الجمعة , 6 نوفمبر 2026

د. شمس راغب عثمان تكتب.. الأسرار الإلهية والإيمانية والحضارية في الهجرة النبوية المباركة

  • الحمد لله رب العالمين الذي جعل من الأحداث العظيمة محطات للتغيير والبناء ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي حول المحنة إلى منحة ، والضعف إلى قوة ، والاضطهاد إلى تمكين •
  • فليست الهجرة النبوية المباركة مجرد انتقال من مكة إلى المدينة ، ولا رحلة عبر الصحراء قطعت فيها الأميال ، وإنما هي
    انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة ، ومن ضيق الأرض إلى سعة الرسالة ، ومن حصار الدعوة إلى انتشار
    نور الإسلام في الآفاق • إنها مدرسة خالدة تعلم البشرية أن
    العقيدة أغلى من الأوطان ، وأن التضحية طريق النصر ، وأن. الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الخالق عز وجل •

قال تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ” سورة التوبة : ٤٠

أولا : ما أسباب الهجرة النبوية المباركة ؟
١ – اشتداد أذى قريش للمسلمين •

تعرض المسلمون في مكة لألوان شديدة من التعذيب والاضطهاد ؛
فقتل بعضهم وعذب آخرون ، وصودر المال ، وحوربت الدعوة
بكل الوسائل •
قال تعالى : ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو
يخروجك ” سورة الأنفال : ٣٠ .

٢- البحث عن بيئة آمنة للدعوة .
كانت مكة قد أغلقت أبوابها أمام الدعوة ، بينما أظهر أهل يثرب
استعدادهم لنصرة الإسلام ، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية تمهيدا للهجرة •
٣- إقامة دولة الإسلام •
لم تكن الرسالة الإسلامية مجرد دعوة فردية ، بل منهج حياة يحتاج إلى مجتمع يطبقه ويحميه وينشره •

٤- أمر الله تعالى لنبيه بالهجرة •
الهجرة كانت تنفيذا لأمر رباني وحكمة إلهية ، ولم تكن مجرد قرار بشري •
ثانيا : التخطيط النبوي للهجرة •
من أعظم الدروس أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخذ بكل الأسباب الممكنة •

  • اختيار الرفيق المناسب وهو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه –
  • الخروج ليلا تفاديا للمواجهة • المبيت في غار ثور ثلاثة أيام .
  • الاستعانة بدليل خبير بالطريق • توزيع الأدوار بين أسماء
    وعبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة •
  • ومع هذا التخطيط المحكم كان قلبه معلقا بالله • قال لأبي بكر
    : ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” رواه البخاري ومسلم

ثالثا : الحقيقة أن الهجرة النبوية قد درست عبر أربعة عشر قرنا
، ولذلك يصعب الجزم بوجود ” سر لم يتطرق إليه أحد مطلقا “
لكن هناك لفتات تدبرية دقيقة لا يكثر الحديث عنها ، منها :

١ – الهجرة كانت انتقالا من ” معجزة الحفظ ” إلى سنة الأخذ بالأسباب “

  • كان الله تعالى قادرا أن ينقل نبيه – صلى الله عليه وسلم –
    إلى المدينة بمعجزة كما أسرى به إلى السماء ، ومع ذلك جاءت الهجرة مليئة بالتخطيط الدقيق :
  • اختيار الرفيق • اختيار الدليل • اختيار التوقيت • التمويه على
    الأعداء • توزيع الأدوار •
  • وكأن الرسالة للأمة : المعجزات للأنبياء ، أما الأمم فتبنى بالأسباب والعمل •
    ٢ – كل أفراد المجتمع شاركوا في صناعة الهجرة •

فالهجرة لم يصنعها النبي وحده :

  • رجل كبير السن : أبو بكر • شاب : عبدالله بن أبي بكر •
  • امرأة : أسماء بنت أبي بكر • راع : عامر بن فهيرة • خبير
    طرق غير مسلم : عبدالله بن أريقط •
  • وهذا درس حضاري عظيم : الأمة تنتصر عندما يتحول كل فرد
    فيها إلى صاحب رسالة •

٣ – الغار ليس موضع النصر بل موضع التربية :

كثيرون ينظرون إلى غار ثور باعتباره مكان نجاة فقط ، لكن
التدبر يكشف أنه كان مدرسة إيمانية • ففي أشد لحظات الخطر
نزلت الكلمات الخالدة : ” لاتحزن إن الله معنا ” سورة التوبة: ٤٠
فكان أول بناء للدولة الإسلامية يبدأ ببناء اليقين في القلوب •

٤ – الهجرة لم تكن هروبا من الواقع بل صناعة الواقع الجديد •

كثير من الناس يفرون من المشكلات ، أما النبي – صلى الله عليه وسلم – فانتقل ليؤسس مجتمعا جديدا ودولة جديدة وحضارة جديدة • ولهذا لم تبدأ الهجرة بالشكوى من مكة ، بل بدأت ببناء
المدينة •
٥ – من أرقى أسرار الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم –
خرج من أحب البلاد إليه . ورد أنه قال عن مكة : ” والله إنك
لأحب أرض الله إلي ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت .

فكانت الهجرة إعلانا أن العقيدة مقدمة على العاطفة ، والرسالة مقدمة على الراحة ، والواجب مقدم على المصلحة الشخصية .

لفتة بلاغية جميلة :

لم يقل الله تعالى : ” إن الله معك ” ، بل قال :” إن. الله معنا “
فأدخل أبا بكر رضي الله عنه في معية الله الخاصة تكريما له ،
وجعل الآية درسا خالدا في الصحبة الصالحة ؛ فالصاحب المؤمن
قد يرفع بصحبته إلى مقامات عظيمة •

ولعل من أجمل ما يقال في الهجرة : ” لم يكن أعظم ما في
الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصل إلى المدينة ، بل
أن الإيمان وصل من قلب رجل واحد إلى أمة ملأت الدنيا نورا وعدلا ورحمة •

  • لم تكن الهجرة انتقال أقدام من مكة إلى المدينة ، بل كانت
    انتقال أمة من الضعف إلى القوة ، ومن التفرق إلى الوحدة
    ومن المعاناة إلى صناعة الحضارة ، ولذلك بقيت الهجرة حدثا في التاريخ ، ومنهجا للحياة •
  • إذا كانت الهجرة النبوية قد انتهت بوصول النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة ، فإن الهجرة الحقيقية لا تزال مطلوبة من
    كل إنسان ؛ هجرة من الجهل إلى العلم ، ومن المعصية إلى
    الطاعة ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل •
    .فالأمم لا تبعث من جديد إلا حين تهاجر من واقعها الضعيف
    إلى مستقبلها الذي أراده الله لها ” •
  • ما أعظم الهجرة ! خرج فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة وليس معه جيش ولا مال ولا سلطان ، ولكن كان معه ما هو أعظم من ذلك كله ، اليقين بالله • فتح الله تعالى له القلوب قبل البلدان ، وأدام به أمة غيرت مجرى التاريخ • ومن أبلغ ما يستشهد به في هذا المقام قوله تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله ” سورة التوبة : ٤٠
    فكأن الآية تعلمنا أن نصر الله لا يتوقف على كثرة العدد ولا
    وفرة العدة ، وإنما على صدق الإيمان وصحة التوكل وحسن الأخذ بالأسباب •
    قال تعالى : ” إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ” سورة البقرة : ٢١٨ .
  • ما نتائج الهجرة النبوية المباركة ؟
    ١ – تأسيس الدولة الإسلامية • أصبحت المدينة المنورة أول دولة
    تقوم على العقيدة والعدل والشورى •
    ٢ – بناء المسجد النبوي • فكان مركز العبادة والعلم والتربية وإدارة شؤون البلاد
    ٣- المؤخاة بين المهاجرين والأنصار • وهي تجربة إنسانية فريدة
    جسدت معاني الإيثار والتكافل •
    ٤ – نشر الإسلام خارج مكة • أصبحت المدينة قاعدة انطلاق للدعوة إلى العالم •
    ٥ – تحول المسلمين من الاستضعاف إلى التمكين .قال تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ” سورة النور : ٥٥ .
  • ما الدروس المستفادة لواقعنا المعاصر ؟

١- أهمية التخطيط مع التوكل : فالتوكل الصحيح لا يعني ترك
الأسباب ، بل الجمع بين العمل والثقة بالله •
٢ – أن التغيير يحتاج إلى صبر : فالنصر لم يأت في يوم وليلة ، وإنما بعد سنوات من الابتلاء •
٣- قيمة بناء الإنسان قبل بناء العمران : فالنبي – صلى الله عليه وسلم – بنى العقيدة والأخلاق أولا ، ثم قامت الدولة •
٤- الوحدة أساس النجاح : فالمهاجرون والأنصار ضربوا أروع الأمثلة في التعاون والتكافل •
٥- التفاؤل في أحلك الظروف : ففي غار ثور ، بينما كانت قريش تبحث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – نزل قوله تعالى : ” لا تحزن إن الله معنا ” سورة التوبة : ٤٠ وهي رسالة خالدة لكل أمة تمر بالأزمات •

  • أقوال العلماء في الهجرة النبوية المباركة :
  • قال الإمام ابن القيم : ” الهجرة هجرتان : هجرة بالجسدىمن دار إلى دار ” .
  • وقال الإمام النووي : ” وفي الهجرة دليل على أن حفظ الدين مقدم على كل مصلحة دنيوية .
  • خاتمة بلاغية مؤثرة :
  • إن الهجرة النبوية ليست ذكرى تروى ، بل منهج يقتدي به ،
    وليست حدثا مضى في صفحات التاريخ ، بل رسالة تتجدد في حياة المؤمن كل يوم ، فكما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – من أرض الأذى إلى أرض البناء ، ينبغي أن نهاجر من الذنوب إلى الطاعات ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل ،
    ومن السلبية إلى العمل •
  • لقد خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم – من مكة مهاجرا ، فعاد إليها بعد سنوات فاتحا منتصرا ، ليعلم البشرية أن طريق
    الحق قد. يطول لكنه لن يضيع ، وأن الله تعالى إذا وعد أوفى
    وإذا نصر أتم النعمة وأكمل الفضل •
  • فاللهم ارزقنا فقه الهجرة ومعانيها ، واجعلنا من المهاجرين
    إليك بقلوبنا وأعمالنا ، واجمعنا بنبيك الكريم في الفردوس الأعلى . اللهم آمين يارب العالمين وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

رئيس الوزراء يلتقى مفتى الجمهورية لمناقشة عدد من ملفات العمل

كتب- عادل يحيى التقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اليوم؛ بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *