قصة قصيرة
إستيقظت باكرا قبل دقائق من أذان الفجر على رنين الهاتف الجوال ليخبرني بأن لي إتصال من عالم الأثير!،
فتحت الخط وأجبت بكلمة نعم والنوم مازال يسيطر على حواسي كلها، رددت كلمة نعم دون أن أعرف من المتصل ومن يكون على الجانب الآخر من الهاتف، ثم أردفت متسائلا من معي تفضل، أجابني صوت إنثوي جميل يملؤه الحب والحنان والطمأنينة، صوت ليس بغريب على مسامعي، كان صوتها الجميل يشبه صوت الغالية المرحومة أمي الذي غابت عنا منذ ثمان سنين، لا شعوريا قلت بصوت بريء وأقرب إلى الإستغراب، صوتك يشبه صوت أمي!!، إرتجفت للحظة وأعدت السؤال وبحلقي غصة، حاولت لحظتها أن أكون بكامل وعيي لأكرر السؤال من معي لو تفضلتِ؟ أجابتني بصوتها الحنون أنسيت صوتي يا ولدي! هل إرتحلت من عالمكم، لأنمحي أبداً من دفاتر الذكريات، أنا أمك يا نظر عيني…. أمك.
لحظات من الصمت كأنني أحاول إبتلاع الصدمة، متسائلا هل حقا هي أمي المتوفية وقد عادت إلى الحياة؟!
لتقطع عليَّ تلك اللحظة وتقول أنا أمك يا إبني الحبيب، لقد عظم شوقي الكبير إليك وجعل أمواج الحنين تشتعل في قلبي، لقد كان لي رجاء كبير بأن أأتي إليك، لأعود ولدقائق لعالمكم عالم الأحياء، لأسمع صوتك فلقد ملكني الشوق إليك، لقد أردت أن أتكلم معك….
أردت أن أسمع صوتك….
أردت أن أعرف أخبارك….
أردت أن تخبرني عن حالك…. وحال عائلتك… زوجتك الطيبة وأطفالك.
لقد مضت عشر سنين منذ أن غادرت دنياكم وأصبحت في عالم السماوات، إنني مشتاقة لك ولأخبارك يا فلذة فؤادي بعد كل هذه السنين،….
نظرت إلى الهاتف وأنا مازلت بين الشك واليقين …. لأقول لها …..:
آااااخ يا أمي، ما زلت غير مصدق بأنك تتحدثين معي عبر الهاتف، أمر لا يصدق في عالم الأحياء ولكنني أأكد لك بأن السعادة التي تغمرني ليس لها حدود أو مثيل لسماعي صوتك الحنون، بودي لو إنني أستطيع أن أوقظ زوجتي وأطفالي لكي يعيشوا معي هذه اللحظات الجميلة والسعيدة وينعموا بسماع صوتك الحنون مثلما أفعل ونفعل عندما يلفنا الشوق إليك ونستمع لتسجيلاتنا القديمة معك ولحديثك العطر لنا، تأكدي يا أمّي برغم السنين التي مرّت منذ رحيلك، والتي لم تكن أرقامًا تُعدّ على صفحات التقويم، بل كانت أعوامًا من الشوق المقيم، والحنين الذي لا يهدأ، والفراغ الذي لم يملأه أحد مهما أحاطت بي الوجوه والأصوات.
نظرت إلى الهاتف، أردت مواصلة حديثي معها فلم أستطع للحظات حيث توقفت الكلمات في حلقي، وتجمّدت أطرافي، وشعرت كأن الزمن قد انشقّ فجأة، وأعاد إليّ لحظة كنت أظن أنها لن تعود أبدًا.
قلت بصوتٍ متكسّر، تختلط فيه الدهشة بالبكاء: أمّي… أحقًا أنتِ؟
فأنا ما زلت متشكك بأنني أعيش لحظات من حلم جميل وفريد، ضحكت ضحكتها المعتادة بصوتها الإنثوي الرقيق، كانت ضحكتها الحنونة التي تشبه نسيم الفجر حين يمرّ على قلبٍ مثقل بالهموم، وقالت: وهل يخطئ القلب نبضه يا إبني؟ وهل تنسى الروح جزءًا منها؟ أنا أمك التي كانت تسهر على مرضك، وتفرح لفرحك، وتحزن لحزنك، وتدعو لك في كل لحظة. ظننت أنك ستفرح أكثر بسماع صوتي.
انفجرت بالبكاء كما لم أبكِ منذ طفولتي، وقلت: وكيف لا أفرح يا أمي؟ لقد اشتقت إليك شوق الأرض للمطر، وشوق اليتيم لدفء حضنٍ ضاع منه قبل الأوان. رحلتِ وتركتِ في قلبي فجوةً لم يملأها الزمن، وكلما ظننت أنني تعافيت، عاد طيفك ليذكرني أن بعض الغياب لا يُشفى منه الإنسان.
قالت بصوتٍ يقطر حنانًا: أخبرني عنك يا نور عيني. كيف أصبحت؟ هل ما زلت تحمل قلبك الطيب نفسه؟ وهل ما زلت تُؤثر الآخرين على نفسك؟ وهل وجدت في الدنيا ما يستحق كل هذا التعب؟
تنهدت طويلًا، ثم قلت: كبرت يا أمي، لكنني لم أكبر على حاجتي إليك. تعلّمت من الحياة أشياء كثيرة، وخسرت أيضا فيها أشياء كثيرة، وعرفت أن الدنيا لا تمنح أحدًا كل ما يريد. نجحت أحيانًا، وتعثرت كثيرًا، وضحكت أمام الناس، وبكيت وحدي في الليالي الطويلة. كنت في كل محنة أبحث عنك، عن يدك التي كانت تمسح على رأسي وتزيل همي وتعيد القوة لنفسي وروحي، ومازلت أبحث عن دعائك الذي كنت أسمعه منك كلما خرجت من البيت.
سكتت قليلًا، ثم قالت: كنت أراك يا بني.
شهقت من هول ما سمعت: ترينني؟
قالت: نعم، كنت أراك حين تنهار وتكتم دموعك كي لا يراك أحد. كنت أراك حين تجلس وحيدًا تنظر إلى صورتي. وكنت أسمع دعاءك حين ترفع يديك وتطلب من الله أن يرحمني.
لا تظن يا بني أن المحبة تنقطع بالموت؛ الموت يغيّب الأجساد، لكنه لا يطفئ نور الأرواح.
قلت بحرقة: إذن لماذا تركتني كل هذه السنوات؟ لماذا لم أسمع صوتك إلا الآن؟
أجابتني برقة: لأن لكل لقاء موعدًا يحدده الله، ولأنك الليلة كنت أكثر احتياجًا إليّ من أي وقت مضى.
أطرقت برأسي، فقد كانت محقّة. ففي الليلة الماضية، كنت قد عدت من المستشفى بعد وعكة صحية ألمّت بي. جلست وحدي في غرفتي أتأمل هشاشة الإنسان، واستعدت وجهها وصوتها، وتذكرت حين قلت بحرقة وأنا خائف وحزين حينها وأنا على السرير الأبيض في غرف الطوارئ بالمستشفى: “ليت أمي هنا، فقط لتقول لي إن كل شيء سيكون بخير. فكلامك يا أمي يعيد لي الحياة مهما كان اليأس ينتابني.”
قالت وكأنها قرأت ما في صدري: كل شيء سيكون بخير يا حبيبي، ما دام قلبك متعلقًا بالله، وما دام الخير يسكن نيتك. لا تخف من الدنيا، فهي رحلة قصيرة مهما طالت. ولا تحزن على ما فاتك، فما كتبه الله لك سيأتيك في حينه، فكن قوي الأيمان به وبلطفه على عباده.
قلت وأنا أمسح دمعي: أتعلمين يا أمي؟ أكثر ما يؤلمني أنني لم أوفك حقك. كنت أظن أن الوقت طويل، وأنني سأملك فرصًا كثيرة لأردّ لك شيئًا من جميلك، ثم جاء الرحيل فجأة، وبقيت مثقلًا بندمٍ لا يفارقني.
قالت بحزم ممزوج بالمحبة: لا تقل هذا يا ولدي. برّك بي لم ينقطع. دعواتك تصلني، وصدقاتك تنير قبري، وذكرك لي بين الناس يرفع منزلتي عند الله. تأكد يا حبيبي بأن الأم لا تنتظر من أبنائها جزاءً ولا شكورًا؛ يكفيها أن تراهم صالحين، مستقيمين، رحماء بمن حولهم.
ثم أضافت بصوتٍ أكثر عمقًا: لكنني حزينة من شيء واحد.
ارتجف قلبي، وسألت بلهفة: ما هو يا أمي؟
قالت: أراك تحمل همومًا كثيرة في قلبك، وتخفي وجعك خلف ابتسامة هادئة. أراك تسامح الجميع إلا نفسك. يا بني، كن أرفق بقلبك. ليس كل ما حدث كان بيدك، وليس كل خسارة كان يمكنك منعها.
بكيت بصمت. كانت أول مرة منذ سنوات أشعر أن أحدًا يفهمني تمامًا.
ثم قالت: وأريد منك وعدًا.
قلت: أعدك بأي شيء تطلبينه.
قالت: أن تعيش ما تبقّى من عمرك مطمئنًا. أن تحب من يحبك، وأن تصل رحمك، وأن تجعل لك نصيبًا من الفرح. لا تجعل الحزن على الراحلين يحرمك من حقك في الحياة ولا خلافك مع الآخرين ينغص عليك معيشتك ويقلق راحة البال لديك. نحن يا بني لا نغيب لنطفئ قلوب من نحب، بل لنترك فيها نورًا يهديهم بحول الله وقوته.
همست: أعدك يا أمي.
ساد صمت قصير، لكنه كان صمتًا مهيبًا، كأن الكون كله ينصت لهذه اللحظة.
ثم قالت بصوتٍ بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا: اقترب الفجر يا بني، وقد آن موعد الرحيل.
صرخت بذعر: لا يا أمي، أرجوكِ لا تغلقي الخط. بقي في قلبي كلام كثير، وبقيت لديَّ أسئلة لا تنتهي.
قالت: حين يشتد بك الشوق، ادعُ لي، وستجدني أقرب إليك مما تظن. وإذا ضاقت بك الدنيا، فتذكر أن لك أمًا في السماء تدعو لك كما كانت تدعو لك على الأرض.
ثم ختمت بكلماتها الأخيرة: أحبك أكثر مما تتصور، وسأظل أنتظرك عند أبواب الرحمة، يوم يجمع الله الأحبة الذين لم تغيّرهم المسافات ولا فرّقتهم السنون.
وانقطع الخط.
نظرت إلى شاشة الهاتف، فلم أجد رقمًا، ولم أجد أثرًا لأي اتصال.
وفي تلك اللحظة، ارتفع أذان الفجر بصوته العذب: “الله أكبر، الله أكبر.”
جلست طويلًا أبكي، لكن دموعي هذه المرة لم تكن دموع حزنٍ فقط، بل كانت مزيجًا من الشوق والسكينة واليقين والدعاء لها بالرحمة والمغفرة.
قمت فتوضأت، وصليت الفجر، ثم رفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم كما أكرمتني بسماع صوت أمي في هذه الرؤيا العجيبة، فأكرمها في دارها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعني بها في مستقر رحمتك، حيث لا فراق بعده، ولا شوق يؤلم القلب، ولا دمعة يحبسها الحنين.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد الشوق إلى أمي نارًا تحرقني، بل صار نورًا يرافقني، يذكّرني أن الحب الحقيقي لا يموت، وأن الأمهات وإن غابت أجسادهن، يبقين حيّات في نبض أبنائهن، وفي دعائهم، وفي كل لحظة دفءٍ تمنحهم القدرة على مواصلة الحياة.
وفي صباح ذلك اليوم، بينما كنت أرتّب أوراقي القديمة، سقطت من أحد الكتب ورقة زهراء اللون صغيرة كتب فيها عدة أسطر بخط يدها. لم أكن قد رأيتها من قبل. فتحتها بيدين مرتجفتين، فإذا بها تقول:
“إذا قرأت هذه الكلمات يومًا ما ولم تجدني بقربك، فتذكر أن الأم لا ترحل حقًا. سأكون في دعائك، وفي كل خير تفعله، وفي كل دمعة تمسحها عن وجه محتاج. وإذا اشتقت إليّ كثيرًا، فارفع يديك إلى السماء، فهناك سنلتقي عند رب رحيم.”
ضممت الورقة إلى صدري، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن الفقد لم يعد نهاية، بل أصبح عهدًا خفيًا من المحبة بين الأرض والسماء.
وفي المساء، رأيت ابنتي الصغيرة تقف عند باب غرفتي وهي تحمل صورة جدتها. اقتربت مني وسألت ببراءة: أبي، لماذا تبتسم وأنت تبكي؟
نظرت إليها، ومسحت دمعي، وقلت: لأنني سمعت اليوم صوت جدتك يا صغيرتي.
ابتسمت وقالت: إذن هي تحبك كثيرًا.
أجبت وأنا أنظر إلى السماء: نعم… وما زالت تحبني وتحبنا جميعا، فليس هنالك قلبا يتسع لحب الجميع مثل قلب الأم.
وسقطت دمعة إمتنان وحب لأمي الراحلة رحمها الله.










