سنة الاستبدال في القرآن الكريم :
دراسة تفسيرية للآية الأخيرة من سورة محمد – صلى الله عليه وسلم-
المقدمة :
- يقرر القرآن الكريم سننا ربانية تحكم حركة الأمم والمجتمعات ،
ومن أبرزها سنة الاستبدال ، أي أن الله تعالى إذا أعرض قوم
عن طاعته أو قصروا في نصرة دينه ، استبدل بهم قوما آخرين
أكثر طاعة وإيمانا • - وتتجلى هذه السنة بوضوح في الآية الأخيرة من سورة محمد التي تضمنت تحذيرا للأمة من البخل والتقاعس عن نصرة الدين
مع بيان أن الله غني عن خلقه • القرآن الكريم ، سورة محمد٣٨ - المحور الأول : النص القرآني وتحليله التفسيري :
قال تعالى : ” ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم
من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم
الفقراء • وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ” سو،ة
محمد الآية ٣٨ •
- يبين الله تعالى في هذه الآية ثلاث حقائق كبرى :
١ – الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله ، وهو مظهر من مظاهر
نصرة الدين •
٢ – ذم البخل والتقاعس ؛ لأن البخل في الحقيقة ضرر على صاحبه •
٣ – التحذير من سنة الاستبدال ، أي أن الله تعالى، قادر على أن
يأتي بقوم آخرين يقومون بواجب النصرة والطاعة •
- يقول ابن كثير في تفسيره :
” أي إن أعرضتم عن طاعة الله واتباع شرعه ، أبدل الله بكم
غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونوا أطوع لله وأقوم بأمره “
تفسير ابن كثير ٧ .
- كما يذكر الطبري أن معنى الآية :” إن تتولوا عن أمر الله وطاعته يأت الله بقوم غيركم يقومون بما قصرتم فيه •
- المحور الثاني : تفسير النبي – صلى الله عليه وسلم – للآية والإشارة إلى سلمان الفارسي •
ورد تفسير نبوي مهم لهذه الآية عندما سأل الصحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – عن القوم الذين سيستبدلهم الله تعالى
إن تولى المسلمون •
- فقد روى الإمام الترمذي في. سنن الترمذي وأخرجه كذلك أحمد بن حنبل في مسند أحمد •
لما نزلت الآية ” وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ” قال الصحابة
: ” يارسول الله ، من هؤلاء القوم ؟
فضرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده على منكب ، سلمان الفارسي وقال : ” هذا وقومه ، ولو كان الإيمان عند
الثريا لناله رجال من الفرس “
- ومعنى الحديث أن الله قد يخرج من غير العرب رجالا يبلغون
أعلى درجات الإيمان والعلم حتى لو كان بعيدا عنهم كبعد نجم
الثريا في السماء • - ويؤكد هذا المعنى الإمام النووي حيث قال :
- في الحديث دليل على فضل الفرس وبلادهم ، وأن الله يخرج
منهم علماء عظاما في الدين • شرح صحيح مسلم • - المحور. الثالث : تحقق هذه السنة في التاريخ الإسلامي :
لقد. تحقق مضمون هذا الحديث في التاريخ الإسلامي إذ ظهر. كثير من كبار علماء الإسلام من بلاد فارس وما جذورها ، وكان
لهم دور عظيم في حفظ علوم الشريعة •
ومن أبرز هؤلاء العلماء :
١- محمد بن إسماعيل البخاري ، صاحب صحيح البخاري •
٢ – مسلم بن الحجاج ، صاحب صحيح مسلم •
٣ – أبو حنيفة النعمان مؤسس المذهب. الحنفي •
٤ -الترمذي صاحب السنن .
- وقد كان لهؤلاء العلماء فضل كبير في حفظ السنة النبوية
وتدوين علوم الإسلام • - ويشير ابن خلدون إلى هذه الظاهرة بقوله : ” حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم ” مقدمة ابن خلدون•
- وهذا يوضح أن الإسلام دين عالمي لا يرتبط بقومية أو
عرق ، وإنما معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح • - سنة الاستبدال في مواضع أخرى من القرآن الكريم :
في قوله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن. دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ” سورة المائدة : ٥٤ .
- ذكر المفسرون أن هذه الآية تشير إلى أن الله سيأتي بقوم تتوفر فيهم صفات : محبة الله ، التواضع للمؤمنين ، العزة على الكافرين ، الجهاد في سبيل الله •
- وقوله تعالى : ” إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ” سورة النساء : ١٣٣ .
وهذا تأكيد على أن : الله غني عن. البشر . وأن بقاء الأمم مرتبط
بطاعتها لله. الخاتمة : يتضح من خلال هذه الدراسة أن الآية الأخيرة من
سورة محمد تؤكد سنة ربانية ثابتة في التاريخ ، وهي أن الله
تعالى لا يضيع دينه ، بل يقيض له رجالا صادقين ، يحملونه
وينصرونه •
فإذا تقاعس قوم أو بخلوا أو أعرضوا عن واجباتهم ، فإن الله
يستبدل بهم قوما آخرين يقومون بما قصروا فيه •
وقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا المعنى عندما. أشار إلى سلمان الفارسي ، مبينا أن الإيمان قد يحمله رجال من غير العرب وهو ما تحقق بالفعل في تاريخ الحضارة الإسلامية •
وهكذا يظهر أن قوة الإسلام لا تقوم على العرق أو النسب ،
بل على الإيمان والتقوى والعمل الصالح ، وهي رسالة قرآنية
خالدة لكل الأزمنة •
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين •
المراجع :
- القرآن الكريم •
١ – ابن كثير : تفسير القرآن العظيم •
٢ – الطبري : جامع البيان في. تأويل القرآن •
٣- الترمذي : سنن الترمذي •
٤ – أحمد بن حنبل : مسند أحمد • ٥ – النووي : شرح صحيح مسلم . ٦ – ابن خلدون : مقدمة ابن خلدون










