حين تتحول لقمة العيش إلى معركة يومية
يقدم الدكتور بسام الخالد في مقاله نصاً واقعياً مشبعاً بالألم الإنساني، يتجاوز حدود المقال الاقتصادي التقليدي ليقترب من أدب المعاناة الاجتماعية، حيث يتحول المواطن السوري من مجرد رقم في تقارير الفقر إلى إنسان حيّ يحمل وجعاً يومياً ويخوض معركة بقاء لا تنتهي.
يفتتح الكاتب مقاله بمدخل ذاتي ذكي، حين يعلن ابتعاده عن عالم الاقتصاد وعدم انشغاله به سابقاً، ليؤكد أن الأزمة الراهنة لم تعد شأناً يخص الخبراء والمحللين فحسب، بل أصبحت واقعاً يفرض نفسه على الجميع. وهذه البداية تمنح النص صدقيته الإنسانية، إذ ينطلق من تجربة معاشة لا من تنظير أكاديمي مجرد.
ويعتمد المقال على لغة مباشرة وواضحة، لكنها لا تخلو من الشحنة العاطفية التي تجعل القارئ شريكاً في الألم. فالتعابير من قبيل: “جنون الأسعار” و“صواريخ موجهة إلى صدر المواطن” و“انعدام وزن دائم” ليست مجرد صور بلاغية، بل أدوات تعبيرية نجح الكاتب من خلالها في تجسيد حجم الاختناق المعيشي الذي يرزح تحته المواطن السوري.
ومن أبرز نقاط القوة في النص قدرته على الربط بين انهيار العملة الوطنية وبين تداعياته اليومية على حياة الناس. فالكاتب لا يتوقف عند الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل يلاحق آثارها في الأسواق والمحال وفواتير الخدمات، ليكشف كيف أصبح سعر الصرف متحكماً فعلياً في تفاصيل الحياة كافة، من رغيف الخبز إلى أجرة الطبيب وإيجار المنزل.
كما يبرز البعد النقدي في المقال من خلال إدانة حالة الفوضى التسعيرية وغياب الرقابة الفاعلة، حيث يصور الكاتب مشهداً اقتصادياً مفتوحاً على الاجتهادات الفردية والمصالح الخاصة، في ظل مواطن أعزل لا يملك سوى التفرج على ارتفاع الأسعار المتواصل. وقد نجح في رسم صورة درامية مكثفة لهذا الواقع، ما يبرر وصفه للمشهد بـ”التراجيدي”.
وعلى المستوى الأسلوبي، يوازن الدكتور بسام الخالد بين اللغة الصحفية واللغة الأدبية، فتأتي عباراته سلسة وقريبة من القارئ، دون أن تفقد قدرتها على التأثير. كما أن تكرار بعض المفردات المرتبطة بالفقر والانهيار والغلاء لم يكن تكراراً اعتباطياً، بل أسهم في ترسيخ الإحساس بثقل الأزمة واستمراريتها.
ويختتم الكاتب مقاله بنداء واضح للمحاسبة والإصلاح، وهو ختام ينسجم مع البناء العام للنص الذي لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل سعى إلى دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى خطورة استمرارها. فالمقال في جوهره ليس مجرد رصد لارتفاع الأسعار، بل صرخة اجتماعية وإنسانية في وجه واقع يهدد كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم.
لقد استطاع الدكتور بسام الخالد أن يكتب نصاً يلامس وجع الشارع السوري بلغة صادقة ومؤثرة، وأن يحول الأرقام الجافة إلى حكاية إنسانية نابضة بالألم. لذلك يمكن اعتبار هذا المقال شهادة أدبية واجتماعية على مرحلة قاسية من تاريخ السوريين، ووثيقة تفضح معاناة لقمة العيش حين تتحول إلى معركة يومية لا يملك المواطن فيها سوى الصبر والأمل.










