لها البلد المضيف من حقوق في مجال البحث والتعليم والتكوين تساعدها في خلق شخصية قوية قادرة على العمل والعطاء، نجدها تكرس أغلب جهدها لإظهار مدى تحضرها انطلاقا من تغيير مظهرها بشكل لافت لمسايرة الموضة الغريبة في بعض تمظهراتها الهجينة واستغلال الحقوق بما يتنافى مع الإطار الأسري الذي كانت تعيش فيه سابقا، رافعة عصا الطاعة المطلقة في وجه أسرتها أو زوجها وخصوصيتها الثقافية والدينية، منبهرة بما يقدمه لها بلد الإقامة الجديد من حرية وحقوق، وقد تفاقم الوضع في السنوات الأخير مع كثرة المهاجرين نتيجة الأوضاع غير المستقرة التي عرفتها وتعرفها المنطقة العربية، وارتفعت نسبة الطلاق في الأسر المهاجرة أو اللاجئة، وتم فهم الحرية بطريقة مغلوطة وتوظيف القانون بشكل بشع، فكان الأطفال هم كبش الفداء، هؤلاء الذين كان حلمهم الانتقال إلى الجهة الأخرى من أجل الظفر بحياة هانئة مثل بقية أطفال العالم، نجدهم يزج بهم في دوامة كبيرة لا يستطيعون منها فكاكا، وقد أثبتت بعض الدراسات التي تعنى بالهجرة أن العديد من الأسر المهاجرة واللاجئة عرفت تفسخا أسريا نتيجة عدم اندماج المرأة في المجتمع المستقبل وعدم استغلالها للحقوق على أحسن وجه، وأنا هنا إذ ألقي باللوم على المرأة ليس من باب التجني عليها ولكن من باب الدعوة والنظر إلى عاقبة الأمور، فنحن في حاجة لامرأة قوية قادرة على إبراز كفاءتها أينما كانت، وليس مجرد صورة تسوقها رياح التغير دون وعي منها .
إن المعادلة الصعبة تكمن في أن تتمكن المرأة من الاندماج في المجتمع الغربي دون أن تفقد هويتها وخصوصيتها الثقافية والدينية. وهو أمر مُمكن في فضاء المواطنة الواسع حيث ينعم الجميع في دولة الحق والقانون، بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الثقافة، بقدر كبير من الحرية يسمح للمرأة بأن تنخرط بقوة في المجتمع الغربي للإسهام في بنائه لاسيما أن جزءا من الإكراهات، ولا أقول كلها، التي تواجه المرأة في الشرق أو في شمال أفريقيا لا وجود لها في البلدان الأوروبية.
إذ إن فكرة مساواة المرأة بالرجل خاصة في السياق العربي الإسلامي، وتحديدا في المجتمعات التي قطعت أشواطا في التمدن، وليس في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، جعلت المرأة، ولاسيما الأم العاملة، تقوم بوظائف متعددة ومتنوعة تستنزف طاقتها، وتهدر مجهودها، وتجردها من إنسانيتها لـتصبح أشبه بالآلة الصماء التي لا حق في الراحة ولا حظ لها في الاستمتاع.
في ظل هذه الظروف الإيجابية سيكون من الواجب على المرأة أن تُشمر عن ساعديها لإبراز كفاءتها العالية في مختلف مناحي الحياة العامة سواء في الوطن أو في المهجر، وأن تقتنع بأن الطريق نحو الاندماج الحق يمر حتما عبر العلم. وسيكون من المفيد أن تتحول نساؤنا إلى قوة ضاغطة يُحسب لها ألف حساب في أي إجراء يُتخذ في حقل الهجرة أو اللجوء أو غيرها من القضايا الحيوية.
س- كيف ترى دور القيادات النسائية في تعزيز بناء السلام والاندماج الاجتماعي؟
تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 1325 في أكتوبر 2000 مستندا على مجموعة من الاتفاقيات: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأةـ وإعلان ومنهاج عمل بيجين (مجال حول النساء والنزاعات المحلية)، وقرارات مجلس الأمن (2000) 1265 و (2000) 1296.
يتألف القرار من أربعة محاور:
-الوقاية: وقاية المرأة من التأثر بالنزاعات، من خلال تعديل القوانين التميزية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والتثقيف العام ومقاضاة منتهكي حقوق المرأة.
-المشاركة: مشاركة المرأة في اتخاذ القرارات المرتبطة بالنزاع، مثل السياسة العامة للدولة في وقت السلم والحرب، ومفاوضات صنع السلام والعدالة الانتقالية.
- الحماية: حماية المرأة أثناء النزاعات وبعد انتهائها، وذلك عن طريق تحجيم العنف الموجه ضد المرأة في المجتمعات المحلية من قبيل أطراف النزاع أو أطراف فض النزاع.
-الإغاثة والإنعاش: وذلك من خلال دعم المرأة في عمليات الإغاثة والإنعاش الاقتصادي وإعادة الإعمار.
هذا القرار الذي جاء وعيا من مجلس الأمن بأهمية دور المرأة ومدى تأثرها بقضايا الأمن والسلام، وتجاوبا مع الحاجة لإطار دولي لحمايتها من العنف قبل وخلال وبعد النزاع المسلح. ويُعد تبني هذا القرار الجديد، والأول من نوعه الذي يخص النساء وأدوارهن في استتباب الأمن والرفع من مشاركتهن على قدم المساواة مع الرجل. ويرى بعض الباحثين أن استثناء المرأة من عملية السلام أو تهميشها يُشكل تهديدا مباشرا للسلام برمته.
لكن وعلى الرغم من أهمية هذا القرار. إلا أن أثره على دور المرأة في عملية السلام كان محدودا حيث تُجمع على ذلك الكثير من الدراسات الميدانية والأبحاث الأكاديمية. ففي دراسة ميدانية أجريت سنة 2015 خلصت إلى أن نصف الاتفاقيات التي تم توقيعها في معاهدات السلام لا تُحيل إطلاقا إلى النساء. ولا شك أن الإشكالات الكبرى التي تُطرح بخصوص هذا الموضوع جعلت الباحثين ينكبون على دراسته. على سبيل المثال فدميلولا تاي أكبالاجوبي Damilola Taiye Agbalajobi سنة 2009 أنجز ت أبحاثا عن دور المرأة في دعم جهود السلام في أفريقيا، وتحديدا في بروندي وتبين لها أن الفكرة السائدة تتمثل في النظر إليها باعتبارها ضحية في بؤر النزاع. وذهب كل من Schirch و Sewok إلى القول بضعف مشاركتهن في مثل هذه الحالات، وإلى تجاهل مصالحهن بسبب اختزال النظرة إليهن في صورة الضحية. وناقش الباحثان النظرية السوسيولوجية حول الجنس والجندر التي فحواها أننا لا نولد رجالا ونساء، ولكن الرجولة والأنوثة يتم بناؤها اجتماعيا، وتلقينها أثناء الطفولة ومدى الحياة. وأكدا على ضرورة التكيف مع منظور متعدد الجوانب حيث أن مجرد كونك رجلا أو امرأة يحدد كيفية أو طريقة رد فعلك. وجادلا بأن أهمية المرأة في بناء السلام لا ينبغي أن تقتصر على تصورها بأنها أكثر ميلا إلى السلام، ومن ثم قدرتها على خلق سلام دائم. على العكس من ذلك تماما فإن المرأة ينبغي أن تكون جزءا من هذه المفاوضات لأنها تُشكل نصف المجتمع. وأسهبا بعد ذلك في تعداد أنماط تدخلاتهن التي تم حصرها في قيادة الصراعات بطريقة سلمية، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعمل كوسيطات أو مستشارات أو صانعات قرار في مجال التعليم. ويستعرض Jordan (2003) ظاهرة النساء المنخرطات في بناء السلام اللواتي نادرا ما يحصلن على نفس التقدير الذي يحظى به الرجل. إن النساء حاضرات على نطاق واسع. غير أنهن غير مرئيات.
وفي سنة 2013 وضمن القرار رقم 2122 دعا مجلس الأمن الأمين العام إلى إصدار تكليف بإجراء دراسة عالمية بشأن حالة تنفيذ القرار 1325 يُسلط فيه الضوء على أمثلة الممارسات الجيدة والثغرات التي تشوب التنفيذ، والتحديات التي تعترضه، والاتجاهات المستجدة، وأولويات العمل. ومن الرسائل التي خرج بها القرار هو أن الجهات الفاعلة في مجال الوساطة، وتسوية الصراعات لا تزال تقاوم إدماج المرأة. هذا مع الإشارة إلى أن تحليلا لأربعين عملية سلام منذ نهاية الحرب الباردة يُظهر أنه في الحالات التي استطاعت فيها المرأة ممارسة تأثير قوي على عملية المفاوضات زادت فرص التوصل إلى اتفاق بصورة كبيرة بالمقارنة مع الحالات الأخرى التي مارست فيها تأثيرا ضعيفا أو لم تؤثر فيه إطلاقا. وقد تم التوصل إلى اتفاق في جميع الحالات تقريبا التي كان للمرأة فيها تأثير قوي. وعلى الرغم من صعوبة قياس تأثير المرأة الفعلي على محادثات السلام وبناء الأمن؛ فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن المحادثات تتضاعف نسبة فشلها إلى 50% في حالة عدم إشراك الهيئات المدنية- ولاسيما المعنية بالمرأة- فيها ،كما تشير دراسة أخرى إلى أن إشراك النساء يزيد بنسبة 20% من فرص استمرار اتفاقية السلام، وبنسبة 35% من فرصة استمرارها على الأقل .والنساء المشاركات في المفاوضات لهن قدرة فائقة على التأثير في مسار التفاوض بدرجة كبيرة. وعليه يمكن الوصول بصورة أسرع إلى اتفاقيات السلام. كما أن حضورهن يزيد من فرص الالتزام، وتنفيذ مجمل جدول الأعمال النهائي نظرا لكونهن يمثلن القاعدة الشعبية، والفئات الهشة، فحضور المرأة في عمليات السلام يستدعي تدخل أطراف أخرى مثل المنظمات الدولية، ومؤسسات حقوق الإنسان باعتبارها شريكا في عملية السلام وباعتبارها مؤسسات داعمة ومعززة للوجود النسائي في هذه الاتفاقيات. أما عن سبل مشاركة المرأة في عمليات السلام فيمكن للمرأة أن تشارك من خلال التمثيل المباشر على طاولة المفاوضات أو عن طريق الوساطة في المشاورات والرقابة وإدارة الحوار أو من خلال ورش العمل والمناصرة المنظمة.
فقد لوُحظ أن وجود المرأة يخفض بشكل كبير الشكاوى عن سوء السلوك، ويقلص أيضا معدلات استخدام القوة أو استخدام الأسلحة بشكل غير مناسب. هذا بالإضافة إلى أنهن أقل سلطة في تعاملهن مع المواطنين، والضباط ذوي الرتب الدنيا. وتمت الإشارة إلى أن وجود المرأة في مهام حفظ السلام يزيد من مصداقية القوات ويُتيح لها الوصول إلى المجتمعات المحلية، والمعلومات الحيويةـ ويؤدي إلى زيادة الإبلاغ عن الجرائم الجنسية والجرائم القائمة على نوع الجنس. مع ذلك تبقى الأرقام صادمة. في المتوسط هناك % 3 فقط من العسكريين في بعثات الأمم المتحدة من النساء وأغلبهن يعملن كموظفي دعم. ولم يتغير هذا الرقم منذ 2011.
كما أن النساء يضطلعن بأدوار مهمة خلال فترة النزاع باعتبارها العنصر الأهم الذي يحمل على عاتقه حماية منظومة التماسك الأسري والاجتماعي من خلال تقديمها الخدمات الطبية للمقاتلين وحماية العائلة من التفكك، والقيام بمجمل مهام الرجل في غيابه ، ناهيك عن مشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية وحشد القاعدة الشعبية وتربية الناشئة على محبة السلام ونبذ العنف والكراهية، فالمرأة هي من يبني اللبنة الأولى في مجتمع يسوده الأمن والأمان والسلم والسلام، ونظرا لقدرتها القوية على التشبث بالمستقبل فالمرأة تعمل دائما على تجسير الماضي بالمستقبل المنشود من خلال المشاركة في إعادة الإعمار، وتجاوز فترات الحروب المهلكة. فالنساء هن من يعايشن المأساة في فترات النزاع وما بعدها لذلك فهن الأقدر على التعبير عن معاناتهن واحتياجات الفئات الهشة من أرامل، ومعطوبين، ومفقودين، ولاجئين.
وعليه فبعد مرور خمسة عشرة عاما على صدور القرار 1325 صدر القرار 2242 للالتزام بحماية النساء، مكررا دعوته الدول الأعضاء إلى ضمان زيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار في المؤسسات الوطنية وغيرها من المحافل الدولية. ولابد من الإشارة إلى أن تعزيز مشاركة المرأة في عملية السلام تؤطره قرارات مجلس الأمن العشر الرئيسية، ويستند إلى مرجعيات دولية وإقليمية أخرى مثل القانون الدولي الإنساني الذي يوفر الحماية للمرأة، وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة 1949التي يتمتع فيها المدنيون (خاصة المرأة والأطفال والمسنين) بحماية خاصة ضد الأعمال العدائية والنزاعات.
ومنهاج عمل بيجين سنة 1995 الذي يسلط الضوء على تأثير النزاعات المسلحة على النساء والأطفال كما يدعو إلى اتخاذ إجراءات مهمة منها على سبيل المثل زيادة مشاركة المرأة في حل النزاعات المسلحة ودمج منظور المساواة بين الجنسين في حل النزاعات.
وقواعد السلوك العشر لأصحاب الخوذ الزرقاء لسنة 1999 التي تنص على أنه ينبغي لحفظ السلام الامتناع عن كل أشكال الاستغلال والاعتداء الجنسي أو الجسدي أو النفسي خاصة اتجاه النساء والأطفال .
وعلى المستوى العربي فقد صدرت الطبعة الأولى من الإستراتيجية الإقليمية: حماية المرأة العربية، السلام والأمن 2012 والتي استندت إلى الأطر القانونية على الصعيدين العربي والدولي كميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة، وميثاق جامعة الدول العربية. وتعمل هذه الإستراتيجية على تحفيز حماية النساء اللواتي يتعرض لمجمل أشكال العنف القائم على أساس الجنس في أوقات الحروب والاحتلال والنزاعات المسلحة وقد تناولت هذه الإستراتيجية ثلاث مجلات وهي: المشاركة، والحماية، والوقاية وقد تطرقنا إليها في بداية هذه المداخلة.
أما على المستوى الإفريقي فقد صدر إطار النتائج القارية للاتحاد الإفريقي الخاص بقرار مجلس الأمن 1325 (2018-2028). حيث يوفر الاتحاد الأفريقي للدول الأعضاء به منهجية مركزة من أجل متابعة العمل وفق أجندة المرأة والسلم والأمن على المستوى الإفريقي. هذا الإطار يضع واحد وأربعين مؤشرا تندرج تحت الموضوعات المحورية بأجندة المرأة والسلم والأمن.
على الرغم من الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها والمنظمات الدولية فإن دور المرأة في عملية السلام لا يزال محدودا، إن لم يكن منعدما في بعض الحالات. فحسب دراسة تعود إلى 2017 من إعداد مجلس العلاقات الدولية) council on foreign relations cfr) فإن النساء نادرا ما يتم إشراكهن في مفاوضات السلام. فالمفاوضات التي أجريت ما بين 1990 و2017 لا تمثل النساء فيهن سوى نسبة % 2 كوسيطات و %5 كشاهدات وموقعات و % 8 كمفاوضات. وضمن 1187 اتفاقيات سلام أبرمت في نفس الفترة فإن % 19 فقط تمت فيها الإشارة إلى دور النساء. ويؤكد الخبراء في هذا المجال على ضرورة إدراجهن وإشراكهن في مثل هذه العمليات، نظرا لاختلاف حاجياتهن عن حاجيات الرجل. ولا تختلف هذه النتائج عن إعلان فيينا 2020 (النساء صانعات سلام والفاعلات في مجل العمل الإنساني، تحديد الأولويات الرئيسية في العام 2020 وما بعده). يحتوي هذا الإعلان على دعوة صريحة إلى المزيد من الاعتراف بعملهن ودعمهن في بناء سلام شامل. ويشير إلى مجمل التحديات التي يواجهنها: فحياتهن وحقوقهن مهددة بشكل غير مناسب بسبب الصراع العنيف، تنوعهن غير معترف به بما فيه الكفاية، عملهن لا يزال يعاني من نقص التمويل، حياتهن وعائلاتهن في خطر بسبب عملهن كنساء صانعات سلام، إمكاناتهن محدودة بسبب السلطوية الأبوية والقوالب النمطية والممارسات والسياسات الاجتماعية والثقافية التمييزية إلى آخر التحديات. وتتفاقم هذه التحديات وتستفحل في أوساط النساء اللائي يواجهن صورا متعددة من التمييز على أساس العرق والوضع الاجتماعي والعمر والقدرة والتوجه الجنسي والهوية الجنسانية.
س-ما النصيحة التي تقديمها للفتيات لتحفيزهن على المضي قدماً لتحقيق أحلامهن؟
أفضل ما يمكن أن يُقدَّم للفتيات في سبيل تحفيزهن على تحقيق أحلامهن هو أن يُدركن أن العلم هو السلاح الأول الذي يفتح لهن أبواب الحياة، ويمنحهن القدرة على الفهم والتملك والسيطرة على مسارات المستقبل. فبالعلم تُثقف الفتاة نفسها، وتتعلم كيف تواجه التحديات وتقرأ العالم بعين واعية، وبالعمل تُشيّد سدًّا منيعًا يحميها من تقلبات الزمن، ويمنحها الاستقلالية المادية والقدرة على السير بخطى ثابتة دون الحاجة إلى الاتكاء على أحد. أما الأخلاق والدين، فهما الركيزة الثالثة التي تحفظ لها توازنها الروحي والإنساني، وتقيها من الانزلاقات التي قد تهدد كيانها أو تُضعف حضورها في المجتمع. إن هذا المثلث المتكامل—العلم، والعمل، والأخلاق—هو سرّ التوازن الحقيقي، فإذا استطاعت الفتاة أن تُشيّد أركانه في حياتها، فقد وضعت أساسًا متينًا لكينونتها، وأضاءت طريقها نحو تحقيق ذاتها وأحلامها، لتكون مثالًا للقوة والوعي والصفاء في عالم يحتاج إلى حضورها الفاعل والمضيء.










