كنت أراقب في الأيام الماضية (من دون صمت) الحديث الدائر بين الكتّاب، مِن ذلك المبتدئ الذي ما زال يحلم بإتمام روايته الأولى، ليهديها لمن حوله ويكتب لهم إهداءً بقلمه (الذي قد يكون سعره أغلى مما سيجنيه من تلك الرواية)، متخيّلًا بذلك صعوده سلم المجد الروائي، وصولًا إلى الكاتب الكبير الذي ربما بدأ الكتابة قبل أن تظهر دار النشر نفسها.
وحتى كتابة هذا المقال، كانت بعض دور النشر تتحفّظ من آراء الكتّاب حول ما يجدونه من «عناء النشر»، فهم يتحدثون عن المبلغ البسيط الذي يتقاضونه عن روايتهم، أو عن المماطلة في تاريخ النشر التي قد تزيد عن سنة ليُسمَح لكتبهم بالنشر! تردُّ بعض دور النشر على الكتّاب، باستحياء، أنها تقدِّم للكاتب خدمة كبيرة في التحرير الأدبي وحفظ حقوقه، ناهيك عن مساعدته في وصول الكتاب إلى رفوف المكتبات التجارية (هل أحتاج إلى أن أسرد لك عن شُح هذا النوع من المكتبات لدينا؟).
أزمة دور النشر في السعودية وعلاقتها المتوترة بالكتّاب ليست وليدة اللحظة، إذ أن هذه القضية طفت على السطح مرارًا، وتحوّلت إلى صراعٍ صامت حينًا ومعلنٍ أحيانًا أخرى؛ كتّاب يشكون من غياب الشفافية في أرقام المبيعات، ودور نشر تشتكي من عزوف القرّاء وارتفاع تكاليف الورق. وفي وسط هذه المعركة، كان الضحية الأكبر هو الشعور بالكتابة ذاته. فالكثير من المبدعين فقدوا شغفهم، وتحولت الكتابة من فعلٍ إنساني متدفّق إلى عبءٍ ثقيل يخلو من أي مردود عادل.
المفارقة المزعجة حقًّا، أنك حينما تتأمل المشهد الثقافي والفني من حولك، تجد أن الدعم المادي يتدفّق بسخاء نحو الصناعات الأخرى، مثل صناعة السينما والموسيقا والمسرح، وهو أمرٌ مفرحٌ بلا شك. لكن، في الوقت ذاته، يقف عالم الكتابة والتأليف وحيدًا في الظل، يصارع أهلُه من أجل البقاء، وبجهودٍ فردية محضة. فأنّى لكاتبٍ أن يستمر في الإبداع وهو يرى أن أجر مقطوعة موسيقية أو مشهد تمثيلي يفوق ما يجنيه من كتابٍ أفنى فيه سنوات عمره؟
أطلب هنا أن نكون صادقين قليلًا في حقيقة قيمة الكتابة، فلا يجب دومًا أن يردّد الكُتّاب دونًا عن غيرهم من المبدعين حجة: «نحن لا نكتب لأننا نبحث عن المال وإنما لشعور الكتابة ورغبةً في نشر المعرفة».
هو هدف لا شك يحمل قدرًا عاليًا من النبل، ولكن لا ننكر أن الجانب المادي مهمٌّ أيضًا، والكتاب يستطيع أن يحقّق لك جانبًا ماديًّا جيدًا. وكل الفنون يُفترَض بها أن تهب صاحبها رصيدًا ماليًّا، إلى جانب الإرث أيضًا.
وحقيقة أن «النشر بات صعبًا» كما يُقال، يجب أن تجعلنا ننتقل إلى مرحلة مقبلة من النشر. مرحلة تشبه تلك التي سبقنا عليها صُنّاع الأفلام مثلًا، حينما بدأ كبار المخرجين بالتوجّه إلى المنصات المدفوعة رغم سحر عرض الفِلم بالسينما، أو إنتاج المغنين لأغانٍ ضمن شركات كبرى تكفل لهم الدعم المادي بعيدًا عن تعب الحفلات والترويج الذاتي.
هذه الحقيقة المُرّة تفرض علينا أمرًا واحدًا: يجب أن نواكب العصر. لا يمكننا الاستمرار في البكاء على أطلال العقود الماضية، وانتظار أن يتغير شكل العقود الورقية مع دور النشر التقليدية. لقد منحتنا الثورة الرقمية أدواتٍ لم تكُن متاحةً لأجيال من الكتّاب قبلنا. وهذا يقتضي أن نقدّم شكلًا جديدًا للنشر قد يكفل لكلا الطرفين حقوقهما. فالكاتب ينشر بمقابل مادي خاص، ودور النشر تجتهد في استحداث منصّات تستحق استقطاب الكتّاب وتجعل من نفسها مطمعًا للنشر.
الفصول المدفوعة، عودة لزمن «الرواية المسلسلة»
في السابق كانت روايات كبار الروائيين تُنشَر في الصحف والمجلات على شكل فصولٍ أسبوعية. فروائيّون مثل تشارلز ديكنز أو ديستويفسكي، نشروا أعمالهم مسلسلةً في الصحف، فصلًا تلو الآخر، وانتظرها القرّاء بشغف. اليوم، قد تعود هذه الفكرة ولكن بعباءة رقمية حديثة.
منصات مثل «باتريون» (Patreon) تتيح للكاتب نشر كتابه أو روايته على شكل فصول متسلسلة لمشتركيه بالمبلغ الذي يرضيه. أو قد ينشرها في مواقع النشر المعروفة مثل «وورد بريس»، أو منصة كتابة التي صرَّح مؤسِّسها مؤخرًا أنهم بصدد إضافة خاصية الدعم المادي للكاتب، وهذا دليل على أن المنصات العربية بدأت تفطن لقيمة هذا النوع من النشر.
هذا الحل يضمن للكاتب استمرارية الدعم المادي المباشر من قُرّائه الحقيقيين الذين يؤمنون بقلمه، ويجعله في تواصل دائم معهم. هو يقرأ تفاعلاتهم مع كل فصل، ويستمع لملاحظاتهم، وتنشأ بينه وبينهم حالة من الشراكة الوجدانية، متحرّرًا من قيود أوقات النشر، مثل مواسم معارض الكتاب التي تأتي وتذهب ولا تترك خلفها سوى غبار الكراتين المكدّسة.
موقعك الخاص، مكتبتك ومتجرك
لماذا نرهن أعمالنا لرفوف مكتباتٍ قد تخفي الكتاب خلف مئات العناوين الرائجة، أو تضعه في زاوية معتمة لا يمرّ بها أحد؟ تأسيس موقع إلكتروني خاص بالكاتب أصبح أسهل من أي وقت مضى، ولا يتطلب خبرات برمجية معقّدة. في هذه المساحة الشاسعة، أنت الحاكم وأنت أمين المكتبة. يمكنك بيع نسخك الرقمية مباشرة للقارئ في أي مكان في العالم، أو حتى توفير خدمة «الطباعة عند الطلب» (Print on Demand). هنا، يذهب كامل الجهد والمردود إليك وحدك، وتبني قاعدة بيانات لقرّائك لا تستطيع أي دار نشر أن توفرها لك.
حينما تصدر كتابك الثاني لن تبدأ من الصفر، كلا! ستراسل قرّاءك الذين اشتروا كتابك الأول بضغطة زر، وبإمكانك صناعة ولاءٍ خاصٍّ بك، وكسب الشراكات والدعم من الجهات الأخرى. يجب أن تأخذ مشروعك الأدبي كمشروعٍ حقيقي قائم يستوجب السعي والجهد.
النشرات البريدية والاشتراكات المباشرة
اكتسبت منصات النشرات البريدية في بدايتها سمعةً بأنها مجرد وسيلة تواصل لإرسال الأخبار (أو عروض المطاعم)، لكنها الآن أصبحت نموذج عمل متكامل ومنبرًا حرًّا للمبدعين. يمكن للكاتب أن يقدم محتوًى مجانيًّا يبني من خلاله موثوقيته، ومحتوى آخر حصريًّا ومكثّفًا للمشتركين الداعمين شهريًّا كما نفعل في نشرة «إلخ».
أثبت هذا الأسلوب نجاحه في الغرب، وبدأ يجد طريقه بخطوات خجولة في دولنا العربية. القارئ اليوم مستعد للدفع شهريًّا لدعم كاتبه المفضّل ليضمن استمراره في تقديم محتوى أصيل وحقيقي، بعيدًا عن إملاءات الخوارزميات وتوجهات السوق.
الكتب الصوتية والبودكاست
هناك مجال آخر يمكن للكاتب أن يستثمر فيه صوته ونصه معًا، عبر تحويل الكتب إلى إنتاج صوتي في منصات البودكاست أو التطبيقات المخصصة للكتب الصوتية. (هل سمعت مثلًا تجربة أحمد الحقيل في سرد روايته «الحافة المطلة على العالم» في تطبيق راديو ثمانية؟)
سواء كان مُنتَجًا مدفوعًا، أو مدعومًا بالإعلانات والرعايات، فإن الكتاب الصوتي يخلق مسارًا إضافيًّا للدخل. قد لا يملك القارئ اليوم الوقت للجلوس وقراءة كتاب من 300 صفحة، ولكنه يملك الوقت للاستماع إليه في أثناء قيادته في زحام الطرقات أو في أثناء ممارسته الرياضة. الكاتب المرن هو من يذهب إلى قارئه في المساحة التي تناسبه.
إننا نقف على أعتاب مرحلة انتقالية حتمية، تشبه تلك اللحظة التي توقفتْ فيها الصحف عن طباعة أعدادها المليونية وانتقلت إلى الشاشات. لا بد أن يأتي أسلوب جديد تتغير فيه قواعد اللعبة، وتُخلَق فيه مسارات تضمن كرامة الكاتب وتدعمه ماديًّا ومعنويًّا قبل أي شيء آخر. ولكن، حتى لا تُفهَم كلماتي بنحوٍ خاطئ؛ هذا لا يعني إطلاقًا أن زمن «الكتاب الورقي» قد انتهى.
أنا من سكّان منطقة القراءة الذين يقدّسون الورق. رائحة الحبر، وملمس الغلاف، وتلك الحميمية التي نشعر بها حينما نقلّب الصفحات تحت إضاءة خافتة، هي أشياءٌ لا يمكن رقمنتها أبدًا. ذلك الشعور بالانتصار الصغير حينما تضع فاصل الكتاب وتغلقه لتنام، هو شعورٌ أصيل لن تعوّضه شاشات الأجهزة.
الورق لن يموت، ولكن دوره سيتغير. سيصبح الكتاب الورقي «تتويجًا» لرحلة الكتابة، نسخة فاخرة يقتنيها القارئ المحب ليضعها في مكتبته كقطعة فنية، بعد أن يكون الكاتب قد حصد نجاحه ودعمه رقميًّا. سنستمر في القراءة، وسنستمر في طباعة الكتب، والمكتبات ستظل عامرة، لكننا لن نسمح بعد اليوم بأن تكون دور النشر التقليدية هي حارس البوابة الوحيد الذي يقرر من يمر ومن ينشر ومن يبقى في الظل. إنها دعوة إلى التحرّر، ولإعادة الكتابة إلى سيرتها الأولى: علاقة نقية ومباشرة بين الكاتب وقارئه.










