الخميس , 29 أكتوبر 2026

مأمون الشناوى يكتب.. الحمار .. وصاحبه !!

إذا قلت للياباني : أنت حمار ، لا يغضب ، بل يبتهج وتعلو وجهه ابتسامة امتنان ورضا ، ويرد عليك من فوره : وأنت زرافة !!.
لكن اسمه عندنا سبة ، وعنوان بلادة وسوء فهم !! .
ومنذ أن جاء بسلامته من [ جنوب أفريقيا ] إلى مصر ، صار مطيّة الفلاح ورفيق دربه ، كلاهما أعار للآخر بعض صفاته ، فالفلاح أعطاه الصبر وطول البال وتحمل القهر ، والحمار منح الفلاح الوفاء والاستسلام عند تجنب الخطر ، وحساب العواقب عند عبور مانع مائى ، وقد يتجلى ذلك عندما يقف الحمار مُتردداً فى العبور ، حاسباً المسافات بدقة !!.
وهو يواجه الشمس ناظراً بطرف عينيه نظراً خفيفاً ، فيبدو لئيماً ماكراً ، لايعجبه مايرى من سياط [ ناظر العزبة ] وهى تهوى على ظهور الفلاحين العارية ، فى زمن السخرة والاقطاع !! .
والحمار مُجتهد ، فطن ، قليل العناد ، وأنثاه [ الأتانة ] خير الأمهات ، رأيت واحدة منها وهى تلقى بنفسها وسط النيران فى اصطبل محترق ، إنقاذاً لولدها !! .
والحمار يعرف بيت صاحبه ، ويهتدى إلى طريقه الذى سلكه إليه من قبل ولو لمرة واحدة ، ويأبى أن يتقدم ، ويشبو على رجليه الأماميتين إذا مالاح له أن راكبه قد ضل الطريق !!.
طعامه مثل صاحبه ، يقنع بما يرفضه الحصان والبقر ، وبما يتبقى منها ، برسيم او حسك أو حتى شوك !!.
حمل الظالمين والطغاة مُسرَجاً ، وحمل الفلاح المسكين عارى الظهر ، وحمل البرسيم والسباخ وطمىّ النيل ، قبل أن يجر عربات الخضار والفول !!.
كان واحداً من أسرة الفلاح ، يأنس به ، ويداعبه ، ويستحما معاً فى مجرى النيل ، فى الترع والقنايات ، ويحلق له شعره راسماً نقوشاً بديعة على جسده ، ويدعّم له حوافره بحدوات حديدية ، حماية له من خطر السير فى الطرقات القاسية ، ويبكى عليه إذا مات !!.
لكن مع انقلاب الدنيا ، جعلت الفلاح يستغنى عنه ، ويستعرّ منه ، ويستبدل به ركوب الدراجة والموتوسيكل ، بعدما تحوّلت الساقية إلى ماكينة ، والجاموسة إلى جرار زراعى ، وزوجة الفلاح إلى [ هانم ] ، تعرف الدولار والريال ، وجلباب الفلاح إلى بنطلون جينز ، وخلع طاقيته ، وصبغ شعره ، وغرّقه فى ال [ الجيل ] ، وتحوّل من فلاح حقيقى إلى ثلث فلاح ، وثلث ميكانيكي ، وثلث أفندي ، فبكى عليه الحمار أسفا !!.

شاهد أيضاً

عمرو عبد الغفار يكتب.. «اعمل في صمت وأحدث أثرًا لا يُنسى».. النجاح الحقيقي أن تترك أثرًا لا مجرد صورة

بعد أن يتعلم الإنسان كيف ينهض من السقوط، ويعيد بناء نفسه، ويتحرر تدريجيًا من حاجته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *