كل عام وأنتم بخير.. ودعنا شهر الخير والفضل والكرم، والذي جعل الحق سبحانه وتعالى أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.. كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فاللهم لك الحمد والشكر.. اللهم احفظ هذا الوطن من كل مكروه وأجعل هذا العيد عيد خير وأمن واستقرار على مصر وشعبها، وألهم قيادتها الحكمة السياسية للحفاظ على الوطن، واجعل جيشه سيفا بتارا على رقاب كل من يفكر فى المساس به.
والآن علينا أن نتساءل: ماذا سنفعل بعد رمضان.. بعد أن تقربنا إلى خالقنا بكل الطاعات والعبادات فصمنا وصلينا وأخرجنا زكوات أموالنا، وتصدقنا على الفقراء والمحتاجين؟
لا يصح أن ننصرف عن كل هذه العبادات والطاعات بعد رمضان.. فهذا الشهر الفضيل ليس موسما للعبادات فإذا ما انتهى أهملنا ما يقربنا الى الله فى باقى أيام وشهور السنة.. بل هو فى الواقع محطة مهمة يصحح فيها الإنسان علاقته بربه وبالناس، وبالكون الكبير الذى يعيش فيه.
إهمال العبادات والطاعات بعد رمضان يهدر أهم المكاسب التى خرجنا بها من هذا الشهر الكريم، وعلينا أن ندرك أن العبادات والطاعات ليس لها مناسبات معينة.. ففريضة الصوم التي التزمنا بها وحرصنا عليها خلال هذه الأيام المباركة “هدفها غرس الإخلاص والتقوى في القلوب، وتهذيب النفس وتربيتها على الاستقامة والصفاء فضلا عن قوة الإرادة وصدق العزيمة والتغلب على تحكم العادات الضارة في النفس، وتحمل الآلام والمصاعب بصبر وجلد”.. وكل هذه المعاني النبيلة التي حدثنا عنها علماء الإسلام الأفاضل يجب أن تلازم كل منا طوال العام ويكون لها تأثيرها الإيجابي على حياته وسلوكه وأخلاقياته في كل شهور السنة، فرمضان شهر لمحاسبة النفس وإلزامها بكل الطاعات والأخلاق والسلوكيات الفاضلة، والفائدة الحقيقية لذلك تظهر بعد رمضان.
ولذلك فإن الذين يلزمون أنفسهم بالعبادات والطاعات والسلوكيات الكريمة في رمضان ثم ينصرفون عن ذلك فور انتهاء هذا الشهر الكريم مخطئون وآثمون لو فعلوا ذلك عامدين.
أيضا العبادات الأخرى مثل الصلاة والزكاة مفروضة علينا طوال أيام وأشهر السنة.. فمن صلى في رمضان وانصرف عن الصلاة بعد رمضان فقد عرّض نفسه لعقاب الله على ترك الصلاة بعد رمضان.
لذلك ننصح كل من يربط عباداته وطاعته وسلوكياته الفاضلة برمضان ثم ينصرف عنها بعد ذلك بمراجعة نفسه والعودة إلى طريق الحق والصواب وهو الحرص على طاعة الله وأداء الواجبات والتكاليف الدينية والالتزام بالسلوكيات الفاضلة بعد رمضان، ومن يلتزم بهذا السلوك القويم يكون قد خرج من شهر رمضان المبارك بأقصى فائدة فالفائدة العظمى والهدف الأسمى من الصوم يظهران على سلوكيات الإنسان وأخلاقياته بعد الانتهاء من أداء هذه الفريضة التي تمثل لونا عاليا من التأديب للنفس البشرية.
نعيش أجواء عيد الفطر المبارك.. ذلك اليوم الذى جعله الله مكافأة لكل من صام وحرص على أداء عبادة الصوم، وللاحتفال بهذا اليوم آداب وأخلاقيات؛ حيث لا يصح ولا يجوز أن ننتقل من حالة الصوم وما صاحبه من صلاة وتهجد وزكاة ودعوات صادقة الى حالة من الفوضى السلوكية.. فالسلوكيات الفاضلة التى حرصنا عليها طوال شهر رمضان ينبغى أن تصاحبنا بعد رمضان وأن تكون احتفالاتنا بالعيد ملتزمة بأخلاقيات ديننا.. ولذلك فإن الذين يعبثون في أيام العيد تحت شعار الترفيه مخطئون ولو ارتكبوا ما حرم الله فهم آثمون.
رغم ما يحيط بنا من حروب وصراعات دموية وظلم وعدوان غير مبرر على إخوان لنا فى الدين وسيطرة مشاعر الحزن والألم على نفوسنا جميعا.. إلا أننا مأمورون شرعا بادخال البهجة على أسرنا وبيوتنا فى العيد.. فالأعياد في الإسلام شرعت لإدخال الفرحة والسرور على النفوس، ولذلك من حق الإنسان أن يفرح ويرفه عن نفسه وعن أولاده وأهل بيته بكل ما هو مباح من مباهج الحياة دون أن يرتكب محظورا أو محرما.. ولذلك قال فقهاء الإسلام: يستحب الترويح عن النفس في عيدي الفطر والأضحى في حدود ما أحله الله تعالى، فقد كان رسول اله صلى الله عليه وسلم ـ وهو القدوة والمثل الأعلى لكل مسلم ـ يفرح في الأعياد ويمازح أصحابه ويؤانسهم ولكن لا يقول إلا حقا.
من هنا فإن كل أشكال الترفيه المهذب مباحة في الأعياد، بل هي مطلوبة ومستحبة كما وصفها الفقهاء للتخفيف عن النفس خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الهموم والمشكلات والأعباء الحياتية.
كل ما ينبغى التحذير منه أن ينقلب الترفيه والترويح عن النفس الذي حث عليه الإسلام إلى لهو مرفوض وعبث سلوكي يجلب للإنسان غضب الله وعقابه.
يوم العيد من الأيام المباركة والسعيدة في حياة كل إنسان وإذا كان الإسلام قد حثنا على الفرح والسرور وإدخال السعادة على كل المحيطين بنا في هذا اليوم فليس معنى ذلك أن نقضي يومنا كله في اللهو والعبث.. فمن الأمور المستحبة التي ينبغي أن نحرص عليها الى جانب الصلاة: ذكر الله والعطف على الفقراء والمحتاجين وصلة الرحم، فهي من الأمور الواجبة على كل إنسان في هذا اليوم.
فبعد الانتهاء من أداء صلاة العيد مع جموع المسلمين في الساحات والأماكن المخصصة لذلك علينا أن نتبادل التهانى بالعيد مع كل الأصدقاء وأن نذهب الى منازل الأحباب والأقارب ومن قبلهم الأهل لأداء واجب صلة الرحم.
سألت العالم الأزهرى الكبير د.نصر فريد واصل المفتى الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء عن موقف الشرع من سلوك بعض الناس الذين يحرمون أنفسهم ويضيقون على أهلهم وأولادهم في الأعياد.. بسبب الظروف المؤلمة التى يمر بها إخوان لنا فى دول أخرى.. فقال: التضامن مع إخواننا الذين يتعرضون للظلم شعور إنسانى نبيل ومشاركة وجدانية تؤكد أن الخير باق فى هذه الأمة الى يوم الدين.. لكن هذا لا يعنى أن نحرّم أمرا أباحه الله ورسوله ولذلك لا يجوز لمسلم أن يحرم نفسه أو أهله من الأمور المباحة أو المستحبة، والترويح عن النفس في الأعياد ليس مباحا فحسب، بل هو من الأمور المستحبة التي حثت عليها شريعة الإسلام لتخفيف المعاناة النفسية عن الإنسان وتجديد نشاطه في الحياة لكي يعود إلى التكاليف والعبادات والطاعات وهو أكثر نشاطا وحيوية.
b_halawany@hotmail.com










