في كل مرة يُعلن فيها عن إنتاج جديد لمسرحية كلاسيكية، يتكرر السؤال ذاته: لماذا نعود دائمًا
إلى هذه النصوص القديمة؟ وهل يعود الأمر إلى الحنين إلى الماضي، أم إلى عجز المسرح
المعاصر عن إنتاج نصوص جديدة قادرة على البقاء؟
الإجابة في رأيي مختلفة تمامًا؛ فالنصوص الكلاسيكية المسرحية لا يُعاد إنتاجها لأنها تنتمي إلى
الماضي، وإنما لأنها لم تغادر الحاضر أصلًا.
فالعمل الكلاسيكي الحقيقي هو ذلك النص الذي يتجاوز زمن كتابته، ويظل قادرًا على مخاطبة
الإنسان مهما تبدلت الأزمنة والأمكنة. إنه نص يتناول أسئلة الإنسان الكبرى التي لا تنتهي مثل
السلطة، والعدالة، والحب، والخيانة، والحرية، والهوية، والصراع بين الفرد والمجتمع.
لذلك لا تُعرض الكلاسيكيات باعتبارها قطعًا أثرية تُستدعى من المتحف، وإنما باعتبارها
نصوصًا حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل باستمرار.
خذ على سبيل المثال مسرحيات وليام شكسبير، التي لا تكاد تغيب عن مسارح العالم. فمسرحية
هاملت ما زالت تُنتج حتى اليوم لأنها تناقش أزمة الإنسان أمام التردد واتخاذ القرار، بينما
تستمر عروض ماكبث لأنها تقدم نموذجًا خالدًا لجشع السلطة وكيف يمكن للطموح أن يتحول
إلى أداة تدمير ذاتي.
أما هنريك إبسن، فما زالت أعماله تحظى بحضور عالمي متجدد. فمسرحية بيت الدمية تعود
إلى الخشبات باستمرار لأنها لم تعد مجرد قصة امرأة تغادر منزل زوجها، ولكن أصبحت نقاشًا
مفتوحًا حول استقلال الفرد وعلاقة الإنسان بالمنظومات الاجتماعية التي تقيده. وكذلك الأمر مع
مسرحية عدو الشعب التي تبدو اليوم أكثر راهنية من وقت كتابتها، فهي تناقش الصدام بين
الحقيقة والمصالح الاقتصادية والجماهير التي قد ترفض سماع ما يهدد استقرارها.
ولا يختلف الأمر مع سوفوكليس، إذ ما زالت أنتيجوني تُقدَّم في كل أنحاء العالم باعتبارها واحدة
من أهم المسرحيات التي تناقش الصراع بين سلطة الدولة وضمير الفرد.
غير أن هذا الحضور الطاغي للكلاسيكيات الغربية لا يعني غياب نظيرتها العربية، فالوطن
العربي يزخر بكتّاب مسرحيين استطاعوا أن يخلقوا كلاسيكياتهم الخاصة التي تظل حتى اليوم
حية على الخشبات. فمسرح محمود دياب، بنصوصه الصادمة مثل باب الفتوح الذي يعيد قراءة
التاريخ، وليالي الحصاد التي تغوص في أعماق العلاقات الإنسانية، لم يكن مجرد استعراضٍ
للماضي، وإنما كان تأملاً في سلطة الأنظمة واستبدادها، وما زالت عروضه تُعاد لتذكير
الأجيال الجديدة بأن الاستبداد يتخذ أشكالاً متجددة. وصلاح عبد الصبور، في مسرحية
الحلاج والأميرة تنتظر، لم يكتبْ تاريخًا بقدر ما كتب صراع الإنسان العربي مع المقدس
والسلطة والبحث عن هوية، وهي أسئلة لا تزال أكثر إلحاحًا اليوم مما كانت عليه قبل نصف
قرن. فهؤلاء الكتّاب قدموا نصوصًا عربيةً كلاسيكيةً بأبعاد إنسانية كونية، لكنها تحمل في
طياتها خصوصية الثقافة العربية وقضاياها، الأمر الذي يجعل إعادة إنتاجها اليوم فعلًا مقاومًا
للنسيان وهيمنة الآخر.
ولعل أصدق دليل على هذه الحيويّة التي أنادي بها، هو ما عايشته بنفسي مؤخرًا كممارس
للدراماتورجيا، عندما توليت مهمة معالجة نص المفتش العام للكاتب الروسي نيكولاي جوجول،
لقصر ثقافة روض الفرج. فالنص الذي كتب قبل ما يقارب القرنين من الزمن ليحاكي
البيروقراطية القيصرية، كان أمامنا تحدٍ مزدوج.. كيف ننقله ليواكب الحالة الأمنية والاجتماعية
المضطربة التي يعيشها أبناء هذه المنطقة الشعبية، وفي الوقت ذاته كيف نجعله يخاطب جمهورًا
اعتاد على الفنون الجماهيرية والاستعراضات الساخرة؟ هنا لم يكن الحل هو نسخ النص، وإنما
تفكيك لغته الدرامية بالكامل، وتحويل حواراته الطويلة المليئة بالتلميحات السياسية إلى قالب
غنائي استعراضي ساخر، يعتمد على الأغنية سريعة الإيقاع والحركة الجماعية، لنخلق مسافة
فنية تسمح للجمهور أن يضحك على المفتش وعلى المسئولين الفاسدين، بينما يدرك في أعماقه
أنه يرى نسخة مكبرة من واقعه اليومي. هذا التحويل لم يكن خيانة لجوجول، ولكن كان إنقاذًا له
من غبار المكتبات، إذ تحولت شخصية خليستاكوف إلى أيقونة استعراضية تتناغم مع مزاج
الشارع هناك، وأثبتت التجربة أن القالب الغني ليس ترفيهًا هامشيًا، ولكن هو أداة نقدية نافذة
حين تُحسن توظيفها. وهنا تكمن قيمة الكلاسيكيات؛ فهي لا تمنحنا إجابات جاهزة، ولكن تضعنا
أمام أسئلة لا تكف عن التجدد.
غير أن بعض النقاد يرى في هذا الولع المتجدد بالكلاسيكيات نوعًا من الهروب من مواجهة
تحديات الكتابة المعاصرة، وكأن المبدع اليوم عاجز عن تأسيس دراما جديدة تعكس هموم الذكاء
الاصطناعي، أو الحروب السيبرانية، أو تفكك الهويات في العولمة. وهذه النظرة – رغم
وجاهتها الظاهرية – تغفل حقيقة أن إعادة إنتاج النص الكلاسيكي ليست استنساخًا وإنما هي فعل
إبداعي بحد ذاته؛ فالمسرح لا يعيد إنتاج النص كما هو، ولكن يعيد قراءته من منظور العصر
الذي يُقدَّم فيه، وهو بذلك يصبح مختبرًا لتجريب رؤى معاصرة على بنية درامية ناضجة. حتي
إن كثيرًا من النصوص المعاصرة التي نعدّها اليوم رائدة، تستلهم كلاسيكيات الماضي في بنيتها
وروحها، مما يؤكد أن الكلاسيكي ليس عدوًا للإبداع الجديد، وإنما أرضًا خصبة ينطلق منها.
لذلك نجد أن العرض الواحد يمكن أن يُقدَّم عشرات المرات عبر العالم، وفي كل مرة يحمل
دلالة مختلفة تبعًا للسياق الاجتماعي والسياسي والثقافي. إن نجاح النص الكلاسيكي لا يُقاس
بعمره الزمني، ولكن بقدرته على إنتاج معانٍ جديدة كلما تغير العالم.
ولهذا فإن السؤال لم يعد.. لماذا نعيد إنتاج النصوص الكلاسيكية؟ ولكن كيف استطاعت هذه
النصوص أن تظل معاصرة رغم مرور قرون على كتابتها؟ فالزمن لم ينتصر عليها، لأنها
ببساطة كتبت عن الشيء الوحيد الذي لا يتغير كثيرًا… الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب ستظل الكلاسيكيات المسرحية حاضرة على خشبات العالم، ليس بوصفها
ذكرى جميلة من الماضي، ولا هروبًا من فشل الحاضر، وإنما بوصفها مرآة يرى الإن










