تُعدّ أسطورة «الدعيدع» واحدة من أكثر الحكايات الشعبية حضورًا في الذاكرة الاجتماعية القديمة في القطيف، وهي من تلك الكائنات المتخيَّلة التي عاشت طويلًا بين الخوف الشعبي والخيال الجمعي، خصوصًا في القرى الزراعية المحاطة بالنخيل والطرق الترابية والمزارع القديمة. لم يكن «الدعيدع» مخلوقًا محدد الهيئة في الروايات الشفوية، بل كان كائنًا غامضًا يتبدّل وصفه من راوٍ إلى آخر، وهذا الغموض نفسه هو ما منح الأسطورة قوتها واستمرارها.
كانت البيئة القديمة في القطيف بيئة خصبة لولادة الأساطير الشعبية؛ فالنخيل الكثيف، والسواقي، والعيون المائية، والطرق المظلمة بين البساتين، وصوت الرياح ليلًا، كلها عناصر صنعت عالمًا مهيّأً للخيال الشعبي. وكانت القرى قديمًا تعيش في عزلة ليلية شبه تامة، حيث ينطفئ الضوء مبكرًا، ولا يبقى سوى أصوات الطبيعة، الأمر الذي جعل أي صوت مجهول يتحول إلى مادة للحكاية والخوف.
ما هو الدعيدع؟
في الروايات الشعبية المتداولة، كان «الدعيدع» يوصف بأنه كائن صغير الحجم، شديد الخفاء، لا يُرى غالبًا لكن يُسمع صوته. وبعض كبار السن كانوا يربطونه بمخلوق يعيش بين النخيل أو في المزارع المهجورة، ويظهر ليلًا فقط. ولم يكن يُنظر إليه باعتباره وحشًا قاتلًا، بل «مخلوقًا مرعبًا بالمجهولية»؛ أي أن الخوف منه نابع من عدم القدرة على فهمه أو رؤيته.
وكانت الروايات تختلف حول طبيعته: فبعضهم يراه روحًا أو جنيًا صغيرًا،
وبعضهم يعدّه طائرًا ليليًا غريب الصوت، وآخرون يعتقدون أنه مجرد تفسير شعبي لأصوات الطبيعة في الليل، ولكن الاتفاق المشترك بين جميع الروايات أن «الدعيدع» مرتبط بالليل والنخيل والصوت الغامض.
سياق ظهور الأسطورة
ظهرت هذه الأسطورة ضمن ثقافة شعبية خليجية واسعة كانت تستخدم الكائنات الغامضة لتفسير المجهول أو لضبط السلوك الاجتماعي. ففي المجتمعات الزراعية القديمة، كان الأطفال يذهبون أحيانًا نحو المزارع أو العيون المائية ليلًا، وكانت العائلات بحاجة إلى وسيلة تخيفهم وتحذرهم من الخروج بعد الغروب، فظهرت شخصيات مثل:
أم السعف والليف أو أم الخضر والليف
إبريقوه
أبو زيد
حمارة القايلة
والدعيدع
السعلوة (شيطان الصحراء والمزارع)
بودرياه (سيد الرعب البحري بلا منازع في ذاكرة أهالي القطيف وتاروت).
وكان «الدعيدع» في المخيلة القطيفية يؤدي وظيفة نفسية واجتماعية؛ فهو حارس الليل غير المرئي، الذي يمنع الأطفال من التجول بين النخيل والبرك والسواقي. وهنا تتحول الأسطورة من مجرد خيال إلى أداة تربوية غير مباشرة.
كيف كانت تُروى الحكاية لتترك أثرها لدى الأطفال وفي مخيلة المجتمع ؟
غالبًا ما كانت الحكاية تُروى في المجالس العائلية أو في ليالي الصيف فوق أسطح المنازل أو قرب المزارع. وكان الراوي يتعمد خفض صوته أثناء الكلام وإضافة المؤثرات السمعية ليزيد رهبة الأطفال. وكانت بعض الروايات تقول إن الدعيدع:
يطلق صفيرًا حادًا، أو ينادي بأصوات بعيدة، أو يتحرك بين النخيل دون أن يُرى. وفي بعض القرى، كان مجرد سماع صوت مجهول في المزرعة كافيًا ليقول الناس: “هذا الدعيدع”.
مدى انتشار الأسطورة
لم تكن الأسطورة محصورة في قرية بعينها، بل انتشرت في أجزاء واسعة من مجتمع القطيف القديم، وامتدت بصيغ مختلفة إلى بعض مناطق الخليج العربي. ويبدو أن ارتباطها بالنخيل والمزارع جعلها أكثر رسوخًا في البيئات الزراعية التقليدية. وقد بقي اسم الدعيدع حاضرًا حتى في الأعمال المسرحية والفنية الخليجية الحديثة، ومنها مسرحية «دعيدع» التي استحضرت الكائن الشعبي بوصفه رمزًا للرعب الشعبي القديم.
التأثير النفسي والاجتماعي
كان تأثير الأسطورة واضحًا على الأطفال خصوصًا، إذ خلقت نوعًا من «الرهبة الليلية» المرتبطة بالمزارع والأماكن المهجورة. وكثير من أبناء الجيل القديم يتحدثون عن تأثير تلك الحكايات التي جعلتهم يخشون الذهاب أو المرور قرب النخيل ليلًا خوفًا من الدعيدع أو حتى سماع صوته. ولكن تأثيرها لم يكن سلبيًا بالكامل؛ فالأسطورة ساهمت أيضًا في:
– تقوية الخيال الشعبي.
– تعزيز الترابط القصصي عبر سرد الحكايات المتعلقة بتلك الشخصيات الخيالية داخل الأسرة.
– خلق ذاكرة جمعية مشتركة.
– إضفاء طابع سحري على البيئة المحلية.
كما أن الأسطورة تكشف جانبًا مهمًا من العقل الجمعي القديم؛ فالإنسان حين يعجز عن تفسير الأصوات والظواهر الطبيعية، يمنحها شخصية رمزية يمكن تداولها اجتماعيًا. وهكذا يصبح الخوف نفسه جزءًا من الثقافة.
الدعيدع بين الحقيقة والرمز
بعض الباحثين الشعبيين يميلون إلى أن «الدعيدع» لم يكن سوى تفسير شعبي لأصوات بعض الكائنات الليلية، كطيور المستنقعات أو الحشرات أو القطط البرية بين المزارع. لكن القيمة الحقيقية للأسطورة ليست في حقيقة الكائن، بل في معناها الرمزي داخل المجتمع.
فالدعيدع يمثل:
– خوف الإنسان من المجهول.
– رهبة الليل في المجتمعات الزراعية القديمة.
– سلطة الخيال الشعبي.
– الطريقة التي يصنع بها المجتمع ذاكرته الشفوية.
ولهذا بقي الاسم حيًا حتى بعد اختفاء البيئة القديمة التي أنتجته؛ فمع زوال كثير من المزارع والبيوت الطينية، ظل «الدعيدع» يعيش في الذاكرة بوصفه أحد أشباح الطفولة القديمة في القطيف.
البعد الأنثروبولوجي للأسطورة
إذا نظرنا إلى الدعيدع من منظور أنثروبولوجي، فسنجد أنه يشبه كثيرًا من الكائنات الأسطورية في ثقافات العالم؛ فكل مجتمع قديم تقريبًا اخترع «كائن الليل» الخاص به:
في أوروبا: الرجل الأسود أو روح الغابة
المستذئب((werewolf، دراكولا (مصاص الدماء)، البعبع (بوجي مان (Bogeyman)
في اليابان: اليوكاي الأشباح أرواح الجبال والظلال، البورتشي (الحيوانات المتحولة)، والأوني ( الغول / الشيطان الياباني).
في الخليج: أم السعف والليف، والدعيدع، وبودرياه (أبو البحر)، الطنطل (عملاق الليل الكويتي والعراقي والبحريني)، الخسفة ( بابا خسوف). وهي مرتبطة بظاهرة خسوف القمر (ويعتقد بأن هنالك حوتا ضخما يبتلع القمر).
وهذه الكائنات تؤدي وظيفة ثقافية متشابهة: تفسير المجهول، وضبط السلوك، وتجسيد المخاوف الجمعية.
لذلك فالدعيدع ليس مجرد «خرافة للأطفال»، بل وثيقة اجتماعية غير مكتوبة، تكشف طبيعة الحياة القديمة في القطيف، وعلاقة الإنسان بالمكان، والليل، والطبيعة، والذاكرة.
إعداد الدكتور سامي المسلم










