- الحمد لله رب العالمين الذي جعل من الأحداث العظيمة محطات للتغيير والبناء ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي حول المحنة إلى منحة ، والضعف إلى قوة ، والاضطهاد إلى تمكين •
- فليست الهجرة النبوية المباركة مجرد انتقال من مكة إلى المدينة ، ولا رحلة عبر الصحراء قطعت فيها الأميال ، وإنما هي
انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة ، ومن ضيق الأرض إلى سعة الرسالة ، ومن حصار الدعوة إلى انتشار
نور الإسلام في الآفاق • إنها مدرسة خالدة تعلم البشرية أن
العقيدة أغلى من الأوطان ، وأن التضحية طريق النصر ، وأن. الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الخالق عز وجل •
قال تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ” سورة التوبة : ٤٠
أولا : ما أسباب الهجرة النبوية المباركة ؟
١ – اشتداد أذى قريش للمسلمين •
تعرض المسلمون في مكة لألوان شديدة من التعذيب والاضطهاد ؛
فقتل بعضهم وعذب آخرون ، وصودر المال ، وحوربت الدعوة
بكل الوسائل •
قال تعالى : ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو
يخروجك ” سورة الأنفال : ٣٠ .
٢- البحث عن بيئة آمنة للدعوة .
كانت مكة قد أغلقت أبوابها أمام الدعوة ، بينما أظهر أهل يثرب
استعدادهم لنصرة الإسلام ، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية تمهيدا للهجرة •
٣- إقامة دولة الإسلام •
لم تكن الرسالة الإسلامية مجرد دعوة فردية ، بل منهج حياة يحتاج إلى مجتمع يطبقه ويحميه وينشره •
٤- أمر الله تعالى لنبيه بالهجرة •
الهجرة كانت تنفيذا لأمر رباني وحكمة إلهية ، ولم تكن مجرد قرار بشري •
ثانيا : التخطيط النبوي للهجرة •
من أعظم الدروس أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخذ بكل الأسباب الممكنة •
- اختيار الرفيق المناسب وهو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه –
- الخروج ليلا تفاديا للمواجهة • المبيت في غار ثور ثلاثة أيام .
- الاستعانة بدليل خبير بالطريق • توزيع الأدوار بين أسماء
وعبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة • - ومع هذا التخطيط المحكم كان قلبه معلقا بالله • قال لأبي بكر
: ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” رواه البخاري ومسلم
ثالثا : الحقيقة أن الهجرة النبوية قد درست عبر أربعة عشر قرنا
، ولذلك يصعب الجزم بوجود ” سر لم يتطرق إليه أحد مطلقا “
لكن هناك لفتات تدبرية دقيقة لا يكثر الحديث عنها ، منها :
١ – الهجرة كانت انتقالا من ” معجزة الحفظ ” إلى سنة الأخذ بالأسباب “
- كان الله تعالى قادرا أن ينقل نبيه – صلى الله عليه وسلم –
إلى المدينة بمعجزة كما أسرى به إلى السماء ، ومع ذلك جاءت الهجرة مليئة بالتخطيط الدقيق : - اختيار الرفيق • اختيار الدليل • اختيار التوقيت • التمويه على
الأعداء • توزيع الأدوار • - وكأن الرسالة للأمة : المعجزات للأنبياء ، أما الأمم فتبنى بالأسباب والعمل •
٢ – كل أفراد المجتمع شاركوا في صناعة الهجرة •
فالهجرة لم يصنعها النبي وحده :
- رجل كبير السن : أبو بكر • شاب : عبدالله بن أبي بكر •
- امرأة : أسماء بنت أبي بكر • راع : عامر بن فهيرة • خبير
طرق غير مسلم : عبدالله بن أريقط • - وهذا درس حضاري عظيم : الأمة تنتصر عندما يتحول كل فرد
فيها إلى صاحب رسالة •
٣ – الغار ليس موضع النصر بل موضع التربية :
كثيرون ينظرون إلى غار ثور باعتباره مكان نجاة فقط ، لكن
التدبر يكشف أنه كان مدرسة إيمانية • ففي أشد لحظات الخطر
نزلت الكلمات الخالدة : ” لاتحزن إن الله معنا ” سورة التوبة: ٤٠
فكان أول بناء للدولة الإسلامية يبدأ ببناء اليقين في القلوب •
٤ – الهجرة لم تكن هروبا من الواقع بل صناعة الواقع الجديد •
كثير من الناس يفرون من المشكلات ، أما النبي – صلى الله عليه وسلم – فانتقل ليؤسس مجتمعا جديدا ودولة جديدة وحضارة جديدة • ولهذا لم تبدأ الهجرة بالشكوى من مكة ، بل بدأت ببناء
المدينة •
٥ – من أرقى أسرار الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم –
خرج من أحب البلاد إليه . ورد أنه قال عن مكة : ” والله إنك
لأحب أرض الله إلي ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت .
فكانت الهجرة إعلانا أن العقيدة مقدمة على العاطفة ، والرسالة مقدمة على الراحة ، والواجب مقدم على المصلحة الشخصية .
لفتة بلاغية جميلة :
لم يقل الله تعالى : ” إن الله معك ” ، بل قال :” إن. الله معنا “
فأدخل أبا بكر رضي الله عنه في معية الله الخاصة تكريما له ،
وجعل الآية درسا خالدا في الصحبة الصالحة ؛ فالصاحب المؤمن
قد يرفع بصحبته إلى مقامات عظيمة •
ولعل من أجمل ما يقال في الهجرة : ” لم يكن أعظم ما في
الهجرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصل إلى المدينة ، بل
أن الإيمان وصل من قلب رجل واحد إلى أمة ملأت الدنيا نورا وعدلا ورحمة •
- لم تكن الهجرة انتقال أقدام من مكة إلى المدينة ، بل كانت
انتقال أمة من الضعف إلى القوة ، ومن التفرق إلى الوحدة
ومن المعاناة إلى صناعة الحضارة ، ولذلك بقيت الهجرة حدثا في التاريخ ، ومنهجا للحياة • - إذا كانت الهجرة النبوية قد انتهت بوصول النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة ، فإن الهجرة الحقيقية لا تزال مطلوبة من
كل إنسان ؛ هجرة من الجهل إلى العلم ، ومن المعصية إلى
الطاعة ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل •
.فالأمم لا تبعث من جديد إلا حين تهاجر من واقعها الضعيف
إلى مستقبلها الذي أراده الله لها ” • - ما أعظم الهجرة ! خرج فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة وليس معه جيش ولا مال ولا سلطان ، ولكن كان معه ما هو أعظم من ذلك كله ، اليقين بالله • فتح الله تعالى له القلوب قبل البلدان ، وأدام به أمة غيرت مجرى التاريخ • ومن أبلغ ما يستشهد به في هذا المقام قوله تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله ” سورة التوبة : ٤٠
فكأن الآية تعلمنا أن نصر الله لا يتوقف على كثرة العدد ولا
وفرة العدة ، وإنما على صدق الإيمان وصحة التوكل وحسن الأخذ بالأسباب •
قال تعالى : ” إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ” سورة البقرة : ٢١٨ . - ما نتائج الهجرة النبوية المباركة ؟
١ – تأسيس الدولة الإسلامية • أصبحت المدينة المنورة أول دولة
تقوم على العقيدة والعدل والشورى •
٢ – بناء المسجد النبوي • فكان مركز العبادة والعلم والتربية وإدارة شؤون البلاد
٣- المؤخاة بين المهاجرين والأنصار • وهي تجربة إنسانية فريدة
جسدت معاني الإيثار والتكافل •
٤ – نشر الإسلام خارج مكة • أصبحت المدينة قاعدة انطلاق للدعوة إلى العالم •
٥ – تحول المسلمين من الاستضعاف إلى التمكين .قال تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ” سورة النور : ٥٥ . - ما الدروس المستفادة لواقعنا المعاصر ؟
١- أهمية التخطيط مع التوكل : فالتوكل الصحيح لا يعني ترك
الأسباب ، بل الجمع بين العمل والثقة بالله •
٢ – أن التغيير يحتاج إلى صبر : فالنصر لم يأت في يوم وليلة ، وإنما بعد سنوات من الابتلاء •
٣- قيمة بناء الإنسان قبل بناء العمران : فالنبي – صلى الله عليه وسلم – بنى العقيدة والأخلاق أولا ، ثم قامت الدولة •
٤- الوحدة أساس النجاح : فالمهاجرون والأنصار ضربوا أروع الأمثلة في التعاون والتكافل •
٥- التفاؤل في أحلك الظروف : ففي غار ثور ، بينما كانت قريش تبحث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – نزل قوله تعالى : ” لا تحزن إن الله معنا ” سورة التوبة : ٤٠ وهي رسالة خالدة لكل أمة تمر بالأزمات •
- أقوال العلماء في الهجرة النبوية المباركة :
- قال الإمام ابن القيم : ” الهجرة هجرتان : هجرة بالجسدىمن دار إلى دار ” .
- وقال الإمام النووي : ” وفي الهجرة دليل على أن حفظ الدين مقدم على كل مصلحة دنيوية .
- خاتمة بلاغية مؤثرة :
- إن الهجرة النبوية ليست ذكرى تروى ، بل منهج يقتدي به ،
وليست حدثا مضى في صفحات التاريخ ، بل رسالة تتجدد في حياة المؤمن كل يوم ، فكما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – من أرض الأذى إلى أرض البناء ، ينبغي أن نهاجر من الذنوب إلى الطاعات ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن اليأس إلى الأمل ،
ومن السلبية إلى العمل • - لقد خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم – من مكة مهاجرا ، فعاد إليها بعد سنوات فاتحا منتصرا ، ليعلم البشرية أن طريق
الحق قد. يطول لكنه لن يضيع ، وأن الله تعالى إذا وعد أوفى
وإذا نصر أتم النعمة وأكمل الفضل • - فاللهم ارزقنا فقه الهجرة ومعانيها ، واجعلنا من المهاجرين
إليك بقلوبنا وأعمالنا ، واجمعنا بنبيك الكريم في الفردوس الأعلى . اللهم آمين يارب العالمين وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










