لم تعد الطاقة مجرد محرك اقتصادي، بل تحولت إلى “سلاح استراتيجي” يُعاد به رسم خريطة النفوذ العالمي. وتتداخل صراعات اليوم مع سلاسل الإمداد، لتصبح أزمات الطاقة أداة ضغط وتحدياً وجودياً للاقتصادات الدولية
جميع دول العالم أو، خاصة القوى العظمى عالمياً حينما تسعى إلى امتلاك مصادر الطاقة والتحكم في مفاتيحها عالمياً تكون طامحة إلى تحقيق الكثير من الأهداف، من أهمها: أولاً: إن امتلاك الدولة لمصادر الطاقة تنعكس آثاره على سرعة دوران عجلة الاقتصاد القومي لها، وهو الأمر الذي يعمل على تعزيز نفوذها وقوتها كدولة ذات طابع سياسي واقتصادي، خاصة مما سينعكس على حضورها بشكل فعال وقوي على المستويين الإقليمي والدولي،
وهو الأمر الذي يضمن لها أيضاً دورا فعالا في القضايا الدولية، ثانياً: مع امتلاك الدولة لمصادر الطاقة ومنابعها تحصل على مزايا اقتصادية وسياسية، ومن أهمها ميزة توفير عنصر الأمن، الذي يأتي مصاحباً له حالات من الاستقرار السياسي المستمر ويعتبر ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والسياسية في الدولة، مما ينعكس آثاره على انطلاق الدولة خارجياً وتعزيز سياستها الدولية.
ولا تكمن أهمية سعي جميع دول العالم وراء تأمين مصادرها من الطاقة وراء تلك الأسباب السابقة فقط، بل إنها أصبحت اليوم تحتل مرتبة في غاية الأهمية في مختلف الأجندات الدولية السياسية والاقتصادية، وتحتل مصادر الطاقة أهمية بالغة في عملية تشكيل ملامح المشهد الجيوسياسي
ولها انعكاسات وآثار بالغة الأهمية في العلاقات الدولية، حيث كانت ولازالت مصدراً للأزمات والصراعات الإقليمية والدولية، إذ لا يمكن تصور استمرار رفاه الدول الكبرى والقوي العظمي عالمياً دون ضمان لبوابات العبور إلى مصادر الطاقة المختلفة، ومن هنا أصبحت الطاقة ومصادرها ضمن مقررات العلاقات الدولية والأمن الدولي.
أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى ضغوط هبوطية على الطلب العالمي، سواء بشكل مباشر نتيجة التكلفة المرتفعة، أو بشكل غير مباشر عبر الإجراءات التي تتخذها الحكومات أو قد تضطر لاتخاذها للحد من الاستهلاك ومواجهة الأزمة.
أن العودة إلى مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل الحرب قد تستغرق نحو عامين، ما يعكس حجم التأثير على قطاع الطاقة.
إذ إن الأزمة الدولية التى تشهدها الطاقة حالياً أصبحت بمثابة إنذار لا يمكن تجاهله سياسياً واقتصادياً لعصر البترول؛ خصوصاً مع تزايد تأثير الصراعات الجيوسياسية على سوق النفط والغاز، ومخاوف ارتفاع الأسعار عالميا وما تحدثه من تأثير على الاقتصادات، وما يرتبط بالوقود الأحفورى، قلق عالمى، وما تشهده الأسعار من تقلبات وأيضاً ما يرتبط بذلك من دراسات وإحصاءات عالمية بشأن محدودية الموارد، وما يحيط بها من تحذيرات ومخاوف على مستقبل البشرية جراء التأثيرات البيئية، وعلاقة ذلك بتغير المناخ، والمثير أن كل تلك الجوانب ترتبط بما يتعلق بالأمن الطاقى واتجاه العالم لتقليل الاعتماد على واردات النفط، والنظر إلى الطاقة في كل دولة من البلدان، سواء المنتجة أو المستهلكة كضمان للاستقرار الاقتصادي، وما يتربط بالأزمات المتوقعة مستقبلاً في ضوء الأزمة التي يشهدها العالم حالياً وما ارتبط بأزمات سابقة منذ عام 1973، مرورا بالعديد من الأزمات، منها أزمة النفط 1973 وصولاً إلى أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وتفاقمت الأزمة الحالية بسبب تداخلها مع تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، التي كانت قد أدت بالفعل إلى إعادة تشكيل خريطة إمدادات الغاز، بخاصة في أوروبا، ودفع الدول للبحث عن بدائل أكثر كلفة. كذلك فإن تراجع الاستثمارات في قطاع الطاقة التقليدية خلال السنوات الماضية، نتيجة التحول نحو الطاقة النظيفة، أسهم في تقليص الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما جعل الأسواق أكثر هشاشة أمام الصدمات.
في الوقت نفسه، أدى ارتفاع كلفة النقل والتأمين البحري، نتيجة الأخطار الأمنية، إلى زيادة إضافية في أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم عالمياً.
ومع لجوء الدول إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، تتزايد المخاوف من محدودية أدوات التدخل في حال استمرار الأزمة لفترة أطول، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب في المرحلة المقبلة.
تتميَّز منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب ريادتها في تصدير الوقود الأحفوري بأنواعه، بقدرتها على إنتاج الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح بأقل التكاليف، وهو ما يمنح بلدان الخليج وباقي المشرق، المرونة اللازمة، للتعديل في مزيج مصادر الطاقة، التي تستخدمها في كل مرحلة من مراحل التحوُّل، بدءاً من إستخدام الهيدروكربونات، وصولاً إلى الطاقة النظيفة، بما يحقِّق إدارة الإنبعاثات، ويضمن في الوقت نفسه، تجنُّب النقص في الإمداد والصدمات السعرية، بالإضافة لإستمرارها بكثافة في وسائل تخزين الطاقة والصناعات الكيماوية، ما يدعم دورها المحوري، كمركز عالمي للطاقة،
فمن واقع الإستثمارات الذكية التي شهدتها المنطقة، في مجالات الإبتكار والتقنيات الجديدة وخلق القيمة محلياً، يتبيَّن أن دول المنطقة توازن بدقة، بين عناصر ثلاثة لمشكلة الطاقة، تتمثل في الحفاظ على تقديم طاقة نظيفة يُعتَمد عليها بأسعار مقبولة، مع مواصلة الوفاء بالطلب العالمي على الطاقة، وتطوير عمليات أكثر مراعاةً للبيئة داخل البلاد.
كذلك، من المنتظر أن يُحدِث الذكاء الاصطناعي، ثورة في مجال كفاءة الطاقة، عبر التحوُّل في طريقة إنتاج الطاقة وإدارتها واستهلاكها، فمن خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات الواردة من محطات الطاقة المتجددة، وشبكات إمدادها والعمليات التشغيلية الصناعية، يستطيع الذكاء الإصطناعي توقُّع الطلب على الطاقة، وتحسين توليدها، والتقليل من ندرتها فيها، وهذا لا يُسهم في خفض التكاليف وتحسين الإعتمادية فحسب، إنما أيضاً في تسريع عملية نزع الكربون، من خلال ضمان إستخدام كل وحدة من وحدات الطاقة، بأكفأ طريقة ممكنة. وبدءاً من الطاقة المتجددة، ووصولاً إلى الصناعات الثقيلة، يفتح الذكاء الاصطناعي، الباب أمام إستخدام وسائل أذكى في رسم ملامح مستقبل الطاقة، بما يشمل التوسُّع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز مستويات المرونة في استخدامها.
أيضاً يعتمد نجاح التحوُّل في مجال الطاقة، على تنمية القدرات البشرية، إذ أنه وعلى المدى الطويل، يقوم بتجهيز كوادر على درجة عالية من المهارة والمعرفة، في مجالات مثل هندسة الطاقة المتجددة، وتحسين استخدام الطاقة المدعوم بالذكاء الاصطناعي وإدارة الاستدامة، وهو ما يعني الاستثمار في التعليم والتدريب، والمؤسسات البحثية التي تُعِدُّ الشباب لقيادة التوجُّه نحو الاقتصاد الأخضر، وهذا الربط بين تنمية القدرات البشرية وتحوُّل الطاقة،
يتجلَّى بوضوح في الهدف والرؤية الوطنية التي قادتها دول الخليج، مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، واستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، ورؤية قطر الوطنية 2030، فمن خلال تسليح الجيل القادم بالمهارات المناسبة، تضمَن المنطقة المساهمة في عملية التحوُّل، بحيث لا تصبح عملية مستوردة من الخارج، وإنما نتاج جهود من الداخل لأبناء البلد وللقيادة الوطنية.
الكل يدرك إن أمنيات وغايات الشعوب، هي تحقيق الأمن والأمان في أوطانها، وأن تكون كرامة الإنسان فيها هي الأسمى، وهي الجوهر والغاية والهدف، ولتعيش الشعوب والمجتمعات وكافة المكوّنات بسلام مع بعضها، ينبغي عليها التكاتف والقيام بمسؤوليتها التاريخية لمواكبة التطوّرات في العالم المتغيّر، وبناء الشرق الأوسط الجديد القائم على التفاهم بين الأمم الديمقراطية، وإزالة كافة الحدود الجغرافية والذهنية المصطنعة بينها، لتسود العدالة الاجتماعية في المنطقة عامة،
دون إقصاء وتهميش الآخر المختلف، حتى يكون الحوار والتفاهم سيد الموقف، فالحروب دائما مكلفة للجميع، ولا بدّ لها من أن تنتهي بسلام مستدام، حيث أن موزاييك وتنوّع الشرق الأوسط، والعلاقات الأخوية التاريخية بين الجميع، هي مصدر للغنى والتطوّر الحضاري، كما كان عبر تاريخها المديد.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










