في ليلةِ شتاءٍ باردةٍ جلستُ وحيدًا، أتأمّلُ المارّةَ بملامحَ هادئةٍ ورأسٍ مزدحمٍ بالأفكار، على رصيفِ الشارع في الطريق، بعدما غادرتُ البيتَ غاضبًا، مثقلًا بضيقِ ذاتِ اليد، وصامتًا كصمتِ أريكتي العتيقة قبل أن تتهاوى، تُقيِّدُ الأعباءُ نحري، أستمعُ إلى نغمةٍ هاربةٍ من مذياعٍ قريبٍ، وأدندنُ معها؛ نغمةٌ حزينةٌ كحزنِ ساقيةٍ مهجورة، تشبهُ حالتي تمامًا حينذاك.
تتساقطُ أوراقُ الشجرِ الجافةُ المبتلّةُ على كتفي فتذكّرني بدموعٍ قيدَ السقوط، ثم تهبُّ فجأةً نسمةٌ باردةٌ، فأنتشي بهوائها، فتقلُّ معاناتي النفسية قليلًا. وفجأةً تمرُّ سيارةٌ تاركةً خلفها غبارًا، وعجوزٌ يتمتمُ لخطواته المتعثّرة في العتمة، وبائعٌ متجوّلٌ يتحدّثُ مع الفراغ: «لم يجنِ تعبُ اليوم مالًا يُذكر»، فأتذكّر مجددًا، وأبكي، ويتهاوى الصبرُ داخلي. أشعرُ بغصّةٍ في صدري لأولِ مرةٍ منذ عشرين عامًا؛ أقفُ عاجزًا أمام أبنائي الذين يطالبون باحتياجاتهم العادية، وفي جيبي حافظةٌ فارغةٌ إلا من خمسين جنيهًا، وأنا عالقٌ في مأزقِ المسؤول. أتمتم: من أين لي بمبلغٍ يُفرِّجُ عن ضائقتي؟
وفجأةً هبطت عليّ كالصاعقة امرأةٌ تركضُ تجاهي. لا أعرف ما الذي يخيفها! فنهضتُ أسألها: ما بكِ؟ ونسيتُ ما كنتُ أعانيه. لم أُكمل حديثي؛ وجدتها تركتني وركضت إلى الشارع المجاور. خشيتُ على نفسي، ورمتني أفكاري بعيدًا، لكنني علمتُ لاحقًا أنه كان دربًا من دروب سذاجتي؛ إذ اعتقدتُ أن أحد اللصوص يتبعها، وذهبتُ خلفها لأختبئ مثلها، فوجدتها تُخفي جسدها النحيل خلف سيارةٍ مغطّاةٍ بغطاءٍ بالٍ، يعلوه غبارٌ، وكأن عواصفَ الشتاءِ خصّته وحده بخيراتها.
اقتربتُ منها أسألها، فإذا بها تُخرج شبهَ مطواةٍ وتهدّدني أن أُعطيها كلَّ ما في جيبي، وإلا استدعت فضيحةً توصمني بها. فضحكتُ حتى ترقرقتِ الدموعُ في عيني، وقلتُ لها: ما أغباكِ! إن كان معي مالٌ، فما الذي أقعدني هكذا يا بلهاء؟ إنه ضيقُ الحالِ الذي قيّد نحري. تركتُها ولم ألتفتْ إليها، واتجهتُ إلى بيتي. رمقتُها بطرف عيني، فوجدتُها قد مضتْ لحالِ سبيلها.
كنتُ أشعرُ بأن خاطري ما زال مثقلًا، لكنني حمدتُ الله أنه لم يُصِبْني مكروهٌ من المرأة التي كانت تريد سرقةَ جيبي الفارغ.
وفجأةً يدقُّ الهاتف؛ كانت زوجتي تتصل لتطمئن، فأخبرتُها أنني على بعد خطواتٍ وأصل. وعندما وصلتُ أولَ الشارع الذي أقطن فيه، وجدتُ رجلًا عجوزًا يرتجف، يجلسُ بمدخلِ عقار، وحارسُ العقار يدفعه دون رحمةٍ إلى الخارج. فإذا بالرجل يسقط أمامي. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أدفع الحارسَ بمثل فعلته بالعجوز، وما كان منه إلا أن أغلق بابَ العقار دون أن يتحدث معي ببنت شفة، وانصرف إلى حجرةٍ يمينَ المصعد.
ساعدتُ الرجلَ على النهوض، فدعا لي، فشعرتُ أن الله وضعه في طريقي لأتذكّر أن هناك أناسًا أكثر معاناةً مني. ساعدتُه على الاختباء من البرد في إحدى المداخل القريبة من بيتي. هاتفتُ زوجتي واستدعيتُ منها الرحمة، وأخبرتُها بما حدث، وطلبتُ أن تُرسل مع أحد أبنائي غطاءً لهذا المسكين يقيه بردَ الشتاءِ القارس. فجاء ابني بالغطاء، فوضعته عليه؛ كان يرتجف. ورقَّ قلبُ زوجتي فأرسلت فطيرتين كانتا قد صنعتهما صباحًا، وعندما هممتُ بإعطائهما له وجدته قد غفا.
وضعتُهما بجواره، وتركته، وذهبتُ محتضنًا بيدي كتفَ ابني، سعيدًا بما فعلت. والغريب أن الثقلَ الذي كان على صدري زال؛ أشعرُ بروحٍ تُحلّقُ مع نسمةٍ رقيقةٍ وبعضِ الندى. أخيرًا تخلّصتُ من ذلك الثقل.
ولكن ما كدنا نصل إلى البيت إلا ووجدتُ أخي يناديني من الشارع المقابل. تساءلتُ في نفسي: ماذا جاء به هكذا ليلًا؟ يا ليت الأمورَ تكون على ما يرام. سلّمتُ عليه، فوجدته يُخرج من جيبه مبلغَ ثمانمئةِ جنيهٍ ويضعه في يدي، وقال: هذا المبلغُ الذي اقترضتُه منك منذ شهرين؛ الحمدُ لله تحسّنتِ الظروفُ. وتركني وذهب قبل أن أتحدث.
نظرتُ في عيني ابني، وضممتُ رأسه إلى صدري، وحمدتُ الله. ثم دخلنا العقار نركض، إذ بدأت الأمطارُ في الهطول الشديد، وكأن السماءَ تُبشّرُ بعطائها.










