كيف تضمن ولاء مَن أهنته ؛ فالناقة إذا أصرمتها ، لن تجد لها لبناً ولن تلد لك ولدا !!.
العم محفوظ ، شيخ ستيني يعمل حارساً علي إحدي المنشآت الصناعية في ميناء دمياط ، شعر بألم يتكرر ويزداد حدة في أعلي جنبه الأيسر ، أفتي المحيطون به با حتمال مشكلة في القلب ، وعليه التوجه دون إبطاء إلي المستشفي !!.
في اليوم التالي ، سارع إلي المستشفي الحكومي المتخصص ، علي أمل أن تتولي الدولة علاجه علي نفقتها ، لكنهم اكتشفوا أن علاجه يتبع التأمين الصحي ، وعليه معاودة فرع التأمين التابع له ، والذي رفض استقباله أو إجراء أية فحوصات عليه حتي يستخرج بطاقتة التأمينية من مدينته البعيدة محل إقامته !!.
في اليوم التالي ، سارع منذ الصباح الباكر إلي المدينة ، متكبداً مشقة السفر ، وهو العجوز المريض ، وبعد ساعات من اللف علي المكاتب والزجر والطرد ، استخرجوا له بطاقته ، والتي ظن أن باستلامه لها انتهت معاناته ، وصار بوسعه تلقي العلاج الذي يستحق !!.
ورغم تعنيف صاحب العمل له لتركه حراسته لعدة أيام ، سمح له بالعودة إلي المستشفى التخصصي لاستكمال رحلته العلاجية ، في المستشفى أخبروه أن الاستقبال بالحجز ، وليس هكذا سداح مداح ، والحجز عن طريق النت ، وهو لا يفهم معني كلمة نت أصلاً ، سوي أنه ينت ويئن من تعب قلبه ، والذي زاد عليه تعب جيبه وخلخلة مفاصله !!.
حجز له أولاد الحلال موعداً للكشف علي النت ، وفي الموعد المحجوز صلي الفجر وانطلق صوب المستشفي ، فإذا بهم يخبروه بأن اليوم عطلة ، ولا عمل يوم العطلة ، لا استقبال ولا إرسال ، وعليه إعادة الحجز !!.
عاد العم محفوظ مُحبطاً مكلوماً حزيناً مكسور الخاطر والوجدان ، عاودته نوبات الألم في قلبه ، وازدادت حدتها ، لكنه أقسم ألا يتعامل مع هذا التأمين اللا صحي والغير آدمي ، والذي يتجاهل وهن المريض وآلامه ، ولا ينشغل بمعاناته وضعفه ، بل يتعامل معه وكأنه حصان سباق عفيّ ، وقرر أن يكتفي بتناول المسكنات ، حتي يسترد الله وديعته !!.
مزيج من اللامبالاة والروتين ، والتعنت والاستغلال ، والاهمال والغباء ، والفساد والمحسوبية ، وسوء الظن وبلادة الاحساس ، وانعدام الرحمة وموت الضمير ، والقسوة ، هذه هي الخلطة العفنة التي يتكون منها التأمين الصحي عندنا ، أكاد لا أستثني إلا القليل النادر من فروعه ، حتي صار لدي كل مريض يعاوده – وخاصة كبار السن – قصة مأساة ، تتشابه في مجمل فصولها ، وإن اختلفت في تفاصيلها ، والنتيجة واحدة : فقدان الآدمية والاستهانة بالإنسان ، ومن ثم فقدان الانتماء والولاء للأوطان !!.










