قالب مسرحي تجريبي ، مسرح المستقل ، يفتح الفرصة أمام المؤلفين والممثلين والمخرجين ليساهموا بإبداعاتهم في تطور الحركة المسرحية فنيا وثقافيا، محاولة مد الجسور بين فن المسرح والجمهور مباشرة ، ذائقته وإدراكه لتحقيق أعلى تفاعلية معه ، فالميكروتياترو يعتبر الجمهور مكونا أصيلا في العمل الفني .
الميكروتياترو المسرحية الكبسولة أو المسرحية المكثفة والتي تعرض في حيز مكاني ضيق اي أنها مضغوطة ومركزة.
والميكروتياترو تطور تجريبي للمسرح المصغر بضوابط واشتراطات وقواعد حددته بشكل قاطع، وهو ثمرة المحاولة التجريبية للفرار بالمسرح من محدودية الفرص للكتاب والممثلين والمخرجين والجمهور من مشاكله الاقتصادية وتكلفة إنتاج عروض مسرح العلبة الإيطالي إلى المسرح الفقير معالجا باقتدار لمعوقات ومشاكل مسرح الغرفة ومسرح المقهى، ومسرح اللحظة، مسرح الواقعة باذلا الجهد في التواصل الفعلي مع الجمهور بلا معوقات .
يُعتبر الميكروتياترو واحداً من أبرز المعامل المسرحية المعاصرة، وأكثرها مرونة وعملية في القرن الحادي والعشرين، إذ لا يقتصر الميكروتياترو على كونه مجرد قالب ترفيهي، بل هو مساحة اختبار حقيقية ومستمرة تتوفر فيها كل شروط “المعمل المسرحي” بمفهومه الحديث، وذلك لعدة أسباب:
1- بيئة آمنة للتجريب بمخاطر مالية شبه معدومة في المسرح التقليدي (مسرح العلبة)، يتطلب تجريب فكرة غريبة أو نص فانتازي ميزانيات ضخمة لإنتاج الديكور والإضاءة، وهو ما يجعل المنتجين والمخرجين يتجنبون المخاطرة خوفاً من الفشل المالي.
أما في الميكروتياترو، فإن التكلفة شبه المنعدمة تمنح صناع العمل الحرية المطلقة لتحويل الغرفة إلى مختبر لتجريب أفكار جنونية، نصوص صادمة، أو أساليب إخراجية طليعية دون خوف من الخسارة.
2- مختبر لتطوير أدوات الممثل (التمثيل المجهري) يعمل الميكروتياترو كمعمل فيزيائي ونفسي لتطوير مهارات الممثل؛ حيث يُجبر الممثل على التخلي عن الأدوات التقليدية للمسارح الكبيرة (مثل المبالغة في حركات الجسد أو الصراخ لإيصال الصوت لآخر الصالة).
إذ أنه في هذا المختبر، يتعلم الممثل “التمثيل المجهري” (Micro-acting) المبني على ضبط الأنفاس، حركة العيون الدقيقة، والصدق النفسي التام، لأن أي زيف أو مبالغة ستظهر فوراً أمام الجمهور الذي يجلس على بعد خطوة واحدة منه.
3- معمل للكتابة المسرحية المكثفة يضع هذا الفن كُتاب المسرح في “ورشة تجريبية” صارمة؛ حيث يتعين عليهم اختبار قدراتهم على تفكيك بنية النص الكلاسيكي وصياغة صراع درامي حقيقي، وبناء شخصيات عميقة، وتوليد نقطة تحول (The Twist) وكل ذلك في 15 دقيقة فقط. هذا المختبر يعلم الكتاب كيفية التخلص من الترهل والزوائد اللغوية والوصول إلى جوهر الفكرة مباشرة
4- الفحص الفوري لردود فعل الجمهور (Instant Feedback)المعمل الحقيقي يحتاج إلى نتائج واضحة؛ وفي الميكروتياترو، يتلقى المخرج والممثلون “نتائج اختبارهم” فوراً وبشكل ملموس أثناء العرض. قرب الجمهور يسمح للصناع بملاحظة اتساع حدقة عين المتفرج، ابتسامته، بكائه، أو حتى ملله. هذا التفاعل الحي يجعل العرض نفسه يتطور ويتعدل من ليلة إلى أخرى بناءً على هذه الملاحظات المختبرية
5-دمج الفنون وتجريب وسائط جديدة إذ يُستخدم الميكروتياترو كمختبر لدمج الفنون (Interdisciplinary Lab)، حيث يتم فيه تجريب خلط المسرح بالرقص التعبيري، أو الغناء الأوبرالي المصغر، أو حتى استخدام التكنولوجيا مثل النظارات الافتراضية، لمعرفة مدى تقبل الجمهور لهذه الوسائط في مساحة فيزيائية ضيقة.
قاعدة أساسية
1515X15X
ولنتوقف عند هذا الرقم فهو يشير إلى الإطار الأساسي للعمل
-المكان : 15 مترا مساحة المكان المؤدى فيه العرض .
ولابد من أن يكون المكان مؤهلا للجمع بين المسرح والأنشطة الاجتماعية مثل المراكز الثقافية والمقاهي والنوادي ، وذلك لخلق جوا حميميا لتحقيق التفاعل المباشر بين الجمهور والممثلين مما يعزز التواصل بينهما .
وتلك المساحة تيسر انتشار الميكروتياترو
الزمن : من 10 إلى 15 دقيقة زمن العرض الواحد .
لكسر الملل بعيدا عن طول العرض زمنيا كما في عروض المسارح الكبيرة .
عدد الجمهور :15 فردا .
يمكن تقديم عدة عروض في الليلة الواحدة بفاصل استراحة بينها وللجمهور مطلق الحرية في حضور ما يريد من عروض بأسعار اقتصادية .
عدد الممثلين من 1إلى 3.
يعتبر حاضنة ممتازة للمواهب الشابة وكتاب النصوص الناشئين، كما أنه يجذب ممثلين محترفين ومعروفين يرغبون في استعادة متعة التواصل عن قرب مع الجمهور.
الدليل العملي أو التقنيات الذهبية لصياغة نص الميكروتياترو كما أوردها ميجيل ألكانتود :
انطلاقا من تأكيد ألكانتود أن الميكروتياترو هو “مسرح حقيقي مصغر” يحتاج إلى بناء درامي حقيقي، وصراع، وتحول في الشخصيات،وليس مجرد اسكتش .
أولا : وحدة الزمان والمكان والحدث
المكان : مكان واحد تدور فيه الأحداث.
الزمن : مستمر دون قفزات زمنية مثل بعد يومين
الحدث : رئيسي واحد تدور حوله الأحداث وذلك : لضمان التكثيف والبدء من الذروة فلا مكان للمقدمات أو التعارف بين الشخصيات ، بحيث يبدأ العرض والشخصيات في منتصف الأزمة بالفعل ، مما يجبر الجمهور على الاندماج الفوري باستفزاز الإدراك والتشوق والترقب والشغف لمتابعة العرض، تاركا الجمهور يستنتج الماضي من خلال وحدة الصراع الحالي .
الشخصيات : لما كانت المكان بالمساحة الضيقة 15 مترا لاتتحمل عددا كبيرا من الممثلين ، وزمن مدة العرض 15 دقيقة لاتكفي لتطوير أبعاد أكثر من شخصيتين يربطهما صراع قوي ومباشر ، إذن عدد شحصيات العرض من 1إلى 3 شخصية .
؛ لذا يتم التركيز على ثنائية أو ثلاثية واضحة ومباشرة، لاعتبارات الاقتصادية: يعتمد نموذج الميكروتياترو على تذاكر رخيصة الثمن وجمهور قليل (15 شخصاً)، مما يعني أن العائد المالي المخصص لكل عرض لا يمكنه تغطية أجور طاقم ممثلين كبير.
الأنماط الأكثر شيوعاً لعدد الممثلين:
المونودراما (ممثل واحد): يعتمد العرض كاملاً على ممثل واحد يواجه الجمهور مباشرة، وهو نمط يحمل تحدياً كبيراً لقدرة الفنان على جذب الانتباه طوال الـ 15 دقيقة.ا
الديودراما ..الدويتو (ممثلان): وهو النمط الأكثر نجاحاً وشيوعاً في الميكروتياترو، حيث يتمحور النص حول صراع ثنائي مباشر (مثل: زوج وزوجة، محقق ومتهم، صديقان وبينهما سر).
بلا شك يمكنني أنا د.كمال يونس القول أن الميكروتياتر يستوعب العروض المكتوبة للموندراما والديودراما والتريودراما متى ما استوفت المعايير المذكورة بعالية ، ولعل مواصفات كتابتها تتفق مع ما أوردته في كتاباتي وكتبي عن خصائص الكتابة المسرحية مثل مدخل إلى فن المسرح أبو الفنون ، والمرصد المسرحي ، ومحطات مسرحية وغيرها والتي خصت قواعدها في الآتي ، )- الكاتب المسرحي من وجهة نظري مفترض فيه الموهبة وحرفية استخدام قاعدة ال (5c)ومكوناتها:1-compact /2- condensed/3- concentrated/4- compatible/ 5-compliant ،
أو بالعربية( الخمسة م..الخمسة ميم ) أي مضغوط الحوارات والأحداث، مركز الموضوع محدد الهدف منعا لتشتت القارئ أو المشاهد ، مكثف الأحداث بعيدا عن الحشو والتلفيق ومكثف الشخصيات ،متوافق وطيع مع إمكانية الأداء المسرحي وتقديمه كعرض مسرحي ، ومتوافق من حيث اهتمامات الجمهور والمؤلف بحيث يشعر الجمهور بأن المؤلف واحد منه يعبر عنه وهو لسان من ألسنة حاله بحيث تحدث حميمية بين الجمهور وموضوع العرض ، مطوع ييسر تعامل المخرج مع النص لقبول الجمهور وذائقته وخصوصيتها من مجتمع لمجتمع له كعرض مسرحي .
الحوار :
- جمل قصيرة رشيقة ومحملة بالمعاني .
-كل جملة تدفع الحبكة للأمام أو تكشف سرا ، ولإمكان للحشو أو الثرثرة الفلسفية ( الجمل المركبة المعقدة ) - النهاية المدوية : لابد أن يحمل المشهد النهائي ( الأخير) تحولا مفاجئاً وصادماً يقلب توقعات الجمهور رأساً على عقب، ويتركهم في حالة ذهول يدفعهم لمناقشة العرض بعد خروجهم.
أي إحداث أثر ممتد للعرض لا يغادر الجمهور التفكير فرديا أو مع بعضهم البعض .
ثانيا : أخطاء البدايات الشائعة وكيفية تجنبها : - فخ “السكيتش” الكوميدي: يقع المبتدئون في خطأ كتابة “نكتة ممتدة” أو مواقف مضحكة دون عمق؛ يؤكد ألكانتود أن الماكروتياترو هو “مسرح حقيقي مصغر” يحتاج إلى بناء درامي حقيقي، وصراع، وتحول في الشخصيات، وليس مجرد اسكتش ترفيهي.
- محاولة قول كل شيء: يحذر من حشو النص بقضايا كبرى ومحاولة حل مشكلات العالم في 15 دقيقة؛ النص الناجح يركز على تفصيلة إنسانية واحدة صغيرة جداً، ومن خلالها يلمس قضية أكبر.
- إهمال المساحة والجمهور: ينسى بعض الكتاب أن الجمهور يجلس على بعد سنتيمترات من الممثل؛ الخطأ هنا هو كتابة نصوص تتطلب تغيير ديكور، أو مؤثرات بصرية ضخمة، أو تجاهل وجود المتفرجين كعنصر “فيزيائي” يشارك الممثلين أنفاسهم داخل الغرفة.
- الشرح والتبرير (Exposition): من الأخطاء القاتلة أن تبدأ الشخصيات في شرح الماضي للجمهور (مثل: “كما تعلم يا صديقي، منذ أن سافر والدي قبل عامين وأنا…”). ينصح ألكانتود بترك الجمهور يستنتج الماضي من خلال حدة الصراع الحالي الحاضر أمامه.
سينوغرافيا ( فن تصميم الصورة المسرحية) :
السينوغرافيا كمصطلح لها عدة تعريفات متباينة ،منها التعريف الشمولي لها بأنها تشكيل فني يحدد أطر العرض المسرحي ( الزمان ، المكان، الحدث) استنادا للنص المسرحي وطبيعة وحكاية مادة العرض ، أو إدخال النص المسرحي الأدبي إلى مجال الفنون البصرية والسمعية بحيث تدركها الحواس ماديا بالرؤية والسمع ، ومعنويا عن طريق الفكر والتفاعل ، أو تكوين لوحة تشكيلية حية مباشرة ذات رد فعل مباشر يهدف إلى توحد الجمهور والعرض ، أو تلك العناصر المادية والروحية والحواسية التي تهدف إلى تخليق الحدث دراميا ، أو التفصيلي المختصر الذي يعرفها بأنها نتاج ومحصلة ذلك التفاعل الأدبي ( النص ) و الفن المسرحي ( العرض ) ، أو أنها تشكيل العرض الذي هو صورة النص ، وصورة عالم اجتماعي ، أو ذلك الذي يبحث في تفاصيل المصطلح استنادا إلى مكوناتها ووظيفتها ومحصلتها النهائية ، فيعرفها بأنها نتاج ذلك التفاعل بين مكونات العرض الفني كلها = صورته التشكيلية الإبداعية التي هي في جوهرها إسهامات لفنون عدة يستخدمها المشاركون في العرض كل حسب تخصصه ، و قد ارتضوا لها أن تقدم للجمهور مستهدفة حواسه ، سمعيا ( الحوار والموسيقى والأغاني والأشعار ) ،وبصريا ( أداء تمثيلي ، أزياء ، ديكور ، إكسسوارات ، إضاءة ، والتقنيات الحديثة والتي يهجن فيها المسرح بالسينما ، واستخدام تقنيات الفيديو وامتزاج الصورتين المسرحية والسينمائية في العرض المسرحي) ، بغية إحداث صورة ذهنية عاطفية عقلانية في إطار جمالي ، تصل من خلالها رسالة وهدف ومضمون العرض للجمهور، وهو ما يتفق مع تعريف د.كمال عيد أبرز الأكاديميين والمنظرين للمسرح العربي بأنها ” تعني الخط البياني للمنظر المسرحي حرفيا هذا ضمن التعبير المسرحي، أما الفلسفي فيعني علم المنظر الذي يبحث في ماهية كل ما على خشبة المسرح ، وما يرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على إبراز العرض المسرحي جميلا، كاملا ، متناسقا ومبهرا أمام الجماهير.
أي أن السينوغرافيا تشمل صوامت ( الإضاءة ، الديكور ، الإكسسوارات ، الماكياج ، الأزياء )، والنواطق ( الحوار ، الأغاني ، الموسيقى ، المؤثرات الصوتية )، وحركات ( أداء الممثلين ، والرقصات والاستعراضات)
السينوغرافيا في عروض الميكروتياترو
الصوامت : لاينظر في عروض “الماكروتياترو” إلى الديكور والإضاءة كعناصر تكميلية، بل هما أدوات درامية أساسية تعوض غياب خشبة المسرح التقليدية، نظرًا لأن العرض يُقام في غرف صغيرة (حوالي 15 مترًا مربعًا) ويفصل بين الممثل والجمهور سنتيمترات قليلة، يعتمد المخرجون على تقنيات ذكية ومقننة تخدم النص وتراعي ضيق المساحة.
إ كيفية توظيف الإضاءة والديكور البسيط في هذا الفن:
أولاً: الديكور الذكي والمينيمالي (Minimalist Decor) - الأثاث متعدد الوظائف: يتم استخدام قطع أثاث بسيطة يمكن تحوير وظيفتها؛ صندوق خشبي قد يكون مقعداً في مشهد، وطاولة في مشهد آخر، أو حتى تابوتاً، مما يوفر المساحة ويمنح العرض مرونة حركة عالية.
-الاعتماد على “الإكسسوارات المحمولة” (Props): بدلاً من بناء جدران أو خلفيات ضخمة، يتم التركيز على تفاصيل صغيرة محمولة تحدد طبيعة المكان فوراً (مثل: حقيبة سفر، زجاجة دواء، مسدس، أو رسالة قديمة). هذه القطع الصغيرة تصبح هي محور الصراع الفعلي. - استغلال معمارية الغرفة الحقيقية: يتم دمج عناصر الغرفة الفعلية في العرض. جدران الغرفة، نوافذها، أبوابها، أو حتى عمود إسمنتي في المنتصف، يتحولون إلى جزء من السينوغرافيا والديكور دون تكلفة أو مجهود إضافي.
- التجهيز السريع والفك (Quick Reset): بما أن العروض تتكرر عدة مرات في نفس الليلة (غالباً من 4 إلى 6 مرات متتالية)، يجب أن يكون الديكور قابلاً لإعادة الترتيب في أقل من دقيقتين بواسطة الممثلين أنفسهم قبل دخول الدفعة التالية من الجمهور.
ثانياً: الإضاءة الديناميكية والمحسوسة (Immersive Lighting)الإضاءة الواقعية / المنزلية: نادراً ما تُستخدم كشافات المسرح الضخمة (Spots)؛ بدلاً من ذلك، يتم الاعتماد على مصادر إضاءة واقعية موجودة داخل بيئة النص (Diegetic Lighting) مثل: مصباح طاولة (أباجورة)، كشاف يدوي، إضاءة هاتف محمول، أو حتى شمعة.خلق التباين العالي (Chiaroscuro): بسبب قرب الجمهور.
-يتم التركيز على إضاءة وجوه الممثلين وتعبيراتهم الدقيقة جداً، مع ترك بقية الغرفة في ظلام نسبي. هذا التباين الشديد بين الضوء والظل يعزز من شعور “الحميمية” والتوتر النفسي. - تحديد الأماكن الافتراضية: في المساحة الضيقة، يتم تقسيم الغرفة إلى منطقتين أو ثلاث عبر بقع ضوئية منفصلة. إطفاء الضوء عن جهة وإضاءته في جهة أخرى ينقل الجمهور فوراً من “غرفة المعيشة” إلى “الشرفة” دون الحاجة لتغيير الديكور.
إضاءة الجمهور: في بعض النصوص التفاعلية، يتم تعمد توجيه جزء من الإضاءة نحو الجمهور لإلغاء “الجدار الرابع” تماماً، مما يبرز ردود أفعال المتفرجين ويجعلهم يشعرون بأنهم مراقَبون داخل الحدث كبقية الممثلين.
الكوريوغرافيا والميكروتياترو
الكوريو غرافيا ( CHOREOGRAPHY) : تصميم الرقصات ، وهي فن ابتكار وترتيب تسلسلات حركية في الزمان والمكان ، أو كتابة الرقص وتدوينه حيث يضع المصمم الخطوات والحركات لتنفيذ عرض فني .
وهناك فرق بين الرقص ( فن الأداء نفسه سواء أكان عفويا أو مخططا له ) ، والكوريوغرافيا ( الخطة والتصميم الذي ينفذه الراقصون وليست الرقصة نفسها )
، يمكن تماماً أن يتضمن عرض الميكروتياترو رقصات تعبيرية وكوريغرافيا، بل إن هذا الدمج يُعد من أكثر الاتجاهات التجريبية نجاحاً وإثارة في هذا الفن، ويُعرف هذا النمط تحديداً باسم “المايكرودانز” (Microdance) أو مسرح الحركة القصير.
ومع ذلك، فإن إدراج الكوريغرافيا في مساحة 15 متراً مربعاً وأمام جمهور يفصله عن المؤدين سنتيمترات قليلة يتطلب تقنيات وتصميم حركي ذكي ومختلف تماماً عن المسرح الكبير.
كيفية توظيف الكوريغرافيا في الميكروتياترو - الحركة الرأسية والموضعية (Stationary & Vertical Movement): بدلاً من الرقص الذي يتطلب الركض أو القفز الأفقي الواسع، تركز الكوريغرافيا على الحركة الموضعية في نفس المكان، أو استخدام مستويات مختلفة (الوقوف، الجلوس على الأرض، التمدد، الاستناد إلى الجدران).
- كوريغرافيا التعبيرات والجسد المصغر (Micro-movements): يتم التركيز على حركات دقيقة جداً ومكثفة (مثل حركة اليدين، لغة العيون، تلاحم الكتفين، أو إيقاع الأنفاس). هذه التفاصيل لا تُرى بوضوح في المسارح الكبيرة، لكنها تصبح شديدة التأثير والقوة في الغرف الضيقة.
- التلاحم الجسدي (Contact Improv): يعتمد الراقصون غالباً على تقنيات “رقص التلامس” أو الثنائيات (Duets)، حيث يمثل جسد الشريك الآخر أو قطع الأثاث البسيطة المحور الأساسي لنقل مشاعر الصراع، الحب، أو العزلة دون الحاجة لمساحة كبيرة.
- دمج الجمهور في الحركة: في بعض العروض، يتحرك الراقصون “بين” مقاعد الجمهور أو يستغلون المساحات الفاصلة بينهم، مما يجعل المتفرج يشعر بالهواء والاهتزاز الناتج عن الحركة، مما يرفع من مستوى الاندماج الحسي.
ويمكن توظيف الرقص التعبيري في العروض القصيرة في لتعبير عن الصامت واللامفكر فيه: يُستخدم الرقص عندما تعجز الكلمات؛ مثل تجسيد الصراع الداخلي لشخصية ما، أو التعبير عن علاقة زوجية متوترة عبر حركات دفع وجذب صامتة ومنظمة إيقاعياً.
-المسرح الموسيقي المصغر: تقديم استعراض غنائي راقص مكثف جداً يعتمد على حركات إيقاعية سريعة ومتناسقة متطابقة مع الإضاءة .
التفاعل النقدي والجماهيري والميكروتياترو
تفاوتت آراء النقاد المسرحيين والصحافة الثقافية في إسبانيا عند استقبال “الميكروتياترو”؛ حيث تراوحت الردود بين الترحيب الشديد باعتباره حركة إنقاذية للمسرح في زمن الأزمات الاقتصادية، والتحفظ النقدي الخائف على هوية المسرح التقليدي وعمقه الفني.
ويمكن تلخيص المشهد النقدي وكيفية استقبال هذا الفن في عدة اتجاهات أساسية:1
1-استقبال النقاد الممتدحين (الجانب الإيجابي)
وصفت الصحافة الإسبانية الميكروتياترو بأنه الفن الطازج و”المسرح العاجل”:، مسرح الطوارئ” مسرح ذكي، نجح في البقاء والازدهار خلال ذروة الأزمة الاقتصادية عام 2009 التي عصفت بالمسارح الكبرى.
- أشاد النقاد بكسر النخبوية والطبقية؛ إذ أتاح الفضاء للجميع (بأسعار تذاكر زهيدة جداً) حضور الفن، وتحول المقر من فكرة عابرة إلى مزار سياحي وثقافي رائد.
- مدرسة أداء الممثل العبقري : مجّد النقاد الجانب الأدائي فيه”في المايكروتياترو، لا توجد خدع؛ إما أن تكون ممثلاً عبقرياً وصادقاً أو ينكشف زيفك في دقيقة، لأن الجمهور يتنفس معك في نفس المساحة”
2- استقبال النقاد المتحفظين بقسوة الميكروتياترو في بداياته - (مخاوف وجدل) فخ “مسرح الوجبات السريعة” (Fast-Food Theatre): معتبرة إياه يحول الفن إلى “وجبة سريعة سهلة الهضم” تتناسب مع عصر السرعة وتشتت الانتباه.
- رأوا أن 15 دقيقة قد تُسطّح القضايا الفلسفية والسياسية المعقدة.
- التأثير على البناء الكلاسيكي: تخوف نقاد أكاديميون من أن يتسبب نجاح المايكروتياترو في عزوف الأجيال الجديدة عن قراءة وكتابة المسرح الملحمي أو الكلاسيكي الطويل، نتيجة اعتيادهم على الإيقاع الخاطف والنهايات الصادمة.
- المتاجرة والتكرار الكوميدي: لاحقاً، انتقد بعض المتخصصين اضطرار بعض الغرف لتقديم نصوص كوميدية خفيفة وسطحية باستمرار لمجرد جذب الجمهور وضمان الدخل المالي، مما قلل أحياناً من الجرأة التجريبية الأصلية للمشروع.
الاستقبال الجماهيري (النجاح الساحق)بينما كان النقاد يتبادلون الجدل، كان استقبال الجمهور حاسماً ومبهراً: - ظاهرة الطوابير الطويلة: امتدت الطوابير في مدريد للفوز بتذكرة لمشاهدة “الكبسولات المسرحية”، مما جعل الفكرة تتحول سريعاً من مشروع تجريبي مؤقت إلى شركة وعلامة تجارية مستدامة (Microteatro por Dinero).
- تغيير نمط الترفيه: استقبل الجمهور التجربة كـ “تسلية اجتماعية متكاملة”؛ إذ ألغت طابع الجدية الصارمة للمسارح التقليدية، وسمحت للمتفرجين بالخروج والدخول وتناول المشروبات والحديث مع الفنانين مباشرة بين العروض.
الخلاصة النقدية
بمرور السنوات، تصالح النقد الإسباني مع الميكروتياترو، ولم يعد يُنظر إليه كـ “تهديد” لمسرح العلبة، بل كـ “رئة إضافية” إنقاذية منحت الفضاء المسرحي عموماً قبلة حياة وضخت دماءً جديدة في عروق الفن المستقل.
التجربة المصرية
والتي ترعاها د.نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون منذ عام 2020 حين كانت عميد المعهد العالي للفنون المسرحية في الإسكندرية، ورئيس قسم التمثيل والإخراج بأكاديمية الفنون ، والحاصلة على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الفلسفة والآداب والفنون بجامعة “الأوتونما” في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1998 ، والتي استثمرت بكل دأب وتبنت الميكروتياترو ، مستثمرة علاقاتها الدولية مع السفارة الاسبانية ومعهد سيرفانتس في دعم هذا النوع من المسرح الأكثر عصرية والمتوافق مع العصر،وأقامت له وزارة الثقافة مهرجانا خاصا لل ميكروتياترو، في عدة صالات ، كل صالة في حدود 20 متر 25 متر ، ومدة العرض من 20 إلى 22 دقيقة ، وهناك شاشة عليها مواعيد العروض وللجمهور أن يختار حسبما يريد ، بحيث تتناول تلك العروض تيمة واحدة مثلا عن المال أو الطمع أو الفراق تعرض بتناول فني مابين كوميدي ، استعراضي ، ميلودرامي ، تراجيدي لمبدعين مختلفين ، وجبات فنية متعددة ، في محاولة حثيثة لإثراء الحالة المسرحية ، دون المساس بالشكل التقليدي للمسرح على الإطلاق ، وذلك بالتغذية الدؤوبة المتواصلة لدماء وأفكار جديدة ، ولقد لجأت أولا للاستعانة بالنصوص المترجمة عن الإسبانية ثم تطور الأمر إلى عروض كتبها مؤلفون مصريون ، مع عمل مسابقات لنصوص الميكروتياترو ، إضافة إلى الورش التي تبث أونلاين ،وتم اختيار 14 نصا لترجمتهم اختارها الأسبان من جمعية المؤلفين لاعتقادهم أنها الأفضل ، وكل مايتم تقديمه تتم ترجمته في العام الذي يليه ، ليكون هناك نوعا من التعارف الإبداعي والتحاور الثقافي والفني، وبالفعل تم تمثيل عروض الميكروتياترو في المهرجانات الدولية والاشتراك في مسابقة كاردباكو دي برشلونة ، مع جمعية المؤلفين والمؤلفات في إسبانيا ، مع مسابقات للعروض على مستوى النص أو السينوغرافيا ( الإخراج) .











