في الوقت الذي نلجأ فيه إلى مكيفات الهواء والمراوح هرباً من ارتفاع الحرارة، تبقى النباتات ثابتة في مكانها، عاجزة عن الفرار. فكيف تتصرف هذه الكائنات الحية التي لا تملك أرْجُلاً لتمشي بها؟ الإجابة التي كشف عنها مؤخراً علماء معهد “سالك” للأبحاث البيولوجية (Salk Institute) قد تكون مفتاحاً لثورة زراعية في عصر التغير المناخي.
آلية ذكية تشبه “الثرموستات”
نشر فريق من الباحثين بقيادة الدكتورة لوسيا سترادر (Lucia Strader) دراسة في مجلة Nature Communications العلمية المرموقة في 27 مارس 2026، كشفوا فيها النقاب عن آلية بيولوجية دقيقة داخل الخلايا النباتية تشبه “الثرموستات” الداخلي .
تقوم هذه الآلية على بروتينات تسمى “عوامل استجابة الأوكسين” (ARFs)، وهي بروتينات تعمل كشركاء لهرمون النمو النباتي المعروف باسم “أوكسين” (Auxin). ففي درجات الحرارة الباردة، تتجمع هذه البروتينات في حالة غير نشطة داخل سيتوبلازم الخلية، مخزنة على شكل كتل خاملة. لكن عندما تبدأ الحرارة في الارتفاع، تصبح هذه البروتينات أكثر قابلية للذوبان، فتتحرر من كتل التخزين وتنتقل إلى نواة الخلية لتنشيط الجينات المسؤولة عن النمو .
حل لمفارقة علمية عمرها عقود
تقول الدكتورة سترادر، الأستاذة والمحاضرة في كرسي “هاورد إتش وماريام آر نيومان” لبيولوجيا النبات في معهد سالك: “لطالما عُرف أن النباتات تنمو بمعدلات مختلفة حسب درجات الحرارة المختلفة، لكننا اكتشفنا الآن هذا البروتين الذي يمكنه استشعار الحرارة بشكل مباشر، وبالتالي تعديل نمو الجذور” .
وتضيف: “هذه خطوة كبيرة نحو فهم كيفية دمج النباتات للإشارات البيئية في دورة حياتها”.
المثير للدهشة أن هذا الاكتشاف يحل مفارقة علمية حيّرت الباحثين لعقود. فالعلماء كانوا يعلمون أن درجات الحرارة الدافئة تزيد من مستويات هرمون “الأوكسين”، وهو ما يفترض أن يبطئ نمو الجذور. لكن في الواقع، ترتفع الحرارة فتزداد الجذور نمواً! والسبب، كما اتضح الآن، هو أن البروتينات الشريكة لهذا الهرمون (ARFs) هي التي تقوم بالمهمة الأساسية، متجاوزة التأثير المثبط لهرمون الأوكسين .
سرعة فائقة في الاستجابة
ما يميز هذه الآلية هو سرعتها الفائقة. فبدلاً من اضطرار النبتة إلى تصنيع بروتينات جديدة من الصفر -وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً- فإنها تعتمد على إعادة توزيع البروتينات الموجودة لديها بالفعل من خلال تغيير خصائصها الفيزيائية. ويصف الباحث إدوارد ويلكنسون (Edward Wilkinson)، الباحث السابق في مختبر سترادر، هذه الآلية قائلاً: “لديك هذا المخزون من البروتين الذي يمكن تنشيطه اعتماداً على البيئة. درجة الحرارة تسمح للخلية بنقل المزيد من هذا البروتين إلى شكل نشط” .
وكأن النبتة تمتلك “خزاناً استراتيجياً” من البروتينات في حالة احتياط، لا تستخدمه إلا عند الضرورة. ويضيف الباحث المشارك كايتلين ساجمان-فورناس (Katelyn Sageman-Furnas): “يمكنك التفكير في الأمر على أنه ترموستات مدمج داخل الخلية – إنها طريقة ذكية جداً لتنظيم النمو” .
آفاق مستقبلية واعدة للزراعة
يكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة في سياق التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة globally. ففهم كيفية استشعار النباتات للحرارة وتكيفها معها يفتح الباب أمام إمكانية هندسة محاصيل زراعية قادرة على الاستمرار في النمو حتى في درجات الحرارة المرتفعة.
وكما تشرح الدراسة، فإن قدرة الجذور على الاستمرار في النمو تحت الحرارة هي أمر حيوي لوصول النبات إلى الماء والعناصر الغذائية في التربة. وبالتالي، فإن تعزيز هذه الخاصية يمكن أن يساهم في حماية الإنتاجية الزراعية في الظروف المناخية الصعبة .
تعاون علمي دولي
الجدير بالذكر أن هذه الدراسة نُشرت بالتزامن مع دراسة مكملة من مختبر خورخي كاسال (Jorge Casal) في جامعة بوينس آيرس بالأرجنتين. وقد تعاون الفريقان بعد لقائهما في مؤتمر علمي، وقررا وضع خطط بحثية متميزة بهدف واحد: كشف كيفية تحويل النباتات للإشارات البيئية إلى نمو .
ويقول أحد الباحثين: “هذا النوع من الاكتشاف يمثل حقاً الروح التعاونية التي نتبناها في سالك، وكيف تشجع ثقافتنا على إقامة العلاقات داخل الحرم الجامعي وخارجه” .
بهذا الكشف، نكون قد اقتربنا خطوة إضافية من فهم “عقل” النبات، وكيف يتخذ قراراته في بيئة متقلبة لا هوادة فيها. فبينما كنا نظن النباتات جامدة لا تشعر، هي اليوم تثبت لنا أنها تمتلك “ثرموستات” دقيقاً يحفظ لها حياتها في زمن الاحترار العالمي.
المرجع العلمي: Wilkinson, E., et al. “AUXIN RESPONSE FACTOR thermostability.” Nature Communications, 27 March 2026. DOI: 10.1038/s41467-026-71012-y
أستاذ فسيولوجيا النبات و رئيس قسم النبات بكلية العلوم جامعة الفيوم










