عَبر تتبعنا لتحولات الرأي العام في نموذجين تاريخيين لقضيتين متباعدتين ومختلفتين: (زواج صفية السادات 1904 ومقتل نيرة أشرف 2022) نخلص إلى بناء تصور نظري مركب يمكن تسميته بـ "نظرية الهُراء الاجتماعي في المجال العام" وهي نظرية لا تدّعي تفسير كل أشكال التفاعل الجماهيري، بقدر ما تسعى إلى تفكيك اللحظة التي يتحول فيها الرأي العام من كونه أداة للفهم إلى كونه أداة لإعادة إنتاج الوهم الجماعي حول الوقائع.
وتقوم هذه النظرية على فرضية مركزية مؤداها أن الواقعة الاجتماعية لا تدخل المجال العام بصورتها الخام، بل تُعاد ولادتها داخل منظومة من الوسائط والتأويلات، بحيث لا يعود "ما حدث" هو الأصل التفسيري، بل يصبح مجرد مادة أولية تُعاد صياغتها داخل طبقات متراكبة من السرد الاجتماعي.
ومن هنا، فإن البنية في هذا الصدد، ليست مفاهيم منفصلة، بل هي حلقات متصلة داخل سلسلة واحدة:
فـالرأي العام هو الإطار العام الذي تُنتج داخله المعاني الجماعية حول الحدث، غير أنه لا يعمل في فراغ عقلاني محض، بل يتشكل عبر تفاعله مع آليات غير رسمية أهمها الشائعة، التي تمثل لحظة إنتاج المعنى في ظل غياب اليقين، أو نقص المعرفة، أو ضعف التحقق.
ومع تراكم التكرار والتداول، تتجاوز الشائعة حدودها الأولية لتندمج داخل بنية أوسع هي ما نسميه بـ "الهُراء الجماعي" أي الحالة التي يفقد فيها الرأي العام توازنه المعرفي، ويتحول من بنية تفسيرية إلى تيار انفعالي، تتقدم فيه كثافة التداول على صحة المعلومة، ويتحول فيه الانتشار إلى معيار للحقيقة.
وفي هذا السياق تتشكل الصورة الذهنية بوصفها الناتج النهائي لهذه العمليات المركبة، إذ لا تعكس الوقائع كما حدثت، بل كما أُعيد تخيلها داخل المجال العام. فهي ليست مرآة للواقع، بل مرآة للروايات التي تنازعت تفسيره.
وتلعب الصحافة والإعلام دور الوسيط البنيوي في هذه العملية، ليس بوصفهما ناقلَين محايدَين، بل بوصفهما أجهزة انتقاء وتأطير وإعادة صياغة، تُسهم في تحديد ما يُرى وما يُحجب، وما يُضخَّم وما يُهمَّش، ومن ثم في تشكيل اتجاهات الوعي العام ذاته.
أما في المقابل، فإن الحقيقة القضائية تقف بوصفها بنية معرفية مختلفة جذريًا عن الحقيقة الاجتماعية؛ فهي لا تُنتج عبر التداول، بل عبر إجراءات الإثبات، ولا تُبنى على الانطباع، بل على الدليل، ولا تستمد مشروعيتها من كثافة التفاعل، بل من قوة الحجة القانونية.
ومن ثم يظهر القضاء في هذا البناء النظري بوصفه خط الفصل بين نظامين معرفيين: نظام الرأي العام الذي يتحرك داخل منطق الانفعال والتداول، ونظام العدالة الذي يتحرك داخل منطق الإثبات واليقين القانوني.
إن المقارنة بين قضيتَي صفية السادات ونيرة أشرف لا تُفهم في هذا السياق بوصفها مقارنة تاريخية بين واقعتين، بل بوصفها كشفًا لبنية واحدة تتكرر عبر وسائط مختلفة: ففي الأولى تتجلى آليات الهُراء في صورتها التقليدية القائمة على الصحافة الورقية والمجالس الاجتماعية، وفي الثانية تتجلى في صورتها الرقمية القائمة على المنصات والخوارزميات واقتصاد الانتباه.
غير أن اختلاف الوسيط لا يغيّر من جوهر البنية؛ فالمجتمع، في الحالتين، يميل إلى تحويل الواقعة الفردية إلى رمز جماعي، وإلى استبدال التحليل بالتداول، والتحقق بالتأويل، والدليل بالانطباع.
وعليه، فإن ما نسميه بـ "الهُراء الاجتماعي" ليس انحرافًا عارضًا في سلوك الجمهور، بل هو احتمال دائم داخل بنية المجال العام، يظهر كلما اختل التوازن بين المعرفة والتداول، وبين الحقيقة والتمثيل، وبين الدليل والانفعال.
وبهذا المعنى، لا نقدم مجرد قراءة لقضيتين تاريخيتين، بل نقدم محاولة لتأسيس منظور نظري يرى في الرأي العام بنية إنتاج للمعنى، قابلة في لحظات معينة للانزلاق من وظيفة الفهم إلى وظيفة التضخيم، ومن إنتاج الحقيقة الاجتماعية إلى إنتاج صورتها المتخيلة.
وتأسيسًا على ذلك، فإن جوهر الأطروحة التي ينتهي إليها هذا النظر يمكن صياغته على النحو الآتي:
إن الرأي العام ليس دائمًا مرآة للواقع، بل قد يكون أحيانًا نظامًا لإعادة إنتاجه بصورة رمزية منحرفة؛ وأن الشائعة هي آلية توليد هذا الانحراف؛ وأن الهُراء هو لحظة اكتمال هذه العملية؛ وأن الصورة الذهنية هي أثرها النهائي؛
بينما يظل القضاء هو المؤسسة الوحيدة التي تعيد الحقيقة إلى معيارها الدليلي الصارم.
Post Views: 476