تنبه النبي [ مُحمد ] – صلى الله عليه وسلم – وهو يَؤم صَحابته في إحدي الصلوات إلى وجود { الوليد بن المُغيرة } ، أحد أساطين مُعسكر الكُفر ، وكان يقرأ من سُورة [ فُصّلت ] ، فرفع نبرات صوته وأعاد القراءة مرة أخري ، مما دفع { الوليد } أن يَهرع إلى داره وأن يعتكف بها عشرة أيام لا يبرحها ، حتي قال القوم : ( لقد صَبئ الوليد ، ولتَصبأنَ قُريّشٌ كلها ) !!.
قاد { أبو سفيان بن حرب } قطيعاً منهم وذهبوا إلى دار { الوليد } يستفهمون عن حاله ، فقال لهم قوّلته الشهيرة ؛ أنه سمع من [ مُحمدٍ ] آنفاً كلاماً ماهو بالشعر ، وماهو بالنثر ، ثم ختمها بقوّله ( وماهو بقول بشر ) ، ثم سألهم : تزعمون أنه دجال ، فهل رأيتموه يُخنق ( تسيل ريالته كالمجاذيب ) قط ، تزعمون أنه كذّاب ، فهل جرّبتم عليه الكذب ، تزعمون أنه شاعر ، وهل فيكم أحد أعلم بالشعر مني ، كان يسألهم وفي كل مرةٍ يُجيبونه ب ( لا ) !!.
وهذا ما أسميته أنا ( شرف الخصومة ) ؛ فرغم ما كان بينهم وبين النبي من عداء مُستحكَم ، إلا أن أخلاقهم العربية تأبت عليهم أن يقولوا غير الحق ، وألا يلبسوا النبيّ بما ليس فيه ، وألا يدّعوا عليه كَذِباً وبُهتاناً ، ولما سألوا { الوليد } رأيه قال بعدما فكر وقدر : إنه السحر الذي يأخذ بالألباب ، فنزلت فيه سُورة ( المُدثر ) !!.
لم يستطع الوليد أن يلصق بالنبيّ ماليس فيه – رغم العداوة – لأنه سيد بني مخزوم بلا منازع ، ولأنه الوليد ، واحد من سادات قريش ، ولأنه كان يطعم الحجيج وحده ، ويرفض أن توقد نار غير ناره ، ولأنه حرم علي نفسه الخمر ، ولأنه يعلم أن الكفر موقف سياسي ، ولكن الكذب موقف أخلاقي ، ولأنه يعرف قدر النبيّ وأهله ومكانتهم في مكة وبين العرب !!.
ومن ذات النبع نأخذ جَرعة ماء زلال في حديث نبويّ شريف ، يجعل الفجور في الخصومة أحد دلائل النفاق ( وإذا خَاصَمَ فَجر ) !!.
وعندما أنيخ راحلتي في زماننا هذا ، وأينما التفت تصدمني لَجاجة الخُصومة ، والتفنن في إسباغ أسوأ النعوت والصفات علي الخِصم ، وفبركة الأكاذيب في حقه ، وسبك الروايات المُضللة عنه ، ولا مانع من الاستعانة باليمين الكاذب وشهود الزور ، وحَبك المؤامرات للإيقاع به في أي شَرَك ، لا يهم الشرف ولا العِرض ولا السُمعة ولا الماضي ولا المستقبل ، ولا اعتبار لود قديم ولا لأخوة كانت !!.
وتداهمني من حولي روح الحقد والتشفي ، والإحساس بالنشوّة لفضيحة أو جُرسة أو هتك عِرض ، غير عابئين برجل غافل كان أو امرأة مَصونة ، يتساوي في ذلك الأفراد والأجهزة ، الناس والإعلام ، البشر والدولة ، فلا مَوّضع في أي صراع في زماننا هذا إلى التحلي بأخلاق ( شرف الخُصومة ) ، تلك التي حرص عليها الجاهليون ، الكُفّار !!.









