أقولها بملء في، سيظل المخرج الراحل الدكتور عادل العليمي هو المؤسس الأول وصاحب بذرة مشروع “نوادي المسرح”، ذلك الحلم الذي غير وجه الثقافة الجماهيرية في مصر، وهو الذي ترأس الدورة الأولى للمهرجان والتي أقيمت في دمياط عام 1989 ( حسب معلوماتي المتواضعة). ثم جاء من بعد المؤسس الأستاذ العظيم/ سامي طه؛ ليكون هو الأب الروحي الحقيقي للنوادي؛ حيث تسلم الراية ومضى بالمشروع نحو آفاق أرحب، فثبت أركانه بعبقرية إدارية وفنية جعلت من النوادي بيتاً حقيقياً لكل المبدعين.
لقد عشت تلك الفترة الذهبية وشهدت كيف ازدهرت الفلسفة الإبداعية للنوادي تحت قيادتهما، ولا يمكنني أبداً أن أنسى الدور الذي قام به الراحل حسن عبده قبل الحريق في إدارة النوادي وإرساء دعائمها، حتى داهمتنا فاجعة “حريق بني سويف” المشئوم؛ تلك اللحظة القاسية التي فقدنا فيها كبار نقادنا وعشاق المسرح من شبابنا المبدعين.
ورغم ذاك الجرح، رأيت شعلة المشروع تقاوم بفضل فنانين محترمين تسلموا الراية من بعدها، مثل الفنان شاذلي فرح، وصولاً للفنان محمد طايع، واليوم، ومن واقع مسؤوليتي وانتمائي، أرى أننا أحوج ما نكون لاستعادة تلك الروح الأصلية التي غرسها جيل الرواد.
* الفلسفة في الميدان: رحلتي مع رفقاء الدرب
- أتذكر كيف كان كل إقليم ثقافي يضج بأكثر من عشرين تجربة يقدمها الشباب بكل حرية، تحت أعين لجان متابعة من كبار النقاد الذين علمونا بالنقد البناء كيف يكون الفن.
بدأت رحلتي الشخصية في نوادي المسرح بنصي “هزل × هزل” مع المخرج سعد عبد الموجود بـ دير مواس عام ١٩٩٥ : ١٩٩٦ ، وصُعدنا للمهرجان الإقليمي بـ بني مزار بدعم وتنظيم المخرج الكبير حمدي طلبة وهناك تشاركنا مع عشاق المسرح في تحويل أماكن مهملة إلى منصات فنية، وسط عروض مسرحية جادة وندوات نقدية تمتد حتى الصباح.
ولا ننسى ملحمة عرض “شموع” بـ صدفا بأسيوط مع الراحلين عبده طه ومحمد فرغلي، وحصول العرض على المركز الأول بختامي الإسماعيلية 1997 على أنغام أغنية ( زهرة المدائن ) بتوزيع فني مختلف من الفنان محمد فرغلي.. وقامت أكبر مظاهرة ضد الكيان الصهي.. وني، وفي نفس العام شاركنا باسم مصر في مهرجان المسرح التجريبي.. وتحمس الاستاذ سعد عبد الرحمن ( رحمه الله ) بعمل أكبر ندوة نقدية للعرض على هامش معرض الكتاب بأسيوط وقدم الندوة النقدية العظيم/ صلاح شريت ويومها صالة العرض كاملة العدد وزيادة.
وبعد عام 1997، استمر الزخم؛ فكان المبدع أيمن الهلالي يجسد التمرد بعرض “الصرخة” في قصر أحمد بهاء الدين عام ١٩٩٨، وآمن الفنان ماهر بشرى بنصوصي واهتم بها بشكل خاص، فقدمها في عروض بجمعية محبي الفنون والآداب بالمنيا وحصدت العروض على جوائز عديدة بدءا من عام ١٩٩٨. وتواصل عطائي مع رفيق الدرب خالد أبو ضيف بعرض “لعب عيال” في ساحل سليم عام ١٩٩٨، ثم عرض “أصالة” بـ قصر ثقافة أحمد بهاء الدين عام ١٩٩٩، لتستمر تجارب الدراما الحركية كشهادة نجاح لهدف النوادي.
* خارطة الطريق: كيف نعيد الروح لبيت الشباب؟
- للحفاظ على هذا المصنع الإبداعي الذي تخرج منه 90% من متصدري الساحة الآن، هذه رؤيتي للإصلاح:
1 – الحرية والمسئولية الكاملة:
أطالب بأن يتحمل الشاب مسئولية اختيار مشروعه كاملاً (بعيداً عن المحظورات الثلاثة)، مع إلغاء الرقابة أو الرقيب على العروض المسرحية؛ فلم تكن موجودة في عهدنا الذهبي.
2 - ثورة على النصوص المستهلكة:
لابد من الاهتمام بالنصوص الجديدة للشباب، ويكفينا تكراراً لنصوص استُهلكت مثل “شفيقة ومتولي” وغيرها من النصوص التي استُهلكت تماماً.
3 – التركيز على “التجربة الأم”:
أرفض تفكيك التجارب( مثل نوادي مسرح مميز ) لأكثر من كيان أو نوع جديد يشتت الجهود، وأتمنى التركيز على المنتج الإبداعي المتكامل واعتماد المتفوقين وتكريمهم رسمياً.
4 – الشفافية والتعليم:
عودة الورش الفنية والثقافية خلال مدة اقامة المهرجان الختامي للنوادي.
5- دور الناقد المعلم:
استعادة دور كبار النقاد في لجان المتابعة لتقديم توجيه حقيقي لا مجرد إجراءات إدارية جافة.
6 – البعثات الخارجية:
أتمنى عودة البعثات المسرحية للشباب إلى الدول الأوروبية المتقدمة فنياً لنقل أحدث الخبرات العالمية وتطوير أدواتنا المحلية.
7 – أتمنى الأهتمام بالعروض التجريبية التي من أجلها كانت فلسفة تأسيس النوادي.
8 – رقمنة أو عمل ذاكرة للعروض التي تقدم في المهرجانات الختامية للنوادي فربما تجد من يتناولها في رسائل علمية بالجهات المختصة بالمسرح.
9 – مناقشة المشاريع :
أرفض وبشدة مناقشة المشاريع المقدمة من شباب النوادي والتي تشترط مشاهدة نسبة 50 % من العرض حتى توافق الإدارة العامة للمسرح على إنتاج التجربة.
10 – لجنة النقاد:
أتمنى أن تنقسم لجان التقييم كالآتي: - لجنة متعددة لاختيار عروض النوادي للمهرجان الإقليمي لكل إقليم على حده من كبار النقاد.
- لجنة موحدة لاختيار العروض للمهرجان الختامي على مستوى الجمهورية من كبار النقاد.
إننا لا نطالب بالمستحيل، بل بعودة “نوادي المسرح” لتكون الرئة التي يتنفس من خلالها المبدعون، وفاءً للتاريخ واستشرافاً للمستقبل.. “أعطني خبزاً ومسرحاً.. أعطيك شعباً مثقفاً”.
راهب المسرح










