قرأت مقالا للناقد ا. حسام مسعد بعنوان الفرق الجوهري بين المونودراما وأشكال التمثيل فردي ، ولقد استوقفني ماورد في مقاله الممتاز أن المونودراما تتقدم فيها الشخصية المونودرامية على الحبكة.
المونودراما عرض مسرحي يؤديه ممثل واحد ، لا يختلف بناؤه عن بنية أي عرض مسرحي فله تيمته ( فكرته المركزية ، وموضوعه ، وحبكته ، والتي توظف الشخصية المونودرامية التي يقوم عليها العرض المسرحي من خلال حبكة متقنة ، لأن الشخصية عامة هي محور الأحداث لن تبرز إلا بحبكها في عمل درامي . إنها شخصية متعددة، منقسمة، تحمل أصواتًا متعارضة، ويغدو الصراع فيها داخليًا، وجوديًا، لا خارجيًا،ففي البدء كانت الكلمة التي تتناول فكرة مركزية ( تيما) حول شخصية وتصاغ في قالب مسرحي ، ولا يستطيع أي أحد الفصل بين الشخصية والحبكة وأيهما أسبق ، لأن التيمة والصياغة أي الحبكة تدور حول شخصية ما ، أي أنها دفقة إبداعية لفكرة تصاغ حول شخصية ما ، ويتم تناولها من خلال السرد الخطي المرتب ترتيبا منطقيا ، أو المتشظي بلا ترتيب ، أو الدائري لتنتهي من حيث ابتدأت ، ويغلب عليها جو الدراما النفسية ، ويكثر فيها عند تناولها استخدام الفلاش باك ( الرجوع للخلف أو الماضي ) ، والفلاش فروارد ( أو أحداث متخيلة أومتبنئة ، في توازن متقن مع الوقت الحالي للشخصية ،تراعي التصاعد الدرامي للأحداث، من خلال الحدث الدرامي بذرواته الثانوية وصولا لكلمة العرض مع نهاية العرض في ذروة أسأسية .
من هنا نقف على بعض المصطلحات لمناقشة الموضوع .
ـ المونودراما كلمة إغريقية الأصل المشتقة من كلمتيـن (مونو Mono )وتعني (واحد) و (دراما Drama) وتعنـي (فعلا) او مسرحية ومعنى الكلمتين (مسرحية الشخص الواحد).
ـ إذن المونودراما هي مسرحية يؤديها ممثل واحد ، وهي مسرحية متكاملة البناء، ومن ناحية الموضوع فهي ذات طبيعة خاصة إذ تبرز ما يدور في النفس البشرية من صراعات تتأجج فيها ، وهي تعبر عن وقفات اختيارية أو إجبارية للحظات بغية مراجعة النفس ، للوقوف على حقيقة الوضع بين المتخيل والواقع ، بين الصدق والكذب ، بين الحقيقي والخيالي ، أي بين ما آل إليه الوضع أو ما قد يؤول إليه مستقبلا، ، وتلك الصراعات بين المرء وعالم نوازعه ، بين المفترض والواقع والمتخيل والمأمول، والمرء والشخصيات التي يعايشها ، أو التي تؤثر فيه تأثيرا فاعلا سوى أكان قريبا منها أو بعيدا عنها ولا صلة مباشرة له بعدها ، إلا عن طريق ثمار أعمالها مثل الساسة والزعماء والشخصيات التاريخية ،وقد تفند وجهة نظر ما ، أو محاولة للتطهير ، أو التبرير عند استحكام الشعور بالذنب ، أو محاولة للإفاقة بطرح ما في داخل النفس بغية الوقوف على أرض الواقع.
ولما كان الشكل هو ملامح العرض المسرحي ككل ، والمضمون هو تلك الفكرة الركيزة التي يحاول العرض أن يبرزها ، إذن المضمون أو محتوى العرض الفكري أو ما يطلق عليه التيمة ( فكرة العرض الأساسية) من المحددات الأساسية لشكل العرض المسرحي ، وحين يفلح الشكل أن يعبر عن المضمون ساعتئذ يتحقق للعرض نجاحه ، ولما كانت السينوغرافيا هي المعبر عن الشكل والمحدد لسيماته، إذ أنها نتاج لذلك التفاعل بين مكونات العرض الفني كلها مما ينتج عنه صورته التشكيلية الإبداعية، التي هي في جوهرها إسهامات لفنون عدة يستخدمها المشاركون في العرض كل حسب تخصصه ، وقد ارتضوا لها أن تقدم للجمهور مستهدفة حواسه ، سمعيا ( الحوار والموسيقى والأغاني والأشعار ) ،وبصريا ( أداء تمثيلي ، أزياء ، ديكور ، إكسسوارات ، إضاءة ، والتقنيات الحديثة والتي يهجن فيها المسرح بالسينما ، واستخدام تقنيات الفيديو وامتزاج الصورتين المسرحية والسينمائية في العرض المسرحي) ، بغية إحداث صورة ذهنية عاطفية عقلانية في إطار جمالي ، تصل من خلالها رسالة وهدف ومضمون العرض للجمهور، إذن أهم أهداف السينوغرافيا ( الصورة المسرحية ) وركيزة عملها هي تخليق وابتكار متعة فكرية وفنية من خلال عالم جمالي تتناغم فيه الدلالات آلتي أفصحت عنها رموز العرض ، ليضع المتفرج العرض ككل في بؤرة اهتمامه وينظر إليه بعين الاعتبار ، وهو ما يطلق عليه ببساطة التفاعل الإيجابي مع العرض .
التيمة( الثيمة)
theme
لب الفكرة المركزية أو مضمون العمل الإبداعي أو مغزاه
الحبكة
أدبيا وفنيا
ربط تفاصيل و منمنمات النص المكتوب أو المزمع تنفيذه إبداعيا(سينما،مسرح،تليفزيون،عمل إذاعي) بناء على قناعة الكاتب الشخصية ،ودقة موهبته وتمكنه من صنعته،واحترامه لنفسه ولذكاء الجمهور المستهدف ،غير متصادم مع قيم المجتمع.
- مراعيا أصول الكتابة وأساسياتها
-مستفيدا من خبرات توافرت نتيجة لاطلاعه ،منذ بداية النص وتصاعدها ،وذرواتها
الثانوية ليصل بها الذروة الكبرى للأحداث ، وصولا إلى حل عقدتها ونهاية العمل - لديه إجابة منطقية لكل سؤال يسأله لنفسه حين يقرأ نصه ممارسا نقدا ذاتيا
،متخيلا نفسه في مقاعد الغير من مشاهدي أو قراء أو مستمعي النص. - من خلال إطار إيقاعي حي مشوق يشد ويستفز المتلقي يجعله في حالة توتر
وتشوق ولهفة للمتابعة .
وذلك مما يسهل تناوله على مخرج العمل في أي صورة، محترما كاتبه، ويجعله ملتزما بالنص المتقن ، ولا ضير في نقاشهما وحوارهما حول النص لإثراء التنفيذ الإبداعي.
*إذن الحبكة تنظيم سردي رابطا وضابطا بإحكام للعلاقة بين أحداث متتابعة متسلسلة من خلال صراع يحتويه النص أو العمل الإبداعي ، وذلك من أجل توليد أثر عاطفي أو فني لدى المتابع.
يكمن في أن المونودراما تُبنى على مبدأ: “الشخصية قبل الحبكة”. فالشخصية هنا ليست أداة لتحريك الأحداث، بل هي محور الأحداث. إنها شخصية متعددة، منقسمة، تحمل أصواتًا متعارضة، ويغدو الصراع فيها داخليًا، وجوديًا، لا خارجيًا،
طرق تذكر الماضي وتخيل المستقبل في العمل الفني:
-1استدعاء الذاكرة المفاجئ لحدث في الماضي (تذكر ) Flashback
2-أتذكير بطريقة مفاجئة وعفوية(Throwback)استجابة لمؤثر ما كلمة ،صوت،أغنية،موقف، نظر إلى صورة ،رؤية إنسان له صلة بالحدث ،أو التواجد في مكان
3-أ التقدم (للمستقبل) بالخيال Flashforward انطلاقا من زمن عرض الأحداث الحالية،
وقد يتضمن العرض أيا منها أو يتضمن بعضا منها أو جميعها حسب ضرورة تقتضيها الأحداث،
ولضمان جودتها وتعزيزها للتأثير الدرامي يجب مراعاة الآتي:
*لابد من التعريف المسبق لشخصيات استدعاء الذاكرة أو التذكر ،والتقدم للمستقبل تعريف سريع لها .
*حرفية استخدام عناصر السينوغرافيا (الصورة) من صوامت (ضوء بدرجات وألوان مختلفة ،ظلال) ،أو نواطق ( موسيقى .إيقاعات، مؤثرات صوتية ).
*مشاهدها قصيرة، و على المخرج أن يجعل حدا بين استدعاء الذاكرة أو التذكر أو تخيل مستقبلي، ليعود لنفس المنظر الذي بدأ منه الانتقال .
خلاصة القول إن الكتابة الدرامية عامة تتناول عدة شخصيات والمونودراما خاصة تتناول شخصية ما من خلال تيمة معينة ( فكرة مركزية ) لها حبكتها ، جميعها دفقة إبداعية فنية تأتي متفاعلة متولدة من بعضها البعض ، فالشخصية كقطعة أرض ، والحبكة هي تنفيذ البنيان ، نعم هي أسبق فكريا وبدون الحبكة المتقنة تضيع ملامحها ، أي أن الحبكة تشكل الشخصية فنيا وإبداعيا.










