في البداية كان الصوت. صوت عالي، حنجرة مبحوحة، شعارات على الحيطان تُمحى مع أول مطر. كنا نظن أن الصراخ وحده يكفي. لكن “الغضب نص صوت من غير معنى” جملة تقصّ الحقيقة من المنتصف. نغضب لأننا موجوعين، لكننا لا نقول لماذا، ولا لمن، ولا ماذا بعد الصراخ.
الحكومة التي تأكل في عظام الناس لا تفعلها بالعصا وحدها. تفعلها بالانتظار.
بالانتظار في طابور الخبز، في طابور المستشفى، في طابور الوظيفة التي لا تأتي.
تأكل عظامك وأنت مشغول بإقناع نفسك أن “الحال ماشي”.
وما لا يُلاحظ هو أن “الحال ماشي” هذه هي نفسها الآلة التي تطحنك.
نفهم متأخرين.
متأخرين أن الوعد الذي صدقناه كان موعدًا مع الخيبة.
متأخرين أن “الاستقرار” الذي بيع لنا كان استقرار القبر، لا استقرار البيت.
لنرى كم كنا مبكرين في الوهم. صدقنا أن تغيير الوزير يغير السياسة. فتغير الوزير، وبقيت السياسة هي نفسها، فقط غيّرت ربطة العنق.
وحين يعود الحزن القديم، لا يعود كذكرى. يعود كتشخيص.
هو الحزن الذي يهمس لك: “ألم أقل لك؟”.
وجعك الذي كبلني بالحديد ليس وجع السجن، بل وجع العادة. عادة أن تستيقظ لتشتغل لتعيش لتشتغل. عادة أن تخاف على لقمة ابنك أكثر من خوفك على كرامته.
هذا الحديد لا يُرى، لكنه أثقل من أي قيد.
رماد القلب ليس نهاية الحكاية.
الرماد دليل أن هنا كان حريق. حريق سؤال لم يُطرح بصوت عالٍ:
لماذا علاقتنا بالدولة صارت علاقة دائن بمدين؟ لماذا صار الوطن مكانًا للدفع، لا مكانًا للانتماء؟
الحريق موجود. المشكلة أننا تركناه يحرقنا من الداخل.
الغضب بلا معنى يحرقك أنت. أما الغضب الذي يعرف هدفه، فهو الوحيد القادر أن يحرق ما يستحق الاحتراق.
المقال لا ينتهي بدعوة للثورة.
ينتهي بدعوة للفهم قبل أن نفهم متأخرين مرة أخرى.
ينتهي بسؤال بسيط:
هل تريد أن تكون صدى صوت بلا معنى، أم أن تكون أنت من يحدد المعنى؟










