إذا قلت للياباني : أنت حمار ، لا يغضب ، بل يبتهج وتعلو وجهه ابتسامة امتنان ورضا ، ويرد عليك من فوره : وأنت زرافة !!.
لكن اسمه عندنا سبة ، وعنوان بلادة وسوء فهم !! .
ومنذ أن جاء بسلامته من [ جنوب أفريقيا ] إلى مصر ، صار مطيّة الفلاح ورفيق دربه ، كلاهما أعار للآخر بعض صفاته ، فالفلاح أعطاه الصبر وطول البال وتحمل القهر ، والحمار منح الفلاح الوفاء والاستسلام عند تجنب الخطر ، وحساب العواقب عند عبور مانع مائى ، وقد يتجلى ذلك عندما يقف الحمار مُتردداً فى العبور ، حاسباً المسافات بدقة !!.
وهو يواجه الشمس ناظراً بطرف عينيه نظراً خفيفاً ، فيبدو لئيماً ماكراً ، لايعجبه مايرى من سياط [ ناظر العزبة ] وهى تهوى على ظهور الفلاحين العارية ، فى زمن السخرة والاقطاع !! .
والحمار مُجتهد ، فطن ، قليل العناد ، وأنثاه [ الأتانة ] خير الأمهات ، رأيت واحدة منها وهى تلقى بنفسها وسط النيران فى اصطبل محترق ، إنقاذاً لولدها !! .
والحمار يعرف بيت صاحبه ، ويهتدى إلى طريقه الذى سلكه إليه من قبل ولو لمرة واحدة ، ويأبى أن يتقدم ، ويشبو على رجليه الأماميتين إذا مالاح له أن راكبه قد ضل الطريق !!.
طعامه مثل صاحبه ، يقنع بما يرفضه الحصان والبقر ، وبما يتبقى منها ، برسيم او حسك أو حتى شوك !!.
حمل الظالمين والطغاة مُسرَجاً ، وحمل الفلاح المسكين عارى الظهر ، وحمل البرسيم والسباخ وطمىّ النيل ، قبل أن يجر عربات الخضار والفول !!.
كان واحداً من أسرة الفلاح ، يأنس به ، ويداعبه ، ويستحما معاً فى مجرى النيل ، فى الترع والقنايات ، ويحلق له شعره راسماً نقوشاً بديعة على جسده ، ويدعّم له حوافره بحدوات حديدية ، حماية له من خطر السير فى الطرقات القاسية ، ويبكى عليه إذا مات !!.
لكن مع انقلاب الدنيا ، جعلت الفلاح يستغنى عنه ، ويستعرّ منه ، ويستبدل به ركوب الدراجة والموتوسيكل ، بعدما تحوّلت الساقية إلى ماكينة ، والجاموسة إلى جرار زراعى ، وزوجة الفلاح إلى [ هانم ] ، تعرف الدولار والريال ، وجلباب الفلاح إلى بنطلون جينز ، وخلع طاقيته ، وصبغ شعره ، وغرّقه فى ال [ الجيل ] ، وتحوّل من فلاح حقيقى إلى ثلث فلاح ، وثلث ميكانيكي ، وثلث أفندي ، فبكى عليه الحمار أسفا !!.










