يتعرض الأزهر الشريف حاليا لضغوط متعارضة من المؤيدين والمعارضين لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، كل فريق يريد أن يستنصر به، بينما يسعى الأزهر إلى التوفيق والإصلاح الهادئ بما لا يخالف الشرع الحكيم، متجنبا مزالق المواجهة والصدام، ويسير في ذلك على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وسنته “سددوا وقاربوا”، لكن هذا النهج ـ الذي يجسد حكمة الدين ورجاحة العقل ـ لا يعجب كثيرين، ولا يجد من يتفاعل معه ويستجيب له.
ويتضمن مشروع القانون الجديد للأحوال الشخصية تعديلات جوهرية على مسائل الزواج والطلاق وحضانة الأبناء والنفقة والولاية والاستضافة، وهذه التعديلات قدمت للناس على أنها تستهدف (إعادة تنظيم شئون الأسرة)، لكنها أثارت مخاوف واسعة لدى الرأي العام من أن تكون عامل هدم للأسرة ببعدها عن الشريعة الإسلامية، وتبنيها لأفكار وتوجهات غربية يراد تطبيقها في بلادنا تحت شعارات براقة مثل التجديد والإصلاح الاجتماعي وضمان حقوق الأطفال وحماية المرأة.
وبالنظر إلى الحساسية الخاصة لهذا القانون في الوجدان الشعبي، ولارتباطه بأحكام الشريعة الإسلامية وتقاليد المجتمع المصري، وبالنظر أيضا إلى تجارب سابقة أدخلت فيها تعديلات سلبية على القانون، فقد استنفرت أغلبية المجتمع المتوجسة بطبيعتها، وأعلنت معارضتها لما جرى تسريبه من مواد مريبة في التعديلات الجديدة، مثل حق الزوجة في فسخ العقد خلال 6 أشهر من الزواج، وحق الحاضنة في شقة الزوجية، وإجبار الزوج على تقديم وثائق بالتزامات مالية مرهقة خارج إطار الالتزامات الشرعية، وحرمانه من حق تطليق زوجته خلال السنوات الثلاث الأولى.
ويرى المعارضون لمشروع القانون أن النتيجة الطبيعية لهذه التعديلات ستكون تفكيك الأسرة التي هي عماد المجتمع، وارتفاع معدلات الطلاق أضعاف ما هي عليه الآن، وخروج أجيال مزعزعة العقيدة، تفتقد الاستقرار النفسي، وتفتقد الانتماء للأسرة وللوطن، فالانتماء الوطني يبدأ من الانتماء للأسرة، ويستخدم هؤلاء المعارضون وسائل التواصل الاجتماعي للضغط على الأزهر كي يتصدى للتعديلات التي يعتبرونها مخالفة للشريعة و(مطبوخة) من جهات ممولة ومشكوك في تبعيتها لأجندات أجنبية، والأزهر عندهم هو الحارس الأمين للهوية الإسلامية والأمن القومي الاجتماعي، ويحذرون من أن يرتعش أوينكمش دوره، وعليه أن يصدع بالحق في مواجهة أي قانون لا يتوافق مع ما يراه متسقا مع صحيح الدين، فقد أعطاه الدستور هذا الحق وجعله المرجعية الأساسية لكل ما يتعلق بالشئون الإسلامية.
أما المؤيدون لمشروع القانون فلا يرون للأزهر دورا في التشريع من الأساس، وإذا كان له من دور فرأيه استشاري غير ملزم دستوريا، ويطالبون بفك الارتباط بين الدين والتشريع، وهناك بعض من النواب والإعلاميين يتهمون الأزهر بالجمود وتعطيل التشريعات الإصلاحية، ومن هؤلاء المتحمسين للقانون من كانت لهم مطالب متطرفة كالاعتراف بالمساكنة بغير زواج، وعدم التزام المرأة بالمبيت في بيت الزوجية، وعدم التزامها بالعمل في البيت، وقد زعم رئيس لجنة إعداد مشروع القانون أن الأزهر شارك في المناقشات التي دارت حول التعديلات الجديدة ووافق عليها، لكن الأزهر نفى رسميا هذا الزعم، مؤكدا أن التعديلات لم تعرض عليه، وأنه يرفض أن يستخدم كغطاء لمشروع لم يشارك فيه.
وغني عن البيان أن الانقسام على دور الأزهر ليس جديدا، ويعكس انقساما تاريخيا حول دور الدين في التشريع، كما يعكس انقساما مجتمعيا أعمق بين تيارات محافظة على أصالتها وانتمائها المصري العربي الإسلامي وتيارات تغريبية تعمل على تقليد الغرب والسير في فلكه، ووسط هذا الانقسام يتمسك الأزهر باستراتيجية حذرة، يسعى من خلالها إلى تحقيق التوازن بين الإصلاح الاجتماعي والتوافق الشرعي، ويتجنب التورط المبكر في صدام قد يؤثر في تعامل البرلمان مع رأيه المرتقب.
إن مكانة الأزهر في نفوس المصريين، ومصداقيته وسلطته الأدبية والأخلاقية في الضمير الشعبي تعلو فوق مكانة المشرعين والسياسيين والقانونيين والإعلاميين، ليس لأنه مؤسسة كهنوتية مقدسة كما يشيع البعض، وإنما لأنه يمثل التيار الوسطي المعتدل بين تيارات شاردة متطرفة ذات اليمين وذات الشمال، والتزاما بهذه الوسطية العقلانية قد لا يرغب الأزهر في التعبير عن رفضه المباشر للقانون الجديد، لكن القانون لو صدر بعيدا عن الأزهر، أو دون الالتزام برأيه، فسوف يولد مذموما مدحورا، وسيظل في نظر الناس منقوص الشرعية حتى يأذن الله بتغييره.










