تعد العقوبات الاقتصادية الدولية أداة ضغط سياسي ملزمة، يفرضها مجلس الأمن أو الدول، وتهدف ظاهرياً لحفظ السلم الدولي، لكنها غالباً ما تفتقر للشرعية الفعالة، وتتحول إلى عقاب جماعي يُلحق ضرراً جسيماً بالمدنيين والاقتصاد الوطني، مما يثير تساؤلات حول أخلاقيتها وفاعليتها في تحقيق الأهداف السياسية.
عرف المجتمع الدولي منذ نشأته المبكرة، ودخوله في علاقات متشعبة مفهوم العقوبات الاقتصادية، وطبقه بصيغ مختلفة لتحقيق الأهداف المتنوعة التي تطورت وتغيرت متأثرة بالعديد من العوامل الدولية، فالتبادل الاقتصادي كان ولايزال عصب حياة الشعوب، به تستمر، وعن طريقه تحصل على حاجاتها، وتصرف منتجاتها لتعيش من مردودها
برزت مؤخرًا عدد من التوجهات الفكرية التي تنتقد تحركات مجلس الأمن – أحد أجهزة الأمم المتحدة – في سياق ازدواجية معايير توقيع العقوبات الدولية، وتلك التوجهات تنطلق من وقائع فعلية نتلمس فيها وجود شبهات انحراف شرعية سواء في توقيع العقوبات العسكرية أو غير العسكرية، تلك العقوبات التي كرست لمفاهيم الغلبة للدول الكبرى والأعضاء الدائمين بالأمم المتحدة.
والعقوبات التي نتحدث عنها لانتهاكات القانون الدولي لم تكن حقوقًا وليدة الصدفة، بل كانت نتاج تطورات علوم اجتماعية وقانونية لحضارات قديمة كانت تدعم تلك العقوبات، وتلك الحقب التاريخية يمكن أن تصف لنا كيف تم تنفيذ عمليات الحصار والإغلاق لإجبار الخصوم على الإذعان وأكثر من ذلك لشل أنشطتهم العسكرية والاقتصادية لتجويع العدو أو القضاء عليه
لقد بلغ المجتمع الدولي درجة عالية من التطور والتنظيم بحيث استطاع أن يفرض عقوبات نتيجة انتهاك أحد الأسس التي يقوم عليها على الدول في مراحله الأولى ثم على الأفراد في مرحلة ثانية.
ومع تطور الوضع القانوني للقانون الدولي نتيجة التطور الكمي الذي حدث في نظام العقوبات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة والذي أدى إلى التغلب على سياسات القوة التي كانت هي الأساس في التعامل بين الدول، الأمر الذي أدى إلى منع إمكانية اندلاع الحروب وهو ما يؤدي إلى المحافظة على استقرار المجتمع الدولي.
وجديراً بالذكر أن تطور نظام العقوبات على المستوى الدولي لم يكن بالأمر الهين، خصوصاً وأن فرض العقوبات على الدول يتصادم مع سيادتها، ولكن نتيجة للتطورات التي طرأت على المجتمع الدولي وحرص الدول على سيادة الاستقرار فإن تلك العوامل ساهمت في نجاح فرض العقوبات على الدول التي تنتهك قواعد القانون الدولي.
وتُعد العقوبات الاقتصادية أحد أهم الوسائل التي من خلالها يتم إرغام الدول المخالفة للقواعد القانونية على العدول عن موقفها والسير على النهج القويم الذي يتلاءم ومصالح المجتمع الدولي، وجديراً بالذكر أن تلك العقوبات تحولت من مجرد كونها عقوبات عرفية إلى عقوبات مقننة وذلك تعاصر مع ظهور المنظمات الدولية بداية من عصبة الأمم مروراً بالأمم المتحدة.
ولكن بعد تطبيق عقوبات اقتصادية واسعة النطاق أثرت بشكل واسع جدًا على بعض الدول مما جعل بعض الاتجاهات تصف تلك العقوبات بجرائم الإبادة الجماعية المخطط لها كما حدث في العراق وليبيا ودول أخرى مما أدى إلى ضرورة البحث عن بدائل للعقوبات الاقتصادية نظراً لأنها تلحق أضرارًا جسيمة بالدول، كون أن المتضرر الأول من العقوبات الاقتصادية هو الشعوب وهو ما عزز ذلك الاتجاه الفكري.
ولقد بزغ نجم هذا الاتجاه بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتأكيده على قدسية وحرمة حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية، ومن المسلم به أن فرض عقوبات اقتصادية على الدول – وعلى وجه الخصوص إذا كانت نامية – سيؤدي إلى تدهور حال شعبها وإلحاق أضراراً جسيمة بهم.
في ظل النظام القانوني الدولي القائم، يُفترض أن تكون العقوبات الدولية أداةً لضمان احترام القانون، وحفظ السلم والأمن الدوليين، وردع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن الواقع السياسي الذي يهيمن على العلاقات الدولية، لا سيما بعد نهاية الحرب الباردة وصعود المحافظين الجدد إلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، كشف عن وجه آخر لهذه العقوبات.
وجهٌ يُعيد إنتاج منطق الهيمنة والاستعمار، لكن بأدوات حديثة، أقل عنفًا أحيانًا، ولكنها أكثر تدميرًا. فالمتأمل لكيفية تطبيق هذا المفهوم المنصوص عليه في النظام القانوني الدولي يتجلى له وبكل وضوح أن هذه الآلية القانونية سلاح موجه ضد دول الجنوب خاصة والدول المعادية للمشروع الغربي عامة. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن مدى اعتبار هذه الآلية القانونية نوعًا جديدًا من الكولونيالية المقنّعة!
إذا كانت الكولونيالية الكلاسيكية تعتمد الاحتلال المباشر، فإن الكولونيالية الجديدة تستند إلى أدوات ناعمة، من بينها العقوبات الدولية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة تحديدًا الفصلين السادس والسابع. فالأول ينصّ على حلّ النزاعات الدولية بطرق سلمية كالتفاوض والوساطة والتحكيم أو اللجوء إلى المنظمات الإقليمية والأممية؛ وفي حال فشلت الأطراف المتنازعة في حلّ النزاع بطرقٍ سلمية، يجب عليها عرض النزاع على مجلس الأمن الدولي أو من الممكن أن يوصي المجلس تلقائيًا بما يراه مناسبًا. أما الثاني فيمنح مجلس الأمن الدولي سلطة اتخاذ إجراءات ردعية ضد الدول المهدّدة للسلم والأمن الدوليين. إجراءاتٌ تبدو من حيث المبدأ شرعية،
بل ضرورية؛ فهي تُشكل أحد أبرز آليات فرض احترام الشرعية الدولية. إلا أن هذه الشرعية – في التطبيق – غالبًا ما تُفرغ من مضمونها، حين تتحول إلى أداة في يد القوى الكبرى والمتمثلة في الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس. وفي هذا السياق تُعتبر قرارات مجلس الأمن الدولي ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وما يُلاحظ هنا أن ميثاق الأمم المتحدة يخلو من أي مفهوم واضح وجليّ لمفهوم الأخلال بالسلم والأمن الدوليين أو حتى مفهوم العدوان، وهذا يتناقض مع “مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”
وفقًا للعديد من الفقهاء القانونيين. هذا الأمر يجعل من هذا المفهوم الفضفاض حمّال أوجه ويمكن توظيفه من أجل خدمة مصالح جيوسياسية للدول الكبرى التي- في سبيل تحقيق مصالحها- تعمل على إخضاع الدول المعادية لها عن طريق فرض عقوبات اقتصادية كالحصار أو حتى غزو عسكري وإسقاط حكومات مناوئة بذريعة حقوق الإنسان والديمقراطية وتنصيب أخرى عميلة.
وبهذا تُستخدم العقوبات لفرض التبعية وإعادة تشكيل البُنى الاقتصادية والسياسية للدول المستهدفة، بما يخدم مصالح النظام الرأسمالي العالمي. وقد رأينا ذلك في برامج مثل “النفط مقابل الغذاء” في العراق، الذي جعل من الولايات المتحدة المستورد الأكبر للنفط العراقي بأسعار بخسة، في حين كان الشعب العراقي يموت جوعًا ومرضًا. وبذلك، تتحول العقوبات إلى وسيلةٍ للإخضاع والنهب المنظّم، مغلفة بخطابٍ قانوني وأخلاقي.
اختلف استخدام العقوبات في إدارة “ترامب” عن إدارة “أوباما”، حيث كان استخدام العقوبات الاقتصادية في عهد “أوباما” أكثر تركيزًا، ومثلت إيران الأولوية القصوى لسياسة العقوبات الأمريكية في الفترة بين عامي 2010 و2015، ثم تحول التركيز لاحقًا إلى روسيا ما بين عامي 2014 و2016
، بينما في المقابل تميزت إدارة “ترامب” باتباع نهج أكثر اندفاعًا، إذ أصبح ملف العقوبات الاقتصادية في صدارة أجندة السياسة الخارجية عبر 3 ملفات رئيسة في وقت واحد، وهى: إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وذلك في فترة ولايته الأولى، فضلًا عن تكثيف العقوبات على دول أخرى مثل كوبا وسوريا وروسيا.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










