د. شمس راغب عثمان تكتب.. الأسرار الإلهية والإيمانية والحضارية في الهجرة النبوية المباركة

  • الحمد لله رب العالمين الذي جعل من الأحداث العظيمة محطات للتغيير والبناء ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي حول المحنة إلى منحة ، والضعف إلى قوة ، والاضطهاد إلى تمكين •
  • فليست الهجرة النبوية المباركة مجرد انتقال من مكة إلى المدينة ، ولا رحلة عبر الصحراء قطعت فيها الأميال ، وإنما هي
    انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة ، ومن ضيق الأرض إلى سعة الرسالة ، ومن حصار الدعوة إلى انتشار
    نور الإسلام في الآفاق • إنها مدرسة خالدة تعلم البشرية أن
    العقيدة أغلى من الأوطان ، وأن التضحية طريق النصر ، وأن. الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الخالق عز وجل •

قال تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ” سورة التوبة : ٤٠

أولا : ما أسباب الهجرة النبوية المباركة ؟
١ – اشتداد أذى قريش للمسلمين •

تعرض المسلمون في مكة لألوان شديدة من التعذيب والاضطهاد ؛
فقتل بعضهم وعذب آخرون ، وصودر المال ، وحوربت الدعوة
بكل الوسائل •
قال تعالى : ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو
يخروجك ” سورة الأنفال : ٣٠ .

٢- البحث عن بيئة آمنة للدعوة .
كانت مكة قد أغلقت أبوابها أمام الدعوة ، بينما أظهر أهل يثرب
استعدادهم لنصرة الإسلام ، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية تمهيدا للهجرة •
٣- إقامة دولة الإسلام •
لم تكن الرسالة الإسلامية مجرد دعوة فردية ، بل منهج حياة يحتاج إلى مجتمع يطبقه ويحميه وينشره •

٤- أمر الله تعالى لنبيه بالهجرة •
الهجرة كانت تنفيذا لأمر رباني وحكمة إلهية ، ولم تكن مجرد قرار بشري •
ثانيا : التخطيط النبوي للهجرة •
من أعظم الدروس أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخذ بكل الأسباب الممكنة •

  • اختيار الرفيق المناسب وهو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه –
  • الخروج ليلا تفاديا للمواجهة • المبيت في غار ثور ثلاثة أيام .
  • الاستعانة بدليل خبير بالطريق • توزيع الأدوار بين أسماء
    وعبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة •
  • ومع هذا التخطيط المحكم كان قلبه معلقا بالله • قال لأبي بكر
    : ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” رواه البخاري ومسلم

ثالثا : الحقيقة أن الهجرة النبوية قد درست عبر أربعة عشر قرنا
، ولذلك يصعب الجزم بوجود ” سر لم يتطرق إليه أحد مطلقا “
لكن هناك لفتات تدبرية دقيقة لا يكثر الحديث عنها ، منها :

١ – الهجرة كانت انتقالا من ” معجزة الحفظ ” إلى سنة الأخذ بالأسباب “

  • كان الله تعالى قادرا أن ينقل نبيه – صلى الله عليه وسلم –
    إلى المدينة بمعجزة كما أسرى به إلى السماء ، ومع ذلك جاءت الهجرة مليئة بالتخطيط الدقيق :
  • اختيار الرفيق • اختيار الدليل • اختيار التوقيت • التمويه على
    الأعداء • توزيع الأدوار •
  • وكأن الرسالة للأمة : المعجزات للأنبياء ، أما الأمم فتبنى بالأسباب والعمل •
    ٢ – كل أفراد المجتمع شاركوا في صناعة الهجرة •

فالهجرة لم يصنعها النبي وحده :

  • رجل كبير السن : أبو بكر • شاب : عبدالله بن أبي بكر •
  • امرأة : أسماء بنت أبي بكر • راع : عامر بن فهيرة • خبير
    طرق غير مسلم : عبدالله بن أريقط •
  • وهذا درس حضاري عظيم : الأمة تنتصر عندما يتحول كل فرد
    فيها إلى صاحب رسالة •

٣ – الغار ليس موضع النصر بل موضع التربية :

كثيرون ينظرون إلى غار ثور باعتباره مكان نجاة فقط ، لكن
التدبر يكشف أنه كان مدرسة إيمانية • ففي أشد لحظات الخطر
نزلت الكلمات الخالدة : ” لاتحزن إن الله معنا ” سورة التوبة: ٤٠
فكان أول بناء للدولة الإسلامية يبدأ ببناء اليقين في القلوب •

٤ – الهجرة لم تكن هروبا من الواقع بل صناعة الواقع الجديد •

كثير من الناس يفرون من المشكلات ، أما النبي – صلى الله عليه وسلم – فانتقل ليؤسس مجتمعا جديدا ودولة جديدة وحضارة جديدة • ولهذا لم تبدأ الهجرة بالشكوى من مكة ، بل بدأت ببناء
المدينة •
٥ – من أرقى أسرار الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم –
خرج من أحب البلاد إليه . ورد أنه قال عن مكة : ” والله إنك
لأحب أرض الله إلي ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت .

فكانت الهجرة إعلانا أن العقيدة مقدمة على العاطفة ، والرسالة مقدمة على الراحة ، والواجب مقدم على المصلحة الشخصية .

لفتة بلاغية جميلة :

لم يقل الله تعالى : ” إن الله معك ” ، بل قال :” إن. الله معنا “
فأدخل أبا بكر رضي الله عنه في معية الله الخاصة تكريما له ،
وجعل الآية درسا خالدا في الصحبة الصالحة ؛ فالصاحب المؤمن
قد يرفع بصحبته إلى مقامات عظيمة •

ولعل من أجمل ما يقال في الهجرة : ” لم يكن أعظم ما في
الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصل إلى المدينة ، بل
أن الإيمان وصل من قلب رجل واحد إلى أمة ملأت الدنيا نورا وعدلا ورحمة •

  • لم تكن الهجرة انتقال أقدام من مكة إلى المدينة ، بل كانت
    انتقال أمة من الضعف إلى القوة ، ومن التفرق إلى الوحدة
    ومن المعاناة إلى صناعة الحضارة ، ولذلك بقيت الهجرة حدثا في التاريخ ، ومنهجا للحياة •
  • إذا كانت الهجرة النبوية قد انتهت بوصول النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة ، فإن الهجرة الحقيقية لا تزال مطلوبة من
    كل إنسان ؛ هجرة من الجهل إلى العلم ، ومن المعصية إلى
    الطاعة ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل •
    .فالأمم لا تبعث من جديد إلا حين تهاجر من واقعها الضعيف
    إلى مستقبلها الذي أراده الله لها ” •
  • ما أعظم الهجرة ! خرج فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة وليس معه جيش ولا مال ولا سلطان ، ولكن كان معه ما هو أعظم من ذلك كله ، اليقين بالله • فتح الله تعالى له القلوب قبل البلدان ، وأدام به أمة غيرت مجرى التاريخ • ومن أبلغ ما يستشهد به في هذا المقام قوله تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله ” سورة التوبة : ٤٠
    فكأن الآية تعلمنا أن نصر الله لا يتوقف على كثرة العدد ولا
    وفرة العدة ، وإنما على صدق الإيمان وصحة التوكل وحسن الأخذ بالأسباب •
    قال تعالى : ” إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ” سورة البقرة : ٢١٨ .
  • ما نتائج الهجرة النبوية المباركة ؟
    ١ – تأسيس الدولة الإسلامية • أصبحت المدينة المنورة أول دولة
    تقوم على العقيدة والعدل والشورى •
    ٢ – بناء المسجد النبوي • فكان مركز العبادة والعلم والتربية وإدارة شؤون البلاد
    ٣- المؤخاة بين المهاجرين والأنصار • وهي تجربة إنسانية فريدة
    جسدت معاني الإيثار والتكافل •
    ٤ – نشر الإسلام خارج مكة • أصبحت المدينة قاعدة انطلاق للدعوة إلى العالم •
    ٥ – تحول المسلمين من الاستضعاف إلى التمكين .قال تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ” سورة النور : ٥٥ .
  • ما الدروس المستفادة لواقعنا المعاصر ؟

١- أهمية التخطيط مع التوكل : فالتوكل الصحيح لا يعني ترك
الأسباب ، بل الجمع بين العمل والثقة بالله •
٢ – أن التغيير يحتاج إلى صبر : فالنصر لم يأت في يوم وليلة ، وإنما بعد سنوات من الابتلاء •
٣- قيمة بناء الإنسان قبل بناء العمران : فالنبي – صلى الله عليه وسلم – بنى العقيدة والأخلاق أولا ، ثم قامت الدولة •
٤- الوحدة أساس النجاح : فالمهاجرون والأنصار ضربوا أروع الأمثلة في التعاون والتكافل •
٥- التفاؤل في أحلك الظروف : ففي غار ثور ، بينما كانت قريش تبحث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – نزل قوله تعالى : ” لا تحزن إن الله معنا ” سورة التوبة : ٤٠ وهي رسالة خالدة لكل أمة تمر بالأزمات •

  • أقوال العلماء في الهجرة النبوية المباركة :
  • قال الإمام ابن القيم : ” الهجرة هجرتان : هجرة بالجسدىمن دار إلى دار ” .
  • وقال الإمام النووي : ” وفي الهجرة دليل على أن حفظ الدين مقدم على كل مصلحة دنيوية .
  • خاتمة بلاغية مؤثرة :
  • إن الهجرة النبوية ليست ذكرى تروى ، بل منهج يقتدي به ،
    وليست حدثا مضى في صفحات التاريخ ، بل رسالة تتجدد في حياة المؤمن كل يوم ، فكما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – من أرض الأذى إلى أرض البناء ، ينبغي أن نهاجر من الذنوب إلى الطاعات ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل ،
    ومن السلبية إلى العمل •
  • لقد خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم – من مكة مهاجرا ، فعاد إليها بعد سنوات فاتحا منتصرا ، ليعلم البشرية أن طريق
    الحق قد. يطول لكنه لن يضيع ، وأن الله تعالى إذا وعد أوفى
    وإذا نصر أتم النعمة وأكمل الفضل •
  • فاللهم ارزقنا فقه الهجرة ومعانيها ، واجعلنا من المهاجرين
    إليك بقلوبنا وأعمالنا ، واجمعنا بنبيك الكريم في الفردوس الأعلى . اللهم آمين يارب العالمين وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

وزير الأوقاف يدين محاولة استهداف الحرم المكي ويؤكد التضامن التام مع السعودية

كتب عادل احمد أدان الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، المحاولة الآثمة لاستهداف الحرم المكي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *