لم يكن تطور الطب عبر القرن العشرين والحادي والعشرين مجرد تقدم تقني، كان تحولًا عميقًا في علاقة الإنسان بالحياة والموت. في بدايات القرن الماضي، كان متوسط العمر في كثير من البلدان لا يتجاوز الأربعين عامًا، وكانت العدوى البسيطة كفيلة بإنهاء حياة إنسان في أيام. لم يكن السبب ضعف الإنسان، ولكن كان غياب المعرفة والأدوات. ومع اكتشاف المضادات الحيوية، وانتشار اللقاحات، وتحسن بيئة المستشفيات، تراجعت الأمراض التي كانت تحصد الأرواح بلا رحمة.
ثم جاءت مرحلة أكثر تعقيدًا، عندما أصبحت أمراض القلب والسرطان هي التحدي الأكبر. لم يقف الطب متفرجًا. تطورت الجراحة، ظهرت القسطرة والدعامات، وأصبح بالإمكان إنقاذ قلب كان يتوقف في دقائق. تطورت وسائل التشخيص، فصار المرض يُكتشف قبل أن يتمكن من الجسد، لا بعد أن يفتك به. هذه النقلة وحدها غيرت قواعد اللعبة.
وفي الوقت نفسه، تحولت الأمراض المزمنة من حكم بالإعدام إلى حالة يمكن إدارتها. مريض السكري الذي كان يواجه نهاية مبكرة، أصبح يعيش لعقود مع تنظيم بسيط للعلاج. مريض الضغط أو الربو لم يعد أسيرًا لنوبات قاتلة، صار يعيش حياة شبه طبيعية. لم يعد الهدف فقط إطالة العمر، أصبح الهدف أن يعيش الإنسان سنواته بقدرة على العمل والإنتاج، لا أن يقضيها في صراع دائم مع المرض.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين، بدأ الطب يتعامل مع الإنسان كحالة فريدة، لا كرقم في قائمة. العلاجات الموجهة، العلاج المناعي، والطب الدقيق، كلها جعلت العلاج أكثر فعالية وأقل قسوة. أصبح من الممكن مواجهة أمراض كانت تُعد نهاية مؤكدة، وأصبح الشفاء أو السيطرة الواقعية خيارًا مطروحًا.
في ظل هذه الحقائق، يظهر هذا الخطاب الجاهل الذي يتحدث عن مؤامرة كبرى تقودها مافيات شركات الدواء أو منظمات الصحة العالمية، وكأن هذا التقدم الهائل لم يحدث.
يدَّعي هؤلاء الجهلة إن هذه الجهات تسعى لإبقاء الناس مرضى لتستغلهم من خلال الأدوية والعلاجات وأن هناك بدائل مخفية يتم محاربتها. هذا الخطاب الذي يطلقه الجاهلون يتناسى حقيقة بسيطة: لو لم يكن الطب قد تقدم إلى هذا الحد، لما عاش الملايين الذين يعيشون اليوم بفضل أدوية وعلاجات كانت يومًا غير موجودة.
مثل هؤلاء الذين يروجون لهذا الطرح يقفون اليوم على أرض لم يصنعوها. كثير منهم ما كان ليبقى على قيد الحياة لولا هذا التقدم ذاته الذي ينكرونه، ولولا الجهود المتواصلة لشركات الدواء والمؤسسات الصحية التي لم تتوقف يومًا عن مواجهة المرض على كل الجبهات. يستفيدون من نتائج العلم، ثم يهاجمونه، ويغفلون أن كل يوم إضافي يعيشونه هو نتيجة مباشرة لهذا التراكم الإنساني في المعرفة والعلاج.
الواقع أكثر وضوحًا من كل هذه الادعاءات. الطب لم يقضِ على المرض نهائيًا، ولم يعد أحد بذلك، لكنه نقل الإنسان من حالة الهشاشة والضعف إلى حالة القدرة. أطال العمر، حسّن جودة الحياة، وفتح الباب أمام الإنسان ليعيش أكثر ويعمل أكثر ويفهم جسده أكثر. هذه ليست مؤامرة، هذه رحلة طويلة من البحث والتجربة والخطأ، شارك فيها علماء وأطباء دفع بعضهم حياته ثمنًا لما وصلنا إليه.
ومن ينظر إلى هذه الرحلة بعين منصفة يدرك أن ما نعيشه اليوم من قدرة على التعايش مع المرض، وعلى الاستمرار رغم التحديات الصحية، هو نتيجة جهد إنساني متراكم، لا مؤامرات تحاك في الظل ومخطط خفي لاستغلال او السيطرة عل البشر.










