دخلت سياسة الإعفاء الجمركي التي طبقتها الصين على مصر ومعها 52 دولة أفريقية أخرى حيز التنفيذ في الأول من مايو، وهو ما يوسع نطاق الإعفاء بعدما اقتصر في البداية على الدول الأفريقية الأقل نموا. وبالنسبة لمصر، أصبح التحدي الآن عمليا بامتياز؛ إذ يتمثل في تحويل هذا التفضيل التجاري إلى مبيعات حقيقية موجهة للسوق الصينية، ومن ثم تقليص عجز الميزان التجاري مع الصين.
بلغة الأرقام:
يبدأ هذا الاختبار من مستوى منخفض للغاية. إذ ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 41.9% في عام 2025 لتصل إلى نحو 819 مليون دولار، وفي المقابل قفزت الواردات من الصين إلى 19.97 مليار دولار، ما يترك مصر أمام عجز تجاري يتجاوز 19.15 مليار دولار.
لكن الصين ليست العائق في هذه المعادلة، وفق ما ذكره الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية ضياء حلمي لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. إذ قال: “الصين تمد يدها لمصر، ولأي دولة يمكنها تقديم منتج مقبول. كما أن الإرادة السياسية للاستيراد من مصر موجودة، لكن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، بل يتعين عليك أن تقدم لها شيئا في المقابل”.
مكمن التحدي:
يمكن للإعفاء الجمركي أن يعزز تنافسية السلع المصرية، لكن المصدرين ما زالوا بحاجة إلى فهم المتطلبات الحقيقية للمستهلكين في السوق الصينية. ويرى الخبير الصناعي محمد البهي أن الرسوم الجمركية لا تمثل عادة العائق الرئيسي أمام دخول الأسواق، موضحا خلال حديثه مع إنتربرايز أن “الأهم هو فهم طبيعة الطلب على الجانب الآخر”. ومع استمرار المعاملة التفضيلية التي تتلقاها مصر حتى أبريل 2028، يمتلك المصدرون مهلة زمنية مدتها عامان، لإثبات ما إذا كانت هذه السياسة ستمثل انفراجة تجارية حقيقية أم مجرد ميزة تجارية أخرى غير مستغلة.
عامل دعم آخر:
مددت الصين مؤخرا اتفاقية مبادلة العملات المحلية مع مصر، ورفعت قيمتها إلى 30 مليار يوان (نحو 4.43 مليار دولار) مقابل 18 مليار يوان في السابق، مما يمنح التجارة البينية مساحة أكبر لتسوية المعاملات بعيدا عن الدولار. ويرى البهي أن هذا هو العامل الأهم، مشيرا إلى أن تسوية المعاملات بالعملات المحلية تلغي تكلفة تحويل الأموال إلى الدولار ثم إلى اليوان. لكن الخلل لا يزال قائما؛ فبدون زيادة الصادرات المصرية المتجهة إلى الصين، ستقتصر فائدة تيسير التسويات بالأساس على رفع كفاءة علاقة تجارية تغلب عليها الواردات.
لكن العلاقة أعمق من مجرد التبادل التجاري.
فقد جذبت مصر استثمارات بقيمة 10.2 مليار دولار ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية خلال عام 2025، وفقا لتقرير استثمارات المبادرة لعام 2025 (بي دي إف). كما تعمل أكثر من 160 شركة صينية بالفعل في السوق المصرية، في حين أن الخطط المعلنة مؤخرا لتدشين مراكز تجارية وصناعية تعكس مساع أوسع تستهدف جعل مصر قاعدة لسلاسل التوريد بين البحرين الأحمر والمتوسط، وهو ما يدعم مستهدفات القاهرة للوصول بحجم الصادرات السنوية إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030.
ماذا تحتاج الصين حقا؟
سبق أن أشار مسؤولون صينيون إلى الموالح المصرية الطازجة ضمن المنتجات الأفريقية التي تدخل الصين بموجب نظام الإعفاء الجمركي، لتكون هذه الشحنات دليلا مبكرا على تفعيل السياسة الجديدة. ويعتقد حلمي أن الفرصة ربما تتجاوز محصولا واحدا، إذ قال إن “الموالح والفواكه والفراولة والمانجا، كلها منتجات سيستقبلونها بأطنان إذا أردنا”.
لكن قصة الموالح تبرهن أيضا على أن المسألة لا تتعلق بالجمارك فحسب؛ فما زال يتعين على المصدرين تلبية القواعد الصينيةالخاصة بالصحة النباتية، واشتراطات تسجيل المزارع ومحطات التعبئة، ومعايير التغليف، واحتياجات سلاسل التبريد، ومتطلبات التوزيع للمشترين. فمن أجل تصدير الموالح، ينبغي للمنتجين الحفاظ على درجة الحرارة الداخلية للمحصول دون 1.6 درجة مئوية لمدة تتراوح بين 16 و18 يوما متتاليا أثناء النقل للقضاء على ذباب الفاكهة، مما يكشف العائق الحقيقي أمام دخول السوق، والمتمثل في الجوانب اللوجستية لسلاسل التبريد المتطورة والنفقات الرأسمالية الضخمة، وليس الرسوم الجمركية.
منتجات أخرى مرشحة:
قد تكمن الفرصة الأخرى في منتجات تمتلك مصر قدرات إنتاجية فعلية لتصنيعها. وتأتي منتجات الكتان ولب البنجروالقطن ضمن أولى المنتجات المرشحة، وفقا لما ذكره خالد ميلاد، الوزير المفوض التجاري ورئيس المكتب الاقتصادي والتجاري في السفارة المصرية ببكين. ويشير متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بشعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إلى قطاعات الأغذية والمشروبات، والمنسوجات، والمنتجات القطنية، والسلع الهندسية، في حين يرى حلمي مجالا سانحا للسلع ذات القيمة الأعلى مثل الأثاث، والجلود، والسيراميك، والرخام المصنع. ويضيف البهي الأدوية والمكملات الغذائية إلى القائمة، موضحا أن حتى الحصول على موطئ قدم صغير في السوق الاستهلاكية الصينية من شأنه أن يقفز بالصادرات المصرية قفزة هائلة.
الأولوية لفهم طبيعة الطلب:
قال البهي إن المصدرين لا يمكنهم “التحاور مع أنفسهم” وأخذ منتجاتهم إلى الصين، ليتفاجؤوا هناك بأنها غير قادرة على المنافسة. العمل يبدأ من فهم الطلب، والمنتجات المنافسة، ومتطلبات المشترين. ويضرب ميلاد مثالا ملموسا، مشيرا إلى أن صادرات التمور المصرية إلى الصين تواجه صعوبات بسبب تحول المستهلكين الصينيين عن المنتجات عالية السكر. ويطبق حلمي المنطق ذاته على الامتثال لمعايير السوق الصينية، قائلا: “المتطلبات واضحة. إنها ليست صعبة أو مستحيلة، لكن محاولة الالتفاف عليها تعد كارثة”، مشيرا إلى أن المصدرين يجازفون بتعريض منتجاتهم للرفض إذا تعاملوا مع الإعفاء الجمركي باعتباره طريقا مختصرا.
يضع هذا المسؤولية على عاتق الأجهزة المعنية بالتصدير في البلاد. وقال حلمي إن المجالس التصديرية وغرفة القاهرة التجارية واتحاد الصناعات المصرية بحاجة إلى تحديد المصدرين الجادين، ودراسة احتياجات الصين الفعلية، وربط الشركات بالمشترين المناسبين. وفي هذا السياق، التقى وفد تجاري صيني مؤخرا بغرفة القاهرة والاتحاد العام للغرف التجارية، وفق ما قاله بشاي، مشيرا إلى أنه لا يزال يتعين على المصدرين متابعة المعارض، وزيارة السوق، وتحويل الميزة الجمركية التفضيلية إلى علاقات تجارية مباشرة.
وأضاف بشاي أن “هذا أمر لا يحدث بين عشية وضحاها”، لافتا إلى أن الإعفاء الجمركي والتسوية باليوان من شأنهما أن يسهما في تضييق فجوة العجز التجاري بمرور الوقت، لكن ليس قبل أن يصبح لدى المصدرين معرفة حقيقية بالسوق والقدرة الإنتاجية ودورات الشحن وعلاقات قوية مع المشترين. وقال: “عندما تتحدث عن تدفقات الأموال والحاويات والشحن والتصنيع، فإن الدورة تكون طويلة وبطيئة”. واختتم بشاي حديثه بالإشارة إلى أن الاختبار التالي يتمثل في مدى قدرة مصر على استغلال مهلة الإعفاء الجمركي الممتدة لعامين، لتحويل الطلبات المتفرقة إلى طلب مستمر، بالإضافة إلى تحويل العلاقة مع الصين من علاقة ترتكز على الواردات إلى علاقة يحظى فيها المصدرون المصريون بمسار أوضح لدخول السوق.










