كتب د. عبد العزيز السيد
ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر فضيلة الأستاذ الدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بجامعة الأزهر، ودار موضوعها حول: “العام الهجري.. وقفات وتأملات:، مؤكدا أن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وإنما كانت تحولا حضاريا وإنسانيا عظيما غير مجرى التاريخ، وأرست من خلاله دعائم دولة العدل والقيم والأخلاق، كما أن الهجرة النبوية نفسها لم تقع في شهر المحرم كما يظن بعض الناس، وإنما وقعت في شهر ربيع الأول باتفاق المؤرخين وأصحاب السير، حيث خرج النبي ﷺ من مكة في أول شهر ربيع الأول، ووصل إلى المدينة المنورة في الثاني عشر من الشهر نفسه، وارتباط الهجرة ببداية العام الهجري إنما جاء من اعتمادها أساسا للتقويم الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وبين خطيب الجامع الأزهر أن المسلمين في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق رضي الله عنه لم يكن لديهم تاريخ رسمي تؤرخ به المكاتبات والمعاملات، فلما اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكثرت الفتوحات والمراسلات، استشار الصحابة الكرام في الحدث الأهم الذي يجعل مبدأً للتأريخ الإسلامي، فاستقر رأيهم على اعتماد الهجرة النبوية بداية للتقويم؛ لما تمثله من نقطة تحول فارقة في مسيرة الدعوة الإسلامية، إذ انتقل المسلمون بها من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع، فأصبح العام الذي وقعت فيه الهجرة هو العام الأول في التقويم الهجري.
وأوضح خطيب الجامع الأزهر أن اختيار شهر المحرم بداية للعام الهجري جاء بعد أن أعاد الإسلام ترتيب الشهور إلى مواضعها الصحيحة، بعدما كان العرب في الجاهلية يعبثون بها من خلال ما عرف بالنسيء، فقال تعالى: :إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”، وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع: “إنَّ الزمانَ قد استدار كهيئتِه يومَ خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ: ثلاثٌ متوالياتٌ ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرمُ، ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان”، وهذا الترتيب الشرعي للشهور هو الذي بني عليه التقويم الهجري.
وأشار الدكتور ربيع الغفير إلى ما واجهه النبي ﷺ من أذى واضطهاد خلال ثلاثة عشر عاما قضاها في مكة يدعو إلى الله تعالى، حتى بلغ حقد المشركين ذروته، فاجتمعوا في دار الندوة للتآمر على قتله، فجاء القرآن الكريم كاشفا مؤامرتهم بقوله تعالى: “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”، والهجرة كانت مظهرا من مظاهر حفظ الله لنبيه الكريم ﷺ، ودليلًا على أن تدبير الله تعالى فوق كل تدبير.
وأضاف خطيب الجامع الأزهر أن الهجرة النبوية قدمت للأمة نموذجا فريدا في التوكل الصادق على الله تعالى، مقرونا بالثقة الكاملة في معيته ونصره، وهو ما جسده موقف النبي ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه في غار ثور، حين أحاطت الأخطار بهما من كل جانب، فقال النبي ﷺ لصاحبه كما أخبر القرآن الكريم: “لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”، وهذه الكلمات الخالدة تمثل درسا عظيما لكل مسلم يواجه الشدائد والأزمات، إذ تمنحه الطمأنينة واليقين بأن معية الله تعالى كفيلة بتجاوز المحن وتبديل الخوف أمنًا والضيق فرجًا.
وأكد خطيب الجامع الأزهر أن من أعظم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية قيمة الصحبة الصالحة والوفاء الصادق، التي تجلت في شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي اختاره الله تعالى ليكون رفيق النبي ﷺ في أخطر مراحل الدعوة الإسلامية، فقد بذل الصديق ماله وجهده ونفسه في سبيل نصرة رسول الله ﷺ، وهيأ راحلتي الهجرة، وتحمل مشقة السفر، وشارك في كل تفاصيل الرحلة المباركة، حتى استحق أن يخلد القرآن الكريم ذكره في قوله تعالى: “إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا” ليظل نموذجا خالدا للصداقة الصادقة والإخلاص في نصرة الحق.
كما أوضح خطيب الجامع الأزهر أن الهجرة النبوية تمثل مدرسة متكاملة في التخطيط والأخذ بالأسباب، إذ لم يعتمد النبي ﷺ على التوكل وحده، بل جمع بين الثقة بالله وبذل الجهد الإنساني الكامل، فاختار الطريق غير المعتاد، واستأجر دليلا خبيرا بمسالك الصحراء، وأعد الراحلتين مسبقًا، ووزع الأدوار بين أصحابه وآل بيته بدقة وإحكام. وأشار إلى أن الإسلام يدعو إلى هذا المنهج المتوازن الذي يجمع بين الإيمان والعمل، فال تعالى: :وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”، كما جسدت الهجرة قيم الصبر والتضحية والإيثار، حيث ترك المهاجرون أوطانهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله تعالى، بينما استقبلهم الأنصار بقلوب مفعمة بالإيمان والمحبة، وضربوا أروع الأمثلة في البذل والإيثار، فخلد القرآن الكريم موقفهم بقوله تعالى: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” وهذا النموذج الفريد في التراحم والتكافل يمثل الأساس الحقيقي لبناء المجتمعات القوية المتماسكة.
واختتم فضيلة الأستاذ الدكتور ربيع الغفير خطبته بدعوة المسلمين إلى استقبال العام الهجري الجديد بالمحاسبة الصادقة للنفس، وتجديد العهد مع الله تعالى، والتمسك بالقيم والأخلاق التي جاءت بها الهجرة النبوية المباركة، والعمل الجاد من أجل رفعة الأوطان وتقدم المجتمعات، سائلًا الله تعالى أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين، وأن يجعل العام الهجري الجديد عام خير وأمن وبركة على الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.










