(1)
التصفيق المأجور، أو بالمصطلح الشعبوي الأكثر تداولًا في زماننا “التطبيل المدفوع”، ظاهرةٌ ضاربة في عمق التاريخ، غير أن ميلادها الموثق ارتبط بفرنسا عام 1820م، حين نشأت في رحاب المسرح والأوبرا. في تلك السنة، أسس رجلٌ فرنسي يُدعى “سوتون وبوردان” أولَ شركة لبيع التصفيق، ترويجًا للأعمال المسرحية والغنائية التي تعرضها الأوبرا الباريسية. وقد يكون الهدف في أصله نبيلًا كما يروي المؤرخون؛ إذ كان المقصود استثارة تفاعل الجمهور مع الأعمال الفنية الكبرى، وإذكاء روح الحماسة لدى الحاضرين، مما يُعين الممثلين على الإبداع والارتقاء بأدائهم.
كانت لهذه “الفرقة” خطةٌ دقيقة محكمة، ولها قائدٌ يُحرّكها كالمايسترو، وتوقيتاتٌ مرسومة أثناء العرض، وسيناريوهاتٌ مُعدَّة سلفًا لإشعال حماسة الحضور في اللحظات المُختارة. وكان الهدف النهائي من وراء كل ذلك خلقَ ما يعرفه علماء النفس والاجتماع بـ”وهم الحماس الجماعي”؛ ذلك الشعور الزائف الذي يجعل الفرد يُصفّق لا لأنه استمتع، بل لأن مَن حوله يُصفّقون.
(2)
لم يدُم النبلُ طويلًا في هذه الظاهرة، بل سرعان ما انزلق التصفيقُ المأجور من مرتبة “الخدمة الفنية” إلى هوّة “تجارة الوهم”. فما إن وجد أصحاب الأعمال الرديئة في هذه الشركات ضالّتهم، حتى تحوّل التصفيق إلى صناعةٍ مربحة تبيع الزيف بدل الإبداع. وانتشرت هذه الظاهرة كالنار في الهشيم في المسارح الفرنسية، ثم امتدت إلى سائر أوروبا.
لم يعد الهدفُ من التصفيق المأجور تعزيزَ الأعمال الفنية العظيمة، بل صار وسيلةً للترويج للأعمال الفاشلة والفاسدة، إذ باتت عمليات التصفيق المنظَّم تُخلق حماسةً وهمية لدى الجماهير، تقوم على استغلال التأثير النفسي والاجتماعي، وتوظيف غريزة التقليد المتجذّرة في طبيعة الإنسان حين يكون في حشد، أو ما يُعرف بـ”روح القطيع”. يتخدّر الفرد مؤقتًا وسط الزحام، ويتفاعل بصورةٍ تبدو في الظاهر حماسةً صادقة، غير أنها لا تعبّر عن حقيقة ما شاهده ولا عما أحسّ به فعلًا. وقد يصحو بعضُهم من هذا الوهم بعد انقضاء العرض وتفرّق الجموع، فلا يجدون في نفوسهم سوى الاستغراب من أنفسهم، ويندمون على تصفيقٍ أهدوه لعملٍ لا يستحق.
(3)
اعتمدت تلك الشركات في صناعة الوهم الجماعي على عاملين نفسيين واجتماعيين راسخين:
الأول: التأثير الاجتماعي، وهو ذلك الميلُ الفطري الذي يجعل الإنسان يتأثر بسلوك من حوله دون أن يعي ذلك أو يختاره بإرادة حرة. تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في ملاعب كرة القدم، وفي الاحتفالات الجماهيرية الكبرى، وفي كرنفالات أوروبا التي كانت تصخب بالحشود في مرحلة الانتقال من العصور الوسطى إلى عصر النهضة. فالإنسان كائنٌ اجتماعي بطبعه، وحين يجد نفسه وسط الحشد، تضعف قدرته على الحكم المستقل، ويميل إلى المجاراة والانسياق.
الثاني: الوهم الجماعي، الذي يقوم على تصورات مزيفة يتفاعل معها الناس، معتقدين أن ردود أفعالهم تعبيرٌ صادق عما يجري أمامهم. بل إن بعضهم يتوهم حدوث شيء استثنائي رائع لمجرد أنه رأى من حوله يصفّقون، فيبادر إلى التصفيق الحار دون أن يرى شيئًا يستحق ذلك.
وهكذا، أفضت هذه الصناعة المُحكمة للزيف إلى تشويه المشهد الفني تشويهًا بالغًا؛ إذ صعد إلى الواجهة نجومٌ لا يستحقون النجومية، وغرق في الظل مبدعون حقيقيون لم تُصفَّق لهم، وتراجع الفنُّ الرفيع حين استُبدل معيارُ الجودة بمعيار الضجيج.
(4)
في عصرنا هذا، تخطّى التصفيق المأجور حدود المسارح وقاعات الأوبرا، وغزا كل ميادين الحياة، وعلى رأسها الساحة السياسية. وقد اتفقت المخيلة الشعبية على تسميته بـ”التطبيل”، وأطلقت على من يحترفون هذا الدور اسم “المطبلاتية”. وما عاد هؤلاء ظاهرةً حاشمة مستترة، بل باتوا قوةً منظّمة تعمل في وضح النهار، لها أدواتها وآلياتها وجيوشها الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي.
أسهم المطبلاتية في ترسيخ ظاهرة القطيع وجعلها الروح السائدة في المجتمعات، حين يُضخّمون ما لا يستحق التضخيم، ويُصمّتون الأصوات الناقدة بالتهليل الصاخب، وحين يُزيّفون صورة الواقع فيبدو الفاشل ناجحًا والفارغ عميقًا. والأخطر من ذلك أنهم يسعون إلى تنشئة أجيال جديدة على ثقافة القطيع؛ أجيالٌ تستبدل بالسؤال الجوابَ الجاهز، وبالتفكير النقدي التصفيقَ المشروط، وبالاستقلالية الذهنية الانتماءَ العاطفي الأعمى.
والأشد خطرًا في ظاهرة التطبيل أنها لا تكتفي بتزوير اللحظة الراهنة، بل تعبث بالذاكرة الجماعية للمجتمعات، فتُعيد كتابة التاريخ القريب، وتُعيد تشكيل معايير النجاح والفشل، والجمال والقبح، والكفاءة والعجز. ومجتمعٌ فقد أدوات التمييز هذه، مجتمعٌ يمشي في الظلام باحثًا عن طريقه بالتصفيق لا بالبصيرة.
(5)
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: كيف نُحصّن أنفسنا وأجيالنا من هذه الظاهرة؟
الجواب يبدأ بالوعي؛ وعيٌ بأن التصفيق الصاخب ليس دليلًا على الجودة، وأن كثرة المادحين لا تعني صواب ما يمدحون. ويمتد هذا الوعي إلى تنمية الملكة النقدية في التعليم، وتشجيع الجيل الناشئ على التساؤل والتحقق قبل الإقرار. وعلى المستوى الثقافي، تحتاج المجتمعات إلى صحافة مستقلة ونقاد أحرار وفضاءات فكرية لا تخشى مخالفة الجمهور؛ لأن الصوت المخالف لضجيج القطيع هو أثمن ما يمكن أن تنتجه ثقافةٌ حيّة.
إن التصفيق المأجور في جوهره ليس مجرد مسألة فنية أو سياسية عابرة، بل هو هجومٌ ممنهج على أثمن ما يملكه الإنسان: قدرته على التفكير بنفسه والحكم بوعيه. والتطبيل، بكل صوره وفي كل عصوره، لن يتوقف ما دام ثمة من يشتري الوهم، ومن يبيعه. الحلُّ الوحيد هو جمهورٌ لا يُصفّق إلا حين يشعر، ولا يهلّل إلا حين يرى.










